خريطة المجلة الإثنين 18 ديسمبر 2017م

هل ترسل الكائنات الفضائية رسائل إلى الأرض؟  «^»  ماء دافئ تحت سطح قمر زحل.. واحتمال وجود حياة   «^»  10 نصائح للاعتناء بمنزلك ستقيك شرّ الأمراض  «^»  طرد الشيخوخة يبدو قريبامن خلال تجارب مثيرة لدواء جديد  «^»  ارتفاع مستوى الرصاص في الدم يؤثر على ذكاء الأطفال  «^»  محاكمة طه حسين  «^»  العوالم السوداء.. من القتلة المحترفين إلى الجهاديين.. كيف يتواصل الجميع؟!  «^»  في فقه الممانعة / زياد ماجد  «^»  معجمُ النّظام العالمي الجديد  «^»  يا صهاينة العرب: إليكم عنا! جديد الأبواب الثابتة
نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

الأبواب الثابتة
نقد أدبي
دراسات أدبية
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال / 1948 - 1968

غسان كنفاني

مقدمة



ليست المقاومة المسلحة قشرة، هي ثمرة لزراعة ضاربة جذورها عميقا في الأرض، وإذا كان التحرير ينبع من فوهة البندقية، فان البندقية ذاتها تنبع من ارادة التحرير، وارادة التحرير ليست سوى النتاج الطبيعي و المنطقي والحتمي للمقاومة في معناها الواسع: المقاومة على صعيد الرفض وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف.



ومثل هذا النوع من المقاومة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي و العمل الثقافي، و يشكل هذان العملان المترافقان اللذان يكمل واحدهما الآخر الارض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة و تحضنها و تضمن استمرار مسيرتها و تحيطها بالضمانات.

ومن هنا فان الشكل الثقافي في المقاومة يطرح اهمية قصوى ليست ابدا أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها، و بالتالي فان رصدها و استقصاءها و كشف اعماقها تظل ضرورة لا غنى عنها لفهم الارض التي ترتكز عليها بنادق الكفاح المسلح.



وفي الفترة التي امتدت بين 1948 و 1968، قدم المثقفون العرب في فلسطين المحتلة، من خلال أقسى ظروف القمع، و الأسر الثقافي، نموذجا تاريخيا للثقافة المقاومة، بكل ما فيها من وعي و صمود و صلابة، و أهم من ذلك، بكل ما فيها من استمرار و تصاعد وعمق.



وفي الواقع فان ادب المقاومة -على وجه الخصوص - لم يكن أبدا ظاهرة طارئة على الحياة الثقافية الفلسطينية، و في هذا النطاق فان المقاومة الفلسطينية قدمت، على الصعيدين الثقافي و المسلح، نماذج مبكرة ذات أهمية قصوى كعلامة اساسية من علامات المسيرة النضالية العربية المعاصرة.



وحفل التاريخ الفلسطيني،منذ الثلاثينات على الاقل، بمظهار المقاومة الثقافية و المسلحة على السواء، و اذا كانت الثورات المسلحة التي خاضها شعب فلسطين قد انتجت اسماء من طراز عز الدين القسام مثلا، فان أدب المقاومة قد انتج، قبل ذلك و معه و بعده، اسماء من الطراز نفسه، ما زال المواطن العربي يذكرها بكثير من الاعتزاز، و من أبررزها ابراهيم طوقان، و عبد الرحيم محمود، و ابوسلمى (عبد الكريم الكرمي) و غيرهم.

ومن هذه الناحية فان أدب المقاومة الفلسطيني الراهن، مثله مثل المقاومة المسلحة، يشكل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية لم تنقطع عميليا خلال نصف القرن الماضي من حياة الشعب الفلسطيني.



ولكن ما يميز الادب المقاوم في فلسطين المحتلة منذ 1948 حتى 1968 هو ظروفه القاسية البالغة الشراسة، التي تحداها و عاشها، و كانت الأتون الذي خبز فيه انتاجه الفني، يوما وراء يوم.



لقد كان الحصول على نماذج هذا الادب المقاوم صعبا للغاية، و من المؤكد الآن ان هناك نماذج لم يتسير قط نشرها، و لا نعرف فيما اذا مان من الممكن نشرها خلال الفترة الوجيزة القادمة، و كذلك فان ثراثا كبيرا من الشعبي الفلسطيني الذي ولد و ترعرع و انتشر في الريف الفلسطيني خلال العشرين السنة الماضية لم يتسير لنا قط الحصول عليه بالصورة التي تتيح استخدامه لدراسة منفصلة أخرى، و ان كانت الجهود الحالية في هذا النطاق تبشر بامكان ذلك.

في هذا المجال لابد من الاشارة الى أن البحث التالي ليس طبعة جديدة او منقحة لكتابي الذي أصدرته دار الآداب باسم "ادب المقاومة في فلسطين المحتلة"، بل يمكن اعتباره الى حد بعيد دراسة مكملة، خطوة ثانية في هذا النطاق، ولا يسعي الا أن اشير الى أن الكتاب الاول يعتبر مقدمة ضرورية لهذا الكتاب، سواء من حيث التحليل او حيث النماذج.

واذا كان لابد من الاستطراد في هذه النقطة الشكلية، و لكن الهامة، فهناك ملاحظتان لابد منهما:



الاولى ان معظم النماذج التي اخترناها في هذه المجموعة حرصنا على ان تكون من خارج نطاق النماذج التي باتت متوفرة الآن،و التي ستطبع في مجموعات شعرية منفصلة خلال الفترة الوجيزة القادمة.



والثانية ان دراسات تحليلة عديدة لأدب المقاومة الفلسطيني، هي الآن في نطاق الاعداد منقبل استاذه اختصاصيين في النقد الادبي و البحث، و هذا هو بالذات ما جعل الدراسة هذه تميل باطراد نحو الصيغة الوثائقية، اذا جاز التعبير، أكثر بكثير مما حرصت على الصيغة التحللية.

وبعد. ان ما يهم هذه الدراسة، في الاساس. هو انها تحاول تقديم وثيقة أخرى للادب الفلسطيني المقاوم بعد الوثيقة الاولى التي جاءت قبل ثلاث سنوات في كتاب "ادب المقاومة قي فلسطين المحتلة"، فاذا حققت ذلك فانها لا تطمعه الى شيء آخر.

بيروت 15نيسان 1968





الفصل الأول الوضع الثقافي

لعرب فلسطين المحتلة



يقول فوزي الاسمر، وهو كاتب عربي من فلسطين المحتلة:

"بينما كنت جالسا أتناول وجبة غذائي في أحد المطاعم بتل أبيب، استمعت بالصدفة الى مكالمة تلفونية. كان المتكلم شابا عربيا من احدى قرى المثلث. علمت فيما بعد انها أم الفحم".

-"آلو.فاعد هبوعيل[1][1]؟ أعطني من فضلك السيد قصاب من الدائرة العربية. آلو (كل المحادثة بالعربية) سيد قصاب؟ مرحبا. احمد يتكلم. هل تسلمت رسالتي؟ انني متأسف جدا. لقد كتبتها بالعبرية وطلبت من الأخ قاسم ترجمتها للعربية. متأسف. لقد أنهيت مدرسة عبرية ثانوية ولا أعرف الكتابة بالعربية لذا طلبت منه ترجمتها".



ويمضي الكاتب قائلا:

"مكالمة خاطفة تحمل في طياتها الكثير، وأنا هنا لا أضع مسؤولية عدم تعلم العربية، لغة أم أحمد على عاتق أحمد وحده بل على عاتق أحمد نفسه، ألا يخجل من نفسه؟ اننا لا ننكر ان هنالك محاولة من السلطات لبلبلة الجيل العربي الناهض، ولكن أين المسؤولية التي تقع على عاتقه هو؟ انني أتوجه إلى أحمد هذا وكل أحمد آخر في نفس الحالة أن يسارعوا في تعلم لغة أمهم...والا..."[2][2].



ذلك المقطع يعطي لمحة سريعة، ولكنها جارحة حتى العظام. عن نوع فذ من النضال الثقافي الذي يخوضه عرب الأرض المحتلة[3][3] منذ عام 1948، للدفاع عن لغتهم وثقافتهم وتراثهم، وفي الواقع فان المعركة هذه تمثل واحدة من أبشع وسائل الاستعمار الاسكاني في سحق الحركة الوطنية ومحاولة اجتثاثها من جذورها. وكي ندرك فعلا ما هي قيمة أدب المقاومة الفلسطيني في فلسطين المحتلة، من خلال النتاج الذي أعطانا في العشرين سنة الماضية، لا بد من إدراك حجم المصاعب التي تشكل التحديات اليومية في الحياة الثقافية العربية في الأرض المحتلة.



ثمة اعلان فاضح، يشكل اعترافا مثيرا للدهشة، في هذا النطاق، على لسان اسرائيلي مثقف، خلال مناقشة مفتوحة مسجلة.يقول:

"أعتقد ان الكيان القومي هوفوق كل اعتبار، حتى فوق الاعتبارات الخلقية. ان وجود أقلية عربية في اسرائيل يشكل أكبر خطر عليها، اذا لم يكن الآن وفي هذا المستقبل ففي المستقبل البعيد، وحتى نمنع وقوع مثل هذا علينا أن نعمل كل شيء بشكل لا يثير الاحتجاجات العالمية، علينا أن نجد لذلك غطاء ملائما وعبارات جميلة، ولكن اذا لم يكن بد من ذلك، علينا ان نتجاهل الرأي العام.



علينا أن نقصر خطواتهم، وأن نأخذ أراضيهم، كل عربي ينهي المدرسة الثانوية أو الجامعة لا نعطيه عملا وليبحث عن عمل خلال ثلاث أو أربع أو خمس سنوات حتى ييأس ويفهم انه لا مكان له في هذه البلاد وليبحث عن بلاد أخرى، علينا أن نقنع العرب بعدم سماع الراديو العربي، علينا أن نقطعهم عن الثقافة العربية ونضعهم تحت الثقافية اليهودية.

- وماذا سيحدث اذا ما قرروا الاستمرار بسماع الراديو المصري؟ واذا لم يفهموا الاشارة ويغادروا البلاد. ما العمل؟

- سيفهمون، وسيهاجرون.

-واذا رفضوا التخلي عن شخصيتهم القومية او رفضوا الهجرة؟

- لا. سيفهمون!

- كن جريئا وقلها بصراحة: علينا أن نقيم او يشفتز!"[4][4].

وليس في هذا الجدل تصور نظري، فهو في الواقع تعبير عن حقيقة تمارس ممارسة يومية. لقد بات من المعروف "ان مستوى التعليمي في المدارس العربية أضعف منه بكثير في المدارس اليهودية، وكذلك فصل المعلمين الأكفاء وتعيين معلمين انهوا المدارس الابتدائية فقط مكانهم"[5][5].





ان سياسة التجهيل المتعمد هي سمة بارزة من سمات الاضطهاد الثقافي الصهيوني لعرب الأرض المحتلة، وفي هذا النطاق تبرز مسألة التعليم وانخفاض مستواه في الوسط العربي كشيء اساسي.



يعترف ز.آران في مقال له بكتاب "اسرائيل اليوم"[6][6] : ان "53 بالمئة من المعلمين العرب في اسرائيل غير مؤهلين" ويقول م.أساف في الكتاب نفسه [7][7] : ان "عدم توفر اساتذه وكتب وتخطيط بالنسبة للمدارس الثانوية العربية في اسرائيل يؤدي الى اخفاق كبير في امتحانات الثانوية (المتركيوليشن)"، وان المجتمع اليهودي لم يستطع "امتصاص المتخرجين العرب من المدارس الثانوية، ولا طلاب الجامعات العرب"، وانه يوجد "مشكلة أكبر بالنسبة للعرب الذين يضطرون لترك دراستهم الثانوية".

ويعترف أساف بأن نسبة تخرج العرب من الجامعات في اسرائيل نسبة منخفضة، الا انه لا يورد ارقاما، ومع ذلك فبوسعنا ان نتصور هذه النسبة حين يصل الى اعتراف أخطر في قوله ان مجموع الطلاب العرب في الجامعات في اسرائيل، عام 1967، كان 200 طالب فقط (مقابل 19 الف اسرائيلي).

وعلى أي حال لدينا احصاء مروع آخر: "فمن الجيل العربي الذي بدأ التعليم في الصف الأول سنة 1957، ترك المدرسة 45 بالمئة منهم في سنة 1964، أي قبل أن ينهوا الصف الثامن"[8][8] .



فاذا كان هذا هو الحال بالنسبة للمدارس الابتدائية فان الوضع لا بد ان يكون أقسى بكثير في المدارس الثانوية والجامعية، فأساف يقول ان 10 بالمئة فقط من العرب الذين تقدموا لامتحانات الشهادة الثانوية عام 1964 نجحوا، أما في عام 1963 فقد كان الناجحون 12 بالمئة[9][9].

ومن الواضح ان هذا الرقم خادع، ففي حين تقول مصادر أخرى، ان هذه النسبة لم تكن أبدا اكثر من 4 أو 5 بالمائة، سنرى ان ز. آران يقول ان نسبة نجاح المرشحين لامتحانات الشهادة الثانوية بين العرب في اسرائيل، كانت عام 1963 ما نسبته 40,2 بالمائة[10][10].

ان الذي يثبت خطورة هذه المسالة هو ان أساف، و آران، يوردان رقمين متباينين جدا عن نسبة نجاح العرب في الثانوية في اسرائيل، في سنة واحدة، في كتاب واحد!

سنجد، بالاضافة لذلك كله، وصفا موجزا، و لكن قاطعا، للأوضاع التعليمية لعرب فلسطين المحتلة، يعطي فكرة شبه كاملة عن حقيقة هذه الأوضاع.



نقول منظمة "الارض" في اسرائيل، في مذكرة بعث بها الى يوثانت في مطلع 1964[11][11].



" ان نسبة التعليم المرتفعة في ظل الانتداب انخفضت الى الحضيض خلال الست عشرة سنة الماضية، ان نسبة النجاح في شهادة المتركيوليشن (باغروت) في المدارس العربية الخاضعة لاشراف وزراة التربية هي فقط 4و5 بالمائة.

ان هذا الانخفاض يعود الى الأسباب التالية:

1- التدخل المؤذي و الوقح في شؤون التعليم من قبل رجال العسكري و المباحث (شن بت). و لهاتين الفئتين، الحكام العسكريين و رجال المباحث، الكلمة الأولى في اختيار "المدرسين" دون أدنى نظر لكفاء اتهم العلمية، انهم يختارون بناء علىمقدار ما يقدمون من خدمات للحكم العسكري و للمباحث، و يفترض فيهم أن يكونوا مماثلين، متواطئين، و أبواق دعاية للحزب الحاكم.

2- عدم وجود مدارس كافية، فبالرغم من الازدياد المطرد في عدد التلاميذ فان عدد المدارس لا زال محدودا جدا. ان وزارة التربية تتجاهل عن عمد تنفيذ قانون التعليم الاجباري بالنسبة للأقلية العربية.

3- النقص الشديد في الكتب المطلوبة و المختبرات و التجهيزات و الخرائط و الممكتبات.

4- هنالك بعض الموظفين المسؤولين الذين يستغلون وظائفهم فيقومون بنشر بعض الكتب المتدينة، هادفين الربح من ناحية. و تسميم عقلية الجيل الجديد من ناحية أخرى.

هناك خمس مدارس عربية ثانوية في اسرائيل. واحدة منها فقط في (الناصرة) تدرس العلوم... ان سياسة الحكومة السلبية بالنسبة للثقافة العربية ترمى الى محو أي ارتباطات بين الجيل الجديد و بين ماضيهم المجيد، لتخمد كل مشاعرهم القومية و آمالهم في مستقبل مشرق.

وفي الحقيقة، فانها تقدم لهم بديلين احلاهما مرة: إما الهجرة، و إما الانصهار!".



ان هذا المقطع في مذكرة "جماعة الأرض"، المتعلق بأوضاع الثقافة العربية. لا يلخص فقط الوسائل الفاشية التي تتبعها اسرائيل لسحق الوعي الثقافي العربي، و لكنها تلقي ضوءا، من ناحية مقابلة. على الصمود العربي، و على النضال في سبيل تقويت هذه المؤامرة.



لقد كانت هذه المسألة محل اهتمام عربي متواصل و مستمر في فلسطين المحتلة، و هذا الاصرار على رفض خطة التجهيل الاسرائيلية هو الذي يدفع م. أساف ليكتب[12][12]:

"فيما يتعرض الجيل العربي الجديد الى تأثيرا ت مناوئة لاسرائيل، فان الجيل الأكبر ممتمسك بالماضي، والطرفان ما زالا على صلة يومية بالدول العربية واللاجئبن من خلال الراديو و التلفزيون".

ومع ذلك تمضي اسرائيل عن عمد في حرمان من حق العلم. و من المعروف أيضا ان عدة كليات علمية في الجامعات الاسرائيلية محرمة نهائيا على الطلاب العرب، و هذا ما يدفع محمد دسوقي للتأكيد بأن "التعليم العربي في اسرائيل لا يمكن ان ننتظر منه اية فائدة"، و يلاحظ ان الكتب و وسائل التعليم و المعلمين الأكفياء غير متوفرين. وانه بوجدتمييز بين الطلاب العرب و اليهود في التعليم العالي[13][13].



وبعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية في حزيران 1967، لاحظ أحدالمرببين الفلسطينيين في الضفة الغربية قائلا[14][14]:

"انني اسمح لنفسي بعد خدمة ربع قرن في التعليم أن أقول ان مستوى المدارس العربية في اسرائيل منخفض جدا. و ان الملدة التي يلقنها الاساتذة للطلاب العرب مادة تافهة. لقد طلبت من أحد أقاربي ان يحضر لنا بعض الكتب التي تدرس في المدارس العربية باسرائيل، و اطلعت على بعض الدوسيهات، و عليه بنيت رأيي، ان ما يدرس للطلاب العرب ما هو الا نوع من التجهيل (خصوصا الأدب العربي و التاريخ العربي) و سوف لن نقبل هذه البرامج عندنا".

وفي نفس المصدر يؤكد احد المعلمين في القدس العربية الشيء ذاته في حديث آخر: "اذا كانت اسرائيل ترى من واجبها تعليم الطلاب التاريخ الصهيوني فنحن غير مضطرين لذلك... لقد اطلعت على قسم من البرامج و اعتقد انني سأكون خائنا لقوميتي و شعبي اذا قمت بتدريس هذه البرامج".



وهذه الحقيقة، أي خطة التجهيل المتعمد الذي يهدف الى ارساء استعمار من نوع اقتلاعي، تستدرج بدورها اجراءات قمعية اسرائيلية من نوع آخر، تتبدى في محاربة المعلمين العرب و تشريدهم و منعهم من العمل و وضع سوط التهديد على رقابهم.

ففي آذار 1967، القي اسرائيلي يدعي غديش، يشغل منصب المسؤول عن التعليم العربي في اسرائيل، محاضرة في نادي المعلمين في حيفا، و وجه الى "المعلمين القدامى" الذين دعوا للاستماع اليه تهديدا مباشرا: "على المعلمين القدامى الا يعتقدوا بأنهم ثابتون كالمسمار الذي لا طبعة له، انا سأعمل للمسمار طبعة، و اذا لم أقدر فسأحفر حوله و أقلعه"[15][15].



" فالمعلمون القدامى" يشكلون في الواقع جسرا شديد الأهمية في الحياة الثقافية العربية في فلسطين المحتلة، فهم ضمانة استمرار ذلك التيار من الوعي العربي و الاطلاع على مناهج التعليم قبل الاحتلال الاسرائيلي، و من هذه الناحية فهم يشكلون بالنسبة لاسرائيل مشكلة يشبهها غديش بأنها مشكلة المسمار الذي لا طبعة له. بحيث يستحيل استلاله و قلعه من مكانه!



ولا تكفي السلطات الاسرائيلية بالطبع بهذا الاسلوب "السلبي" في محاولتها لنسف الجذور الثقافية العربية، و لكنها تلجأ الى اسلوب "ايجابي" مواكب لخطتها. يتبدى في محاولات حقن المجتمع العربي في فلسطين المحتلة بسموم الثقافة الهجينة، و التفاهة التي تهدف الى افقاد ثقة العربي بقيمة ثقافته و بآفاقها و جذورها.



ففي كانون الثاني 1961 وزع منشور عربي في اسرائيل، أصدره الشيوعيون العرب، يتهم "شركة الكتاب العربي" التي يشرف عليها حزب العمال الاسرائيلي الموحد (المابام) بأنها "تنزل الى الأسواق، دون حساب للتكاليف، مجلات وكتباباللغة العربية لا هدف لها سوى اغراق شبابنا في مستنقعات العدمية القومية و العدمية الجنسية"[16][16].



وفي الشهر ذاته القى موشيه بيمينته الاسرائيلي، محاضرة في الجامعة العبرية في القدس بعنوان "اللغة و الاسلوب في الأدب العربي الحديث" دعا فيها باصرار الى استعمال اللهجة العامية في الكتابة الأدبية و نبذ العربية الفصحى و نسيانها[17][17].و لم تكن هذه الدعوة الا تكملة لمهطط مقصود و مدروس. فجمال قعوار، و هو شاعر و كاتب من فلسطين المحتلة، يكشف هذا في قوله:"كما حاولت السلطات ان تستخلص ادبا ما من مأجوريها كانت تصدم بالابتعاد من قبل الأوساط العربية، لأنه مضمونه بعيد عن أية آمال لابناء الشعب العربي هنا حيث يبث الروح العدمية بين الجماهير العربية ويكبت الروح التقديمية العربية"[18][18]



ومثل هذا الصدام الصامت، و لكن المروع، لا يمكن له أن يقف هنا. و هذا هو التفسير الوحيد لعمليات القمع و الاعتقال و الاقامة الجبرية، و أحيانا القتل، التي يتعرض لها الجيل الشباب المثقف في فلسطين المحتلة.



ففي 27 كانون الثاني 1967 قتل جنود اسرائيلييون الشاب العربي محمد خليل الزعبي (28) من قرية سو لم قضاء الناصرة في فلسطين المحتلة، "كان المذكور قد انهى دراسته الثانوية منذ حوالي عشر سنوات قضاها في البحث عن عمل، و لكنه لم يتوفق الى ذلك... كما هي الحالة عند معظم الخريجين العرب"[19][19].

وقد قتل الشاب الزعبي من قبل دورية اسرائيلية أثناء محاولته قطع الحدود الى غزة، ولم "ينشر أي بيان رسمي عن حادث القتل المذكور"[20][20].



تقول عريضة "القوة الثالثة" التي قدمها الى المحكمة م.شتين، رئيس الحركة، (وكما هو متوقع قوبلت بالاهمال، وحفظت القضية) :

"وكما يعرف جنابكم (الكلام موجه لهيئة المحكمة) فانه يتبع ضد عرب هذه البلاد اساليب التمييز المختلفة، وأكثرهم شعورا بذلك هم المثقفون لأن كل المكاتب الحكومية والعامة مغلقة في وجوههم...لذلك لا يستغرب ان يحاول الشاب العربي الذي افتقد كل أمل في الحصول على حياة ملائمة دخول أي بلد عربي ولو اضطر في ذلك الى مخالفة قوانين الدولة وقوانين الدول العربية على السواء"[21][21].



ومن الواضح ان عمليات قتل من هذا النوع تكرر بشكل او بآخر، ويعلن عنها تحت هذا العنوان او ذاك، ولكن نظرة خاطفة على الانباء العادية لن يكون من شأنها الا ان تثير المزيد من الشك، وما زال القراء العرب يذكرون النبأ الذي روى قصة مقتل طالب عربي شاب "بعد أن قفز من القطار أثناء اجازته الجامعية قرب الحدود الأردنية فسقط تحت العجلات وقتل!"[22][22].

ولكن عمليات البطش والارهاب لا تقتصر على ذلك، وهي ليست من ناحية أخرى في حاجة الى اثبات، ويستطيع القارىء للصحف الاسرائيلية ان يجد كل ما يريده من البراهين مختبئا هنا وهناك.

ف "عندما استيقظ الطالب الجامعي يوسف عزيزي (21 سنة) صباحا ليدرس لامتحاناته، وجد رسالة تهديد تنتظره وهي مرسلة من منظمة سرية لقبها اعضاؤها بمنظمة ش.ش و يوسف، ابن قرية كفركنا، يسكن في بيوت الكلاب في قرية الجامعة العبرية في القدس، وقد طلبت الرسالة منه أن يكتب اسمه باللغة العبرية الى جانب اللغة العربية على الورقية المعلقة على باب غرفته والا..



"ووصف اعضاء المنظمة المذكورة انفسهم بانهم ذو و اياد طويلة و وحشية و قد أعطي يوسف مهلة ليوم واحد لتلبية أوامر المنظمة والا.."[23][23].



وقد يكون هذا النبأ عاديا لو لم نتابع من خلاله كيف لقيت شكوى يوسف المذكور، الى ادارة الجامعة والى مركز الشرطة، اهمالا لا نظير له، اقترن بالمماطلة و الكذب، و وعده قائد المباحث بان يتابع المشكلة و لكنه أعطاه رقم هاتف وهميا، و كان مدير السكن الاسرائيلي قد هدده بالطرد اذا شكا للشرطة..

والنهاية التي تتوج هذه القصة و تعطيها معناها هي أن يوسف اضطر بالفعل لترك غرفته بالجامعة، رغم كل الشكاوى التي قدمها.

انه من السهل الاستنتاج بأن طالبا جامعيا ليس مضطرا لترك دراسته لو لم يكن يعرف بأن "تجارب سابقة" اثبتت خطورة مثل هذه الحالة وجديتها.



انه الحرب النفسية و الاقتصادية و السياسية و البدنية التي تشنها السلطات الاسرائيلية على الثقافة العربية و المثقف العربي كان لها الاثر الاكبر في بلورة الانتاج الادبي العربي في فلسطين المحتلة على الصورة التي سنراها، و من ذلك اللجوء غالبا الى الرمز، و لم يحدث هذا اللجوء الا لأن تفسيره "موجود في اكث من سجن واحد، و في فصل اكثر من معلم عربي واحد"[24][24].

وقد وصل هذا القمع في ابشع صورة و أكثرها اتساعا و قسوة، في حزيران من 1967، فقد تلقى مئات من المثقفين العرب اوامر تحديد الاقامة[25][25]بناء على المادة (109) من قانون الطوارىء الاسرائيلي و المعمول به بالنسبة للعرب منذ 1948 الى الان.

ولأن المادة (109) المذكورة تشكل قضية يومية في حياة العرب في الأرض المحتلة، فانه من الجدير تسجيل نصها زيادة في ايضاح الصورة:



"المادة (109):

1-يحق للآمر العسكري ان يصدر بالنسبة لاي شخص امرا بخصوص جميع او بعض الغايات التالية:

أ- لكي يؤمن، ما عدا في الحالات المبينة بالأمر او من قبل سلطة او شخص حسب ما هو مبين بالامر، ان ذلك الشخص لن يسمح له ان يكون بأية منطقة في اسرائيل، كما هومبين.

ب- ان يفرض عليه الابلاغ عن تحركاته بالطريقة و في الأوقات و للسلطة او للشخص كما هو مبين في الأمر.

ج- ان يمنع او يحدد ترخيص او استعمال اية أداة من قبل أي شخص كما هو مبين.

د- ان يفرض عليه اية تحديدات كما هو مبين في الأمر بالنسبة لشغله او عمله او بالنسبة لارتباطه او اتصاله مع اشخاص آخرين و بالنسبة لافعاله بما يخص نشر الأخبار او الدعوة لآرائه".



مما لاشك فيه ان قانونا مثل هذا لا يمكن ان يمارس في اغنى دول العالم عنصرية وفاشستية، و مع ذلك فان قراءة اخرى له تظل ضرورية، فهدفه ليس الحفاظ على امن مزعوم بقدر ما هو محاولة لالغاء الانسان.



ان هذه المادة جزء اساسي في حياة عرب الأراضي المحتلة، و خصوصا بالنسبة للمثقفين، و يندر ان تسمع عن أديب أو شاعر او كاتب عربي في اسرائيل لم يتلق مثل هذا الأمر بين الفينة و الاخرى.

وفي الوقت الذي كان عشرات من المثقفين العرب في اسرائيل يتلقون هذه الأوامر في حزيران الماضي (بالاضافة الى مئات من العرب الوطنيين البارزين) كانت دوريات من الشرطة الاسرائيلية تجمع عشرات من الأدباء و الشعراء العرب في فلسطين المحتلة، و تودعهم السجون.



ومن بين أولئك الذين سيقوا الى السجن في ملع حزيران 1967 السادة: منصور كردوش، و صالح برانسي[26][26]. و فخري جدي، و الشاعر حبيب قهوجي[27][27]. و الشاعر سميح القاسم، و الشاعر محمود درويش، و الشاعر سالم جبران، و الشاعر توفيق زياد، و المحامي و الكاتب صبري جريس (مؤلف: :العرب في اسرائيل") وعبد الحفيظ درواشة، و الأديب فرح نور سلمان، و علي رافع، و محمد خاص، و علي عاشور، و الطالب الجامعي خليل طعمة[28][28]. و محمد ريان، و زاهي كركبي، و منعم جرجورة، و نصري المر، و جورج غريب، و فؤاد خوري... وغيرهم[29][29].



وحين اطلق سراح بعض هؤلاء فيما بعد "ثبتهم" الحاكم العسكري بأوامر تحديد الاقامة، و الاقامة الجبرية!‍



لقد جدد أمر الاقامة الجبرية على صالح برانسي "و بمقتضاه يمنع من مغادرة بيته في الطيبة بعد غروب الشمس بساعة و حتى شروقها بساعة، كما ان عليه. بمقتضى هذا الامر، ان يثبت وجوده مرة في اليوم في مركز الشرطة في بلدته... هذا و قد تلقى البرانسي هذا الأمر قبل سنتين، و هو ما بزال يجدد كل ثلاثة أشهر"[30][30].



وكذلك جددت الاقامة الجبرية على عدد كبير من المثقفين و الأدباء العرب في فلسطين المحتلة، و من بينهم الشاعر محمود دسوقي، و صليبا خميس، و الشاعر سالم جبران، و عثمان ابو راس، وزاهي كركبي، و عبد العزيز ابو اصبع، و هشام حافظ اجاره..."و مئات غيرهم"[31][31].



ولم تكن الاعتقالات هذه جديدة، كما يظهر بالنسبة للبرانسي، فنحن نعرف مثلا ان منصور كردوش و حبيب قهوجي منفيان منذ ثلاث سنوات على الأقل و مفروض عليهما الاقامة الجبرية في القرى المبعدين اليها.



ورافقت هذه الاعتقالات و الاحتجازات عمليات عنف و ضرب وتعذيب كانت جزءا مكملا من المخطط "فبعد نشوب الحرب بيومين (7حزيران) أخذت سيارة الشرطة في قرية الطيبة تجوب الشوارع و تنقل بعض الشباب الى المركز لتدخلهم الى غرفة علقت علىبابها لافتة كتب عليها "غرفة التأديب"، و في هذه الغرفة كانوا يهانون و يضربون ضربا مبرحا دون الادلاء بالأسباب... لقد ثبت بصورة قاطعة ان الذين كانوا يقومون بالتعذيب كانوا خليطا من الرجال الشرطة و بعض المدنيين الذين ينتمون الى سلك آخر"[32][32]-(يقصد المباحث العسكرية).



يصف الشاب خليل طعمة ما حدث له في المعتقل في مطلع حزيران 1967، و هو صورة لما حصل للأدباء و المثقفين العرب الذين اعتقلوا في الفترة ذاتها، في تقرير مفصل:



"أمرت أن أغادر القدس في حين كنت أستعد للامتحانات آخر السنة، الى منطقة قريتي الرامة و في 5-6، أثناء استماعي لأخبار الساعة العاشرة، دخل الشاويش رقم 13225 و المعروف عندنا ب "أبو سرور" و في يده مدفع رشاش عوزي، و أمرني أن أذهب معه الى مركز الشرطة في كرمئيل، و حجزوني حسب المادة(111).



أخذوا مني دفتر العناوين، و فجأة سمعت صوتا يقول: هذه عناوين ناصر. هه، سوف نرسلك اليه الآن، لقد حلت نهايتكم و سوف تحصدكم كما تحصد طائراتنا من القنطرة حتى السويس.



واستمر أبو سرور طيلة يومين في اهاني، و كان يكرر دائما: أريد أن أشرب كأسا من دمك. و يقول: البروفيسوريم البهائم الذين يعلمونكم كيف تكرهون الدولة... مارتن بوبر القذر هذا!

ثم أخذوني الى مركز عكا، و عندما دخلنا وجه ابو سرور حديثة الى بعض افراد الشرطة الجالسين و قال:



انظروا هذا المثقف الذي يدرس الطب كي يسمم الماء في اسرائيل! و انهى كلامه بلكمة قوية على وجهي مما دفع الآخرين، و عددهم حوالي عشرة، ان يهجموا علي و ينهالوا ضربا و لكما حتى سال دمي و وقعت مغشيا علي، و مع ذلك فقد صحوت على أبو سرور و هو ينهال ضربا بحذائه على جميع أعضاء جسمي، و ماتزال علامات الضرب الى الآن (آب 1967) واضحة على جسمي"[33][33]. و رافق هذا "التعذيب الرسمي" سلسلة من "الاعتداءات الشعبية"، فقد كاد يهود تثانيا يقضون على قاسم عبد القادر،وهو مدير مدرسة أبو ربيعة في صحراء النقب حين ظفروا به في الشارع [34][34]. وقد ظلت هذه المدينة مغلقة في وجوه العرب (وخصوصا سكان قريتي الطيبة وقلنسوة الذين يعملون فيها) عدة شهور بعد ذلك الحادث.

وربما كانت قصة الشاعر حبيب قهوجي نموذجا لما يحدث للمثقف العربي في فلسطين المحتلة،فقد اعتقل في الخامس من حزيران، ووجهت له تهمة "التجسس"، وبعد شهور قليلة اعتقلت زوجته ووجهت لها نفس التهمة، ومع ذلك "فقد اقترحت السلطات الاسرائيلية على الزوجين الاعتراف مقابل السماح لهما بمغادرة البلاد، الا انهما رفضا الاقتراح بشدة"[35][35].



وفي موعد محاكمتهما فوجىء محاميهما بأنهما لم يحضروا، "وعندما اتصل بالشرطة أبلغ أن الزوجين قهوجي قد اعتقلا لمدة ثلاثة أشهر أخرى بموجب أوامر ادارية"[36][36]. وقد اشتكى الزوجان أمام اللجنة الاستشارية الخاصة بالاعتقالات الادارية "من المعاملة البربرية التي يلاقونها"[37][37]، ومع ذلك فانه لم يسمح لهما بمقابلة محاميها قبل انعقاد اللجنة[38][38] التي لم يغير انعقادها شيئا.

بالنسبة للأديب العربي في الأرض المحتلة فانه يواجد المسألة بصورة مزدوجة، يقول سميح القاسم معلقا على مؤتمر الأدباء العبريين الذي انعقد في القدس المحتلة في 17 نيسان 1968:



"قال شيخ الأدباء العبريين يهودا بورلا في كلمة افتتاح المؤتمر:

"ان أدباء اسرائيل يعملون على تعميق الوعي القومي والقيم الانسانية لدي الشبيبة ولدي الشعب"، ولم تطل فرحتنا بهذا الاعلان، فقد اتبعه فورا بالدعوة الى "الاعتراف بعظمة هذه الايام التي أعقبت حرب الأيام الستة"!".



هذا الجانب من التحدي يقابله جانب آخر يجعل المشكلة مزدوجة، يتابع سميح القاسم تعليقه:



"...وينعقد مؤتمر للأداب العبريين فلا نسمع كلمة احتجاج واحدة على الاضطهاد الفظ الذي تعرض له، وما زال، الأدباء العرب في اسرائيل نفسها. كثير من الكلام قيل حول محاكمة "الأدباء" في "روسيا" ولكن اعتقالنا نحن، وسوقنا في الشارع مكبلين بالقيود، والاعتداء على حرياتنا اليومية والفكرية، كتحديد اقاماتها واعتقالنا في منازلنا وفرض الرقابة على انتاجنا وطردنا من أعمالنا ومحاولة عزلنا عن الجماهير بموجب القوانين الموروثة عن الاستعمار البريطاني...كل هذه الأمور لم تحظ بكلمة واحدة من مؤتمر الأدباء العبريين ذي القدسين![39][39]".





هذا الوضع الذي يواجهه الأديب والمثقف العربي في فلسطين المحتلة، والذي تابع باصرار لا مثيل له تحديه طوال عشرين سنة من الاغتصاب، هل استطاع ان يزعزع ثقة العربي بجذور ثقافته وآفاقها، او أن يحول دون شروق الأدب المقاوم الذي يتهوج الآن كشمس متفائلة في الحياة الثقافية العربية عموما؟



لقد كان عرب فلسطين المحتلة يدركون مند البدء خطورة المعركة التي يخوضونها تحت سياط الحكم العسكري الاسرائيلي، و منذ البدء عبروا عن وعيهم بالمخطط الموضوع ضدهم باختصار و لكن بعمق، في جملة موجزة تلخص كل شيء: "كل الناس في العالم يقفون على أقدامهم، الا الحاكم العسكري فانه يقف على أذنابه![40][40].



ولم يكن هذا التعبير ليغطي التحدي السياسي الذي كان يواجهه عرب فلسطين المحتلة، بل كان يغطي ايضا التحدي الثقافي المبيت ضدهم، و أدى وعيهم هذا لحقيقة "التسلل من الداخل" لتسهيل عملية "الضرب من الخارج" الى بلورة أدب المقاومة الذي كان بدوره ايضا "صمودا من الداخل" لتسهيل عملية "الضرب الى الخارج".



لقد أدرك أدباء المقاومة العرب في فلسطين هذه الحقيقة بارتباطاتها السياسية و الثقافية المختلفة "فاذا لم نصوت للحزب الحاكم فنحن غير مخلصين للدولة، و اذا كتبنا قصيدة او قصة و مقالا تعبر عن واقعنا المر فنحن غير مخلصين للدولة"[41][41].



و قد ادى ذلك الى تطور في أسلوب التعبير تكيف في الأساس مع متطلبات "جبهة القتال" الثقافية. فقد لجاء الشاعر، مثلا، "لانشاد مقاصده ، شعرا بواسطة الطريقة الرمزية... فالقصيدة الشعرية هي ميدان فسيح للكتابة الرمزية، يعبر فيها الشاعر عما يخالجه من شعور قومي دون ان يفصح عن ذلك، و كم من مرة خاطب الشعراء أحباءهم قاصدين الوطن، فاذا ما كتب الشاعر في قصيدته "الويل يا ظالم.." لا يمكن للسلطات ان تعرف قصده لتتخذ ضده الاجراءات القانونية أما القاريء اللبق فيفهم مرمى الشاعر و يحس بنفس احساساته"[42][42].



ولكن هذا الاندفاع في فتح الطريق امام الادب المقاوم لم يحدث بالمصادفة. ليست أهميته في الواقع اكثر من كونه حقق لشعر المقاومة درجة من التقدم الفني اكثر بكثير مما اتيح لفن القصة أو الرواية، و لكن الحقيقة هي انه كان في ذاته نتاجا لوعي عميق بمهمة الأديب و المثقف أمام التحديات الماثلة.



لقد أدت تلك التحديات الاسرائيلية اليومية الى اختصار فترة من طفولة العمل الفني في الأرض المحتلة صرفتها حركة الأدب المعاصرة في مناقشة طويلة حول مدى التزام الفن، و عما اذا كان الفن الملتزم نفا خلاقا، فقد كان ثقل المؤامرة الاسرائيلية على الثقافة العربية في فلسطين المحتلة يشكل من تلقائه حلا سريعا لذلك الجدل، و بكلمة أخرى: لم تكن قضية الأدب الملتزم بين الغالبية الساحقة من أدباء فلسطين المحتلة موضع جدل، كان الجدل فيها -أمام التحديات اليومية الخطيرة- يشكل رفاها لم يقبله احد.



يقول منصور كردوش، أحد ابرز العناصر الوطنية في الأرض المحتلة:

" الفن و الثقافة سلاحان اذا ما سارا على النهج الخادف رفعا من مفاهيم امة بكاملها، أما الفن و الثقافة المجردان فباعتقادي و البذح و الرفاهية السطحية، و لذلك ارى ان الواجب القومي و الاجتمااعي و التاريخي لكل من حمل القلم او الفرشاة، ان يعمل في الاتجاه الهادف كي يكون صاحب رسالة سامية"[43][43].



والمثقفون العرب في فلسطين المحتلة، لأنهم يدركون ان "هناك عوامل تحد من توصيل الثقافة المحلية و الخارجية الى عامة الشعب، منها امكانية النشر و محاربة النتاج الثقافي الهادف"[44][44]. فهم يدركون بالتالي ان " المجتمع العربي في السرائيل يقلد المجتمع العربي الكبير في تصرفاته و يستوعب نداءاته أكثر بكثير من تقليد المجتمع اليهودي المجاور"[45][45]و قد أدى ذلك -بالطبيعة- الى الاعتماد بعض الشيء على الاذاعات العربة، فهي "تبدد هذه الوحشة على العربي [في اسرائيل] و تخفف من و طاة العزة المفروضة عليه"[46][46]. و هي "حلقة بيننا و ين ما حجب عنا من انتاج أدبي و ثقافي في العالم العربي"[47][47]. و لذلك فقد أدى "الراديو و التلفزيون العربي، لنا، خدمات جليلة"[48][48]، الى حد يبدو انه عكس نفسه بقوة على كثير من الانتاج الفني في الارض المحتلة[49][49].



ويبدو انه، في الوقت نفسه، أثار حفيظة الاسرائيليين الى حد بعيد، فالاسرائيلي سامي ياكوف يقول: "لا اغالي ان قلت ان مصائر قسم لا بأس به من العرب قررت على ضوءتأثير تلك الأجهزة في مشاعرهم وإدراكاتهم، و هذا يقضي بوضع مخطط شامل لتوجيه أبناء الجيل الطالع التوجيه الصحيح ليصبح محصنا ضد تأثير تيارات ليست في مصلحة ابدا"[50][50].



ان استخدام هذه المظاهر، التي و ان بدت لأول وهلة انها صغيرة و عابرة، في نطاق الوعي المسبق لواجبات المثقف العربي في الأرض المحتلة، قد أفرز حركة أدبية ملتزمة، انتهت الى ان تكون علامة من أنصع علامات أدب المقاومة الشجاع في التاريخ المعاصر.



وسوف نرى، بعد قليل، كيف ان ذلك كله قد استولد وجهين مترافقين لأدب المقاومة الفلسطيني ظلا معا السمة البارزة و الدائمة لهذا الادب، و هما وجهه المحلي الصامد، و وجهه العربي الذي غنى على الدوام للمسيرة العربية معتبرا نفسه، رغم كل أشكال القمع و الحصار و العزلة، جزءا منها لا يتجزأ.

***

لدينا، على أي حال مثال شديد الأهمية و جدير بالتسجيل لأنه، كما سنرى يعكس الشيء الكثير مما نقصده.



لقد اقامت مجلة "هذا العالم" ندوة في مطلع 1967 تحت عنوان "مصائب المجتمع العربي" في اسرائيل، و قد طرحت احدى حلقات هذه الندو موضوع "تأخر المجتمع العربي في اسرائيل" و طلبت من المثقفين العرب هناك الادلاء بآرائهم عن أسباب تلك الظاهرة.



يعترف رئيس تحرير المجلة بعد تلقيه سلسلة من الردود: "لم نسمع المديح قط بل النقد و الهجوم، و الخط الأساسي في كل هذه الهجومات كان: "شو دخلكم بهل الموضوع"، و منهم من اتهمنا بان هدف هذه الندوات... هو اهانة للمجتمع العربي في اسرائيل...و أشغال العرب بمعارك جانبية"[51][51].



لقد انتهز معظم المثقفين العرب فرصة هذه الندوة ليعبروا عن وعيهم العميق بحقيقة الإشكال الذي يعاونوه و الذي يتمردون عليه، لقد رفضت الغالبية الساحقة من المثقفين العرب المشاركين في الندوة طرح موضوع "التخلف العربي"من الزواية التي يصر الاسرائيليون على طرحه منها، فالتقدم "لا يقاس بمقاييس الغرام و الجنس، كجلوس شاب و شابة معا قي قاعة السينما"[52][52]، و قد وضع معظم المثقفين العرب في فلسطين المحتلة مسالة التقدم و التخلف في سياقها النضالي العميق، مفوتين الفرصة على الرأي الاسرائيلي الذي يعتقد ان التقدم يبرر استعباد المتخلفين.



ولم تكن هذه الآراء، في الحقيقة، الا التربة التي أخصبت بذور الأدب المقاوم في فلسطين المحتلة و احتضنتها بحرارة و اكسبتها المناعة التي أنتجت في المستقبل ثقة بالنفس و بالمستقبل لا حدود لها، فهي تبرهن ان الالتزام الواعي كسر القشرة البراقة للخديعة الاسرائيلية الفظة، و فوت على مزاعم التقدم الاسرائيلي فرصة استقطاب الحركة الثقافية العربية و امتصاصها.



وهذه في الواقع مسالة شديدة الأهمية و الخطورة، فنحن نعرف مثلا انه في الكثير من الدول النامية فتح المثقفون عيونهم ليجدوا انفسهم محاطين ببريق ثقافة اجنبية ارادت بوسائل مختلفة التوصل عبر العمل الفكري و الفني الى فرض نمط حياة مستوردة، و مما لا شك فيه ان الكثير من المثقفين هؤلاء، بين تنازع الجذور المحلية و بريق الثقافة الغربية، انخلعوا عن جذورهم و ولاءاتهم و انتسبوا الى نمط حياة أخرى.



لقد واجه المثقف العربي في فلسطين المحتلة هذا التحدي بصورة اكثر اتساعا و قسوة، اذ انه كان و مايزال يمثل حضورا يوميا مسلحا بوسائل القمع و الاغراء في وقت واحد، لقد واجه الأديب العربي في السرائيل، وهو غالبا رجل شاب قادم من الريف، سطوة التقدم الغربي وجها لوجه، وبريق النمط الأوروبي من الفكر والحياة، ليس على صفحات مجلة أو شاشة سينما او سطور كتاب فحسب، ولكن في تفاصيل الحياة اليومية التي كان يخوض غمارها ساعة فساعة.



ومن هنا كان هذا التحدي يشكل درجة أكثر خطورة وسطورة بالنسبة للمثقف العربي في اسرائيل من أي مثقف آخر في العالم النامي تقريبا، لقد كان "التقدم" الاسرائيلي يشكل بالنسبة له فخا له حضوره اليومي، المعنوي والمادي، والذي كان يفتح اشداقه حول خطواته باستمرار.



ولذلك فان طرح موضوع "التقدم الاسرائيلي" أمام "التخلف العربي" كان دائما مسئلة لها خطورتها ومحاذيرها، فقد كان هذا الموضوع يشكل بالبداهة السلاح الاسرائيلي الأقوى -فوق وسائل القمع والارهاب- لمحاولة استيعاب المثقف العربي واستدراجه الى نمط الحياة الاسرائيلية بملء ارادته.



ولكن المثير للدهشة حقا ان الغالبية الساحقة من المثقفين العرب في فلسطين المحتلة، الذين سألوا رأيهم بهذا الشأن، أبدوا وعيا على درجة عالية من المسؤولية التي يفرضها التزامهم العميق بقضيتهم الأولى، وقد جاءت الأحداث فيما بعد لتأكد لعرب الأرض المحتلة صواب موقفهم حتى من الناحية الشكلية، فبعد عدوان حزيران 1967 "تحطمت الفكرة الفاشية التي تحاول دائما وصم العرب ولتهامهم بالتأخر، تحطمت الفكرة الصهيونية التي تقول بأن العرب في اسرائيل يعيشون على مستوى لم يحصل عليه أي شعب في أية دولة عربية، وجعلت منهم فترينة للاستهلاك الخارجي...كل ذلك تحطم بسرعة البرق بعد ان أطلعنا على مستوى المعيشة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة"[53][53].



ومما لا شك فيه ان بناة الستراتيجية الصهيونية فوجئوا بلا ريب بنوع الأجوبة التي أدلى بها المثقفون العرب في اسرائيل على استفناء "هذا العالم" حول ظاهرة "تخلف المجتمع العربي في فلسطين بالنسبة للمجتمع اليهودي، و تقدمه بالنسبة للمجتمعات في الدول العربية".



لتنبه جيدا الى الفخ المروع الكامن في هذه المعادلة غير المنطقية، ليس من حيث انها مطروحة على شكل سؤال للمثقفين العرب انفسهم، و لكن لانها -قبل ذلك- احد اهم الأركان التي يقوم عليها الغزو الاسرائيلي للثقافة العربية في فلسطين المحتلة، و مجرد وجود هذه المعادلة، مهما كانت نسبة التزوير فيها، وممارستها عمليا على مدار عشرين سنة من الاحتلال، يظهران بالبداهة ضراوة المعركة التي يخوضها المثقف العربي في فلسطين المحتلة، وويظهران، بالتالي، القيمة الحقيقية و الحجم الحقيقي لادب المقاومة الذي يكتسب، بالقياس لكل هذه الحقائق، قامة مضافة.



من المفيد في هذا المجال اختيار نموذج للأجوبة يعبر فعلا عن موقف المثقف العربي ازاء هذه القضية الشائكة، و سنسجل ها هنا الجزء الأوفر من جواب المؤرخ العربي بولص فرح من حيفا، الذي سنلاحظ انه انتهز بذكاء فرصة هذا الاستفتاء ليشن حملة على جوانب مختلغة من سياسة القمع الاسرائيلية، و ليقول رأيه، بشجاعة، بكثير من القضايا التي لا يمكن ان يقال رأي عربي فيها في المناسبات الأخرى. و بالتالي يكتسب هذا الرأي قيمة الوثيقة التاريخية التي تشكل علامة اساسة من علامات النضال الثقافي العربي في فلسطين المحتلة.



يقول بولصح فرح [54][54]:

"من أين لنا أن نقدم على معالجة هذا الموضوع ونحن في عزلة تامة، نعيش بلا صحيفة او كتاب او تقرير او مكتبة تكون موردا للدرس والتمحيص والتدقيق والبحث والقارنة حتى تكتسب اقوالنا وكتاباتنا طابع العلم ودراساتنا صفة الدقة، والاجابة العلمية، هذا اذا سلمنا ان الموضوع علمي أكثر منه شقشقة لسان، أو ترفيهات فكرية مريحة؟



فضلا عن ذلك فانه من حق القارىء ان يفهم في اطار التعريف المحدد معنى التقدم والتأخر الاجتماعيين، ما هي مقاييس التقدم الاجتماعي اوالتأخر الاجتماعي؟ أهي مفاهيم أخلاقية او آداب سلوك اوكيفية ثقافية أو فلسفة حياتيه؟ أهي السعي لسعادة الانسان، كل انسان؟ وكيف تتم هذه السعادة؟ أفي الملكية العامة لوسائل الانتاج او في الملكية الخاصة؟ أم هي نظرة داعية لمصير الانسان؟ للسلم او الحرب؟ للعنصرية والتمييز او للتاخي والمساواة؟ بسلب شعب آخر حقوقة او تمكينه من هذه الحقوق؟



...ويلاحظ من خلال نقاش افراد الندوة ان التقدم الاجتماعي، او الايجابية الاجتماعية، هو بخروج ابن القرية الى المدينة وتبنى ظواهرها، وتبديل القمباز والجلباب بالبدلة ولعب ابن القرية الورق في المقهى البدلي، وخروج ابن الناصرة مع صديقته لزيارة السينما، واذا منع عن ذلك "فهنا تكمن الرجعية"، على حد قول السيد شالوم كوهين!

...أما الأخ الشاب محمد مصاورة فيقرر بشطحة قلم: "ان المجتمع العربي [في اسرائيل] متأخر في تفكيره ومفاهيمه الاجتماعية والنفسية، والمشكلة في أساسها مشكلة ثقافة". ومن هذا نفهم ان الثقافة قد تؤخر او تقدم المجتمع المعين، فاذا كان المجتمع على مستوى عال من الثقافة كان مستوى تقدمه الاجتماعي عاليا، اما اذا كانت ثقافة شهب متدينة، تدنت اوضاعه الاجتماعية.

ونتساءل الآن: اذا كانت الثقافة هي المعيار الذي نتعرف بواسطة على تأخر او تقدم المجتمع المعين، فهل كان ينقص الشعب الالماني الثقافة عندما نام ضميره على تدمير حياة الملايين في أفران الحرق النازية؟ ولم لم تقم البدلة الافرنجية، وهي مظهر من يظاهر التقدم الاجتماعي حسب رأي السيد كوهين، على ردع الفرنسيين عندما اشعلوها حربا افنائية ضد الشعب الجزائري؟ ولم لا يقدم الأميركيون المتقدمون تقدما اجتماعيا كبيرا على وقف افناء الشعب الفيتنامي؟

أم هذه سياسة، وتلك اجتماع؟

من قال انه يمكن للمرء ان يفرق بين الفهم السياسي و النظام الاجتماعي؟ أوليست الأولى مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية؟



...السياسة [في اسرائيل] تعمل على تأخير تطوير العرب الاجتماعي على مختلف انواعه، لذلك يناهضها العرب، فهم لا يضحون "بالتطور الاجتماعي على مذبح الهدف السياسي القومي"، على حد قول السيدكوهين، بل هم ضحية مخططات اجتماعية،... وهنا تغدو السياسة اجتماعا واقتصادا، والعكس بالعكس.

ماذا نفهم من كلمة مجتمع متقدم؟ (ألا يعني ذلك) علاقات اجتماعية متقدمة تنفرد بخصائص هادفة الى الخير والعدل والحق؟ فأين التقدم الاجتماعي اليهودي الذي يتكلم عنه السيد جلعادي، الذي يتحلى بهذه الخصاص؟



هل الانجرار وراء عجلة الاستعمار يعتبر تقدما اجتماعيا؟ هل تزييف ارادة الأقلية القومية في الانتخابات العامة مظهرا من مظاهر التقدم الاجتماعي؟ أم نزع ملكية اراضي الفلاحين العرب و وهبها الى المهاجرين اليهود، و تمجيد نشاط زبدة المثقفين العرب واصطناع العلماء يدخل ضمن خصائص التقدم الاجتماعي؟



فنقطة الانطلاق لأي مجتمع ليست بارتداء البدلة الافرنجية، فقد ارتدى الأتراك البدلة الافرنجية، وتبرنطوا، ولم يغيرهم المظهر وبقوا في عداد الأمم المختلفة، وليس (التقدم الاجتماعي) بالسماح بمرافقة الصبيان للبنات الى دور السينما والتواصل الجنسي المبكر...

...وبعد، فاني اتهم واضع جدول البحث للندوة بأنه اراد ان يتهرب من الواقع العربي في اسرائيل واشغالنا بمعارك جانبية وبحوث بيزنطية مجردة: عن مكانة المرأة والمهور وايجابية اللباس الافرنجي ومرافقة الصبيان للبنات، ونسي ان يذكر، ان في البلاد لا يوجد ناد ثقافي عربي واحد يعمل، وان في البلاد لا يوجد منظمة عربية واحدة تدافع عن مصالح العرب ، و ان في البلاد خوفا شديدا من رجال المباحث الذين لا ضمائر لهم، وان في البلاد خوفا و قلقا على المستقبل، و ان البلاد بطالة متفشية بين العمال العرب لم يسبق لها نظير..."[55][55].

***

وسط هذه التحديات التي حاولنا ان نوجزها هنا [56][56]، كيف قطع الأدب الفلسطيني المقاوم رحلته الصعبة في العشرين السنة الماضية ليصل الى الدرجة العالية التي وصلها الآن؟ ماذا قال؟ وكيف قال هذا الذي آمن به؟ وما هو المستوى الذي حققه في الشكل والمضمون؟



ان الصفحات التالية هي محاولة لرصد هذا الأدب المقاوم في طوره الدؤوب والوسائل التي توصل اليه في التعبير، من خلال الاطار الذي سجلته الصفحات السابقة عن المناخ القمعي الفريد الذي يعيشه المثقف العربي في الأرض المحتلة، دون فترة انفراج واحدة، منذ عشرين سنة







الفصل الثاني أدب المقاومة الفلسطيني

ابعاد ومواقف







سامي يقف وحده على خشبةالمسرح في مسرحية ذات بطل واحد، كتبها في الارض المحتلة شاب اسمه توفيق فياض، انه يتحدث عن كابوس يلم به، و فجأة يتوقف، ينظر ناحية الجمهور و يتفحص الجالسين بارتياب، و يقول مشيرا الى الجمهور باستغراب:



"ماذا؟ انتم؟ الا تزالون هنا بحق الشيطان؟ اوه! يا للغباء! ظننتم انني سأترك هذا البيت لكم؟ ياللوقاحة! منتهى الوقاحة! كدت أنسى أنكم هنا، كدت انسى تماما. ما كان علي ان أفعل. يتحتم علي الا أغفل عن ذلك مطلقا، انكم تحتلون بيتي، تسرقون حريتي، و دون مبرر، دون أن يردعكم قانون عن ذلك، لا. لا. لن أنسى مطلقا. أعدكم بذلك، انه لسوء حظكم، و لكنني سأبر بوعدي".



ان هذا الخروج المفاجىء من المسرحية العادي، المليء بثقل كابوس مشوش ومختلط، يشبه الصدمة الكهربائية، ان نوع من الاكتشاف يشبه أن تشعل ضوءا في غرفة مظلمة، فاذا الامور التي كانت تبدو مشوشة و مختلطة، تسقط الى وضوح مباشر و صاعق.



مسرحية "بيت الجنون" لتوفيق فياض علامة بارزة في أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، فهي، شكلا و مضمونا، أكثر من صرخة شجاعة، انها تفسير وموقف و نبوءة، فالبطل سامي وحده هو بطل المسرحية، و كلمة "وحده" ليست رفاها تكنيكيا في المسرحية و لكنها اعلان عن الموقف بالشكل، والجمهور الذي يواجهه البطل طرف في صلب المسرحية و حين يقف على مقدمة المسرح يواجه فجأة ظاهرة غريبة فيقول بازتياب:

"لماذا تنظرون الي هكذا؟ لماذا تتخذون جميعكم نفس الهيئة حين أنظر اليكم؟ او احدثكم؟".



ان سامي، مدرس التاريخ و الادب، المطرود من عمله، يعيش في غرفته الصغيرة كابوسا مروعا. بينه و بين نفسه، ثمة اختلاط بالامور يأخذ طابع الجنون، و لكنه حين يواجه "المتفرجين" تتضح الامور أمامه كأنما بفعل السحر، ويأخذ حواره مع نفسه طابع الوضوح و المباشرة. و المباشرة هنا ليست ضعفا في الاداء الفني و لكنها ضرورة لها الخاص. و غي النهاية، حين يشعر انه محاصر بالذين جاءوا ليقبضوا عليه بلا سبب، وبالريح الغربية، و بالكابوس، يعلن موقفه كما يلي:

هناك..انت.. هل تسمع؟ انني لا أخافكم، لا أرهبكم، سأتحداكم جميعا، سأنتصر عليكم جميعا.. جميعا، وحدي".

ويخرج سامي من الباب، فيما نسمع صوته يدوي: "وحدي!".

ليس سامي الا كلمة المقاومة، وليست مسرحية "بيت الجنون" الا قصتها، فهو رجل معزول، محارب، ملاحق من الخارج و من الداخل، والى حد بعيد مخدوع وممزق ومشوش و شبه يائس، ولكنه في نهاية المطاف يقاتل وحده، ولا يخاف. ويعد ألا ينسى، وحين يطوف رغما عنه فوق مد الانسان والظروف وجزرهما. يعود فجأة الى الرؤيا الواضحة و المباشرة، ويدق نفسه الى أرضه الحقيقية:

"انكم على حق، طبيعي ان يضيق المجرم بآثار جريمته، وطبيعي أن يدفعه ذلك الى ارتكاب جريمة غيرها. حتى يتمكن أخيرا من القضاء على كل ما يذكره بجريمته الاولى".



انه يدرك ذلك، ويمضي مرة أخرى فيقول:

"ما كان علي ازعاجكم بمشكلة تخصني وحدي، لاأدري، ربما كانت تخصكم أيضا، بل لابد و ان تخصكم، انني لم أدعكم الى بيتي".



ويشير الى إحدى الحاضرات بين الجمهور:

"هل تخصك هذه المشكلة؟ أعني، أعني ان تكون مجرمة، و ان تقضي على كل أثر لجريمتك. اوه! لم أقصد، ان يكون جنينك من صنع حداد ثم، مث يميته؟ طبيعي الا توافقين!"[57][57].



ولكن هذا الانسان الوحيد الذي يواجه منفردا تحديات داخلية و خارجية، ويعقد العزم على المضي بمعركته الى نهايتها، لا يخضع على الاطلاق الى رؤيا مجتزأة أو مصغرة، فسامي نفسه، بطل "بيت الجنون"، يتوصل في نهاية المطاف الى موقف مدرك لجميع أبعاد مسألته، وهو، وان كان يعد المشاهدين بألا ينسى على الاطلاق انهم اقتحموا بيته، ويعتبر أن هذا الاقتحام يلقي على أكتافه مهمة عاجلة، الا انه لا يخدع نفسه باجتزاء مشكلته على هذه الصورة، وهو يرى -بالرغم من تشوشه وثقل الكابوس المباشر الذي يجثم فوق رأسه- الابعاد الاخرى لقضية الاقتحام هذه، ويشير اليها ببراعة متلمسا حدودها المحلية والعربية والعالمية والاجتماعية، أيضا.



ان أدب المقاومة في فلسطين المحتلة يتميز بهذه الرؤيا العميقة، فلذلك فهو يقاتل على أكثر من جبهة، وسيكون من المدهش حقا أن يرى الدارس، في انتاج أدباء الأرض المحتلة، ادراكا مبكرا، عبر الشعر والقصة والمسرحية، لكثير من معطيات الموقف الذي اكتشفه الأدباء العرب او على وشك ان يكتشفوه في مختلف البلاد العربية، على العموم، في أعقاب 5 حزيران 1967.



سنرى فيما يلي أن أدب المقاومة في فلسطين المحتلة قد ربط ربطا محكما بين المسألة الاجتماعية والمسألة السياسية، واعتبرهما طرفين من صيغة لابد من تلاحمهما، لتقوم بهمة المقاومة. وقد مضى ذلك الادب الى أبعد من هذا، حين أدرك في وقت مبكر أيضا الترابط العضوي بين قضية مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وبين قضايا التحرر في البلاد العربية وفي العالم، وعلى هذه الجبهات جميعها، بكل تعقيداتها، خاض أدب المقاومة في فلسطين المحتلة معركة التزاماته.



لقد اخترنا مثال "بيت الجنون" كنموذج للبساطة الاصيلة التي تتم فيها عملية الربط المعقدة التي أشرنا اليها، فبطلها الوحيد، الذي تتنازعه تحديات متعددة، يعود بين لحظة وأخرى ليثبت تلك التحديات جميعها حول محور واحد، هو المواجهة المباشرة مع التحدي الاسرائيلي الأثقل. وبالتالي تغدو كل التحديات المذكورة مربوطة الى ذلك المحور بجاذبية لا فكاك منها، ولكنها جاذبية ليس من شأنها الا توضيح أبعاد النزال.



ان هذا الواقع الذي تبلور من تلقائه، خلال تطورات متداخلة، قد أدى بدوره الى ظاهرة هامة ينبغي ملاحظتها، فالغالبية الساحقة من أدباء المقاومة في فلسطين المحتلة يمدون التزامهم الى ما هو أبعد من الحدود الفنية، انهم منتسبون فعلا الى الحركة الوطنية بصورة او بأخرى، ويناضلون من خلال تنظيماتها، ويذوقون، في سبيلها، نتائج سياسة القمع الاسرائيلية، لقد بات معروفا -مثلا- ان الشاعر محمود درويش قد اودع السجن مرارا، وان الشاعر سميح القاسم قد ذاق بدوره مرارة الأحكام العسكرية. وقد مارست الحكومية الاسرائيلية ضغطا متواصلا على شركة أهلية اتطرد من بين موظفيها الشاعر فوزي الاسمر بسبب شعره، ونضاله السياسي معا[58][58]، وتعرض الشاعر توفيق زياد الى الطرد من وظيفة، وكذلك توفيق فياض، وغيرهم.



ولكن سياسة القمع هذه لم تؤد الى أية نتيجة سلبية، وفي الواقع فان شاعرا مثل محمود درويش قد جدد رؤياه وطور اداءه بصورة مذهلة خلال وجوده في السجن، وكذلك فعل سميح القاسم. وأدت سياسة القمع الاسرائيلية، التي غالبا ما كانت تغطي نفسها بمحاولات لتفتيت المجتمع العربي في الأرض المحتلة، وتأليبه على بعضه، الى ادراك متزايد للوجه الاجتماعي في حركة المقاومة. وقد انعكس هذا، بصورة خاصة، على القصص القصيرة التي تعاملت أولا مع قضايا التقاليد الكابحة داخل المؤسسة الاجتماعية العربية، ورفضتها، في سبيل تجديد دماء المجتمع العربي ليكون قادرا على مواصلة لمسؤوليات المقاومة، والمضي فيها الى مداها، وانعكست أيضا، وغالبا، في شعر الشعراء الشبان مع مطالع تجاربهم. وأي رصد لهذه التجارب سيؤدي الى ملاحظة موحدة تقريبا، وهي ان الشاب يبدأ تجربته غالبابرفض القيود التي يفرضها المجتمع الريفي على علاقات الرجل بالمرأة، او الأب بالابن، الا أن هذا الرفض ما يلبث، وبصورة متسارعة، أن يأخذ أبعاده وأعماقه، ويتوصل الى الارتباط بآفاق التحدي المختلفة التي تواجه المواطن العربي في الأرض المحتلة، ليخرج من ذلك كله بالصيغة النهائية الراهنة، وهي إعطاء أدب المقاومة بعده التقدمي، الاجتماعي، العربي، والعالمي.



وحين يتصفح الناقد شعر محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، في أوائل عهد هؤلاء الشعراء بنظم الشعر، يلحظ ذلك بصورة واحدة، فشعر هؤلاء لا يتصف فقط برفض عصبي لظهارة اجتماعية محدودة، ولكنه يتصف أيضا بضعف مثير للدهشة في بنائه الفني.



لسميح القاسم مثلا، في أواسط الخمسينات، قصائد رومانطيكية عن المرأة، ذات أفق محدود و موقف جزئي وضعف فني ملحوظ. بعد سنوات قليلة، يسوي بناءه الفكري والفني بصورة فريدة، نلحظها في قصيدته "أنتيغونا" ابنة أوديب الشهيرة:

خطوة، ثنتان، ثلاث

أقدم أقدم

يا قربان الآلهة العمياء

يا كبش فداء ..

في مذبح شهوات العصر المظلم

خطوة، ثنتان، ثلاث

زندي في زندك

نجتاز الدرب الملتاث !

يا أبتاه !

ما زالت في وجهك عينان

في أرضك ما زالت قدمان

فاضرب عبر الليل

بأشأم كارثة في تاريخ الانسان

عبر الليل، لنخلق فجر حياة

يا أبتاه !

أن تسمل عينك زبانية الأحزان

فأنا ملء يديك

مسرجة تشرب من زيت الايمان

وغدا يا أبتاه أعيد اليك

قسما يا أبتاه أعيد اليك

ما سلبت خطايا القرصان

قسما يا أبتاه !

باسم الله وباسم الانسان ..

خطوة، ثنتان، ثلاث

أقدم ... أقدم

وسيعطينا محمود درويش مثالا أوضح على هذا التطور النوعي، الذي ينمو من تلقائه من خلال الممارسة الفعلية للمقاومة.

ففي أواخر الخمسينات يأخذ غضب محمود درويش، شكلا ومضمونا، الوضع التالي حين يشكو من عسف التقاليد التي تلحق الاذى بالفتاة التي يحبها:

وتنام أجفان الحياة

الا بكاء من كئيب موجع

ينسل من اعماق بيت

من بيوت القرية

هي بنت شيخ القرية

تبكي وتصرخ باكتئاب

والسوط محمر الاهاب

ولكن لنلحظ، بعد سنوات قليلة، تلك القفزة التي لا تصدق يقوم بها الشاعر نفسه، منتقلا من ذلك الضعف الفني الملحوظ والتصدع في المضنون، الى درجة عالية جديدة:

لقد تعود كفي

على جراح الأماني

هزي يدي بعنف

ينساب نهر الاغاني

يا أم مهري وسيفي ..

يداك فوق جبيني

تاجان من كبرياء

اذا انحنيت انحنى

تل وضاعت سماء

ولا أعود جديرا

بقبلة أو دعاء

والباب يوصد دوني !

على يديك تصلي

طفولة المستقبل

وخلف جفنيك طفلي

يقول: يومي أجمل

وأنت شمسي وظلي

أن هذه الظاهرة شائعة بصورة تشبهالقاعدة، وراشد حسين يتطور على طريقته الخاصة ضمن هذه القاعدة، ففي قصيدة له في أواخر الخمسينات يغازل فتاته بالصورة التالية:

ونمر في أطيانكم يوما فيصدفنا أجير

قذر الثياب، فتبصقين على التراب

فأحس في عيني إعصارا

وفي بدني سعير

وأقول: يا بنت الأمير !

أنا كل شعري للاجير

وبعد سنوات قليلة سيقفز راشد حسين بدوره قفزة لافتة للنظر في الشكل والمظمون على السواء ، ففي قصيدته "الجياد" يأخذ غصبه ورفضه الصيغة التالية:

في قرانا بين طيات الدخان

يكبر الطفل لكي تكبر بالطفل التهاني

ليقولوا : أصبح المحروس حلما للحسان

أو عريسا صار، في سن الزواج

ابن فلانا

واذا جيل من العرسان يجتاح بلادي

جيل اطفال كبار، كالجياد ملأت أذهانهم أشباح تفكير رمادي

ويمضي يقول: عن الناس:

همتهم ان تلد الزوحة مولودا ذكر

ليقولوا : "إنها بنت أصيل مفتخر

وضعت طفلا ذكر

وجهه وجه القمر

ليقولوا: زوجها فحل عظيم

رجل.. "

بعد هذا، ليصير ابنهم راعي ذباب

في الخمسينات سنقرأ شعرا كثيرا، في الأرض المحتلة، يركز تركيزا متواصلا على قطاع ضيق من الإشكال الاجتماعي، و في هذا النطاق ترد اسماء القاسم والدرويش و حسين، و كذلك فهد أبو خضرة (و هو شاعر مروهب و صاعد لم نعد نسمع عن)، و أحمد حسين، و عصام عباس، وابراهيم مؤيد، و غيرهم كثير.



ولكن بعد ذلك بعذة سنوات سياخذ ذلك التنبه الجزئي آفاقه الأبعد و أبعاده الأعمق، ففي ذلك الوقت المبكر كانت الكارثة الفلسطينية ما تزال حارة، وكان الغضب المجرد، بصورة فاجعة و مذهلة، يطفو الى السطح، شأنه في ذلك شان ما حدث في أعقاب 5 حزيران 1967 في البلاد العربية حين مضى عدد من الكتاب و الشعراء يصبون غضبهم علىجبهة جزئية، الا ان ذلك الغضب ما لبث أن تبلور في صيغة موقف، و مما لاشك فيه ان محمود درويش و سميح القاسم هما طليعة لافتة للنظر في هذا الشأن.



بالنسبة لمحمود درويش فان محور المقاومة، كمعركة مباشرة، هو من الوضوح و الرسوخ بحيث يطوع موقفه الاجتماعي دون مساومة، و على صعيد فني، فان العائلة، عند محمود درويش هي ذاتها الوطن، و كذلك الحب، و المسالة برمتها، في ابعادها المختلفة التي تكون جوهر حقيقتها، تنسكب في شعره بصورة موحدة راسخة البناء، و ربما كان هذا المقطع يلخص الموقف:

خبئي عن أذني هذي الخرافات الرتيبة

أنا أدرى منك بالانسان

بالأرض الخصيبة

لم ابع مهري

ولارايات مأساتي الخصيبة

ولكن محمود درويش يعرف أن هذا الموقف لا يزال جزئيا، ولابد من استكماله، فيتابع بانسياب تلقائي، واضعا للبعد الاجتماعي أساسه الأعمق:

ولاني أحمل الصخر

وداء الحب

والشمس الغريبة

أنا أبكي!

أنا أمضى قبل ميعادي، مبكر

عمرنا أضيق منا

عمرنا أصغر أصغر

أصحيح يثمر الموت حياة؟

هل سأثمر

في يد الجائع خبزا

في فم الاطفال سكر؟

انه يدعو دعوته الواسعة:

فاحموا ستابلكم من الإعصار

بالقدم المسمر

هاتوا السياج من الصدور

من الصدور

فكيف يكسر؟

اقبض على عنق الستابل

مثلما عانقت خنجر!

الأرض والفلاح والاصرار

قل لي: كيف تقهر؟

هذي الاقانيم الثلاثة

كيف تقهر؟

وعلى طريقته الخاصة يقول سميح القاسم الشيء نفسه في قصيدته الطويلة "ارم":

أبدا على هذا الطريق

راياتنا بصر الضرير، وصوتنا أمل الغريق

أبدا جحيم عدونا، أبدا، نعيم للصديق

بضلوع موتانا نثير الخصب في الأرض اليباب

بدمائنا نسقي جنينا في التراب

ونرد حقلا شاخ فيه الجذع، في شرخ الشباب

ونصب في نبض المصانع

للمربي، والحقائب، والثياب

نبض القلوب المؤمنات..

ابدا على هذا الطريق

نذوي فدى أشواق سنبلة على وعد العطاء

و نصيح من فرح غرير الدمع في عرس الفداء:

ابدا على هذا الطريق!

شرف السواقي انها تفنى فدى النهر العميق!

ولسميح القاسم ومحمود درويش قصائد كثيرة هي اعلان صارخ عن انتساباتهم الاجتماعية التقدمية، يتبعون في ذلك استاذهم الرائد حنا أبو حنا.

أما على صعيد القصة القصيرة التي لا تزال من حيث مستوى الأداء الفني و الانتشار و الكم متخلفة عن الحركة الشعرية، فانه يوجد تركيز أكثر على الوضع الاجتماعي.



ويبدو ذلك واضحا تماما في قصة قصيرة لعطا الله منصور اسمها "رياض يعود الى بيته"[59][59]، و قصة أخرى لزكي سليم درويش اسمها "نقطة دم"[60][60]، و في عدد كثير المماثلة، أهمها "رنين الاجراس" لعبج الرحمن محمد سعيد[61][61]، التي تحوي موقفا طبقيا و تركز على نقد العلاقات الاجتماعية و عدد كبير من القصص القصيرة التي تتعامل مع مشكلات المؤسسة العائلية العربية الريفية و رفضها، أو على الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه العربي في فلسطين المحتلة.



الا أنه الملاحظ بوضوح ان هذه القصص، التي تشكو في الغالب من تصدع فني كبير، تشكو أيضا من عجزها عن الوصول الى المستوى الذي وصل اليه الشعر في فلسطين المحتلة، في نطاق الربط بين الجبهات التي تتصدى لها حركة المقاومة في صيغتها الثقافية[62][62].



وسبب ذلك لا يعود فقط الى أن الشعر وسيلة فنية أكثر رسوخا و أكثر قدرة على الانتشار و أكثر ملاءمة لهذا الغرض فنيا، و لكن ايضا لأن وسائل النشر، في الظروف التي يعيشها عرب الأرض المحتلة، لا تسمح بتطور سريع في موضوع القصة بالذات.

***

لقد حاولنا الى الآن ان نقدم عرضا موجزا للبعد الاجتماعي في أدب المقاومة، و من الواضح ان هذا الفصل بين الأبعاد المختلفة، التي تكون في مجموعها المترابط أدب المقاومة، في فلسطين المحتلة، لم نلجأ اليه الا بسبب محاولة استكشاف جوهر هذا الأدب و أسس منطلقاته و بنيانه العقائدي، و لكن على صعيد عملي فان هذا الفصل مستحيل، لأن أدب المقاومة، كما ذكرنا سابقا، قد توصل من خلال تطور سريع و تلقائي الى ما يمكن ان نسميه موقفا واحدا و لايمكن بحال من الأحوال ان تؤخذ جزئيات هذا الموقف منفصلة الا لغرض دراسي محض.



وفي الأساس فان أدب المقاومة في فلسطين المحتلة قد دوره بنفسه، و بالنسبة لشعراء المقاومة على وجه الخصوص فان الشعر سلاح، ما في ذلك شك، و لم تكن كفاءته و جدارته بالنسبة لهم الا التزامه بدوره المقاوم الواعي.



بوسعنا اذن نقول ان الالتزام بالقضية الوطنية، الالتزام الواعي، هو الاطار الذي استطاع أن يقود خطوات ادب المقاومة في فلسطين المحتلة نحو مسؤولياته دون ان يفقد أي بعد من أبعاده، هذه الابعاد التي نعود فنقول انها، على تعددها، تدور في فلك واحد هو فلك المعركة ضد الاحتلال الاسرائيلي.



ومن هذا المنطلق بالذات سنلاحظ ان شعر المقاومة، مثلا، على عكس معظم الشعر العربي المعاصر، لا يبدأ بالاستخفاف بقيمة الكلمة في المعركة القاسية، بل يدرك دورها و يقدسه و يعتبره مسؤولية جوهرية لا غنى عنها.

لقد رأينا في هذا النطاق كيف قال محمود درويش في اعقاب هزيمة 5 حزيران:

هزي يدي بعنف

ينساب نهر الاغاني..

يا أم مهري وسيفي

وهذا الادراك العميق للعلاقة التي لا غنى عنها بين الأم و المهر و السيف و الاغاني و الايدي متوفر بصورة تثيرالتقدير في شعر المقاومة العربي في فلسطين المحتلة:

فسميح القاسم يبلغ عدوه:

هذي الحروف المدلهمة

ياسيدي أحزان أمة

وبها أروي غرسة

بلظى جحميك مستمحة

لاصيد من وادي الأسى

والدمع للأطفال بسمة

لأرد للثكلى ابنها

لاعيد للمفجوع أمه

فاشحذ مداك على جراحي

انني قربان كلمة!

ويحدد سميح القاسم نفسه دور شعره ومنطلقاته بصورة اكثر مباشرة:

من رؤى الاحلام في موسم خصب

ومن الخيبة في مأساة جدب

ومن دمى الاطفال ، من ضحكاتهم

ومن دموع طهرتها روح رب

من زنود نسقت فردوسها

دعوة فضلى على أنقاض حرب

من جراحات يضوي حقدها

ما ابتنى شعب على انقاض شعب

من دمي ، من ألمي ، من ثورتي

من رؤاي الخضر من روعة حبي

من حياتي أنت ، من أغوارها

ياأغاني ! فرودي كل درب

ويظل سميح القاسم متمسكا بهذا الموقف الى النهاية، و في ديوانه "دمي على كفي" يصر على ذلك:

قصائدنا، موقعة على الفولاد

والاخشاب والصخر

وامتنا تحث الزحف

ما زالت تحث الزحف للفجر

قبل هؤلاء بزمن طويل أرسل الشاعر حنا أبو حنا، من حبسه في سجن الرملة، عام 1958 بطاقة الى رفاقة:

خسئوا، فما حبسوا نشيدي

بل ألهبوا نار القصيد

نار تأجج، لا تكبل

بالسلاسل والقيود

نار، جحيم للطغاة

وزمرة العسف المريد

شرف لشعري ان يقض

مضاجع الخصم للدود

فاعجب لشعر يستثير الرعب

في مهج الحديد

أقوى من السجن المزنر

بالعساكر والسدود

أقوى وأصلب من حشود علوجهم

أبدا نشيدي

وفي قصيدة أخرى:

شعب أنا، ان يحبسوا فردا فكل الشعب ثائر

واذا يصفد شاعر هتف النشيد بكل شاعر

شعب يمد حشوده جسرا على نهر المجازر

ويعانق الفجر الملوح بالضياء وبالبشائر

ويؤكد محمود درويش هذا التقديس لمسؤولية الكلمة والتزامها بصورة فريدة:

قصائدنا

بلا لون، بلا طعم، بلا صوت

اذا لم تحمل المصباح

من بيت الى بيت

ويمضي خطوة أخرى في القصيدة التالية بالذات:

لو كانت هذي الاشعار

ازميلا في قبضة كادح

قنبلة في كف مكافح

لو كانت هذي الكلمات

محرثا بين يدي فلاح

وقميصا، أو بابا، أو مفتاح !

أحد الشعراء يقول:

لو سرت اشعاري خلاني

وأغاظت أعدائي

فأنا شاعر !

وأنا سأقول !

ويقول في قصيدة أخرى عن لوركا:

هكذا الشاعر، زلزال، وإعصار مياه

ورياح إن زأر

همس الشارع للشارع: قد مرت خطاه

فتطاير يا حجر

وهو يعرف ثمن هذه المسؤولية:

رموا أهلي الى المنفي

وجاءوا يشترون النار من صوتي

لأخرج من ظلام السجن

ما أفعل ؟

- تحد السجن والسجان

فإن حلاوة الايمان

تذيب مرارة الحنظل

ويعرف أكثر من ذلك:

شدوا وثاقي

وامنعوا عني الدفاتر

والسجائر

وضعوا التراب على فمي

فالشعر دم القلب

ملح الخبز

ماء العين

يكتب بالأظافر

والمحاجر

والخناجر

ساقولها:

قي غرفة التوقيف

في الحمام

في الاسطبل

تحت السوط!

تحت القيد

في عنف السلاسل:

مليون عصفور

على أغصان قلبي

تخلق اللحن المقاتل

ولأنه يعرف قيمة الصوت فانه يتمسك به تمسكه بالسلاح:

لكن صوتي صاح يوما:

لا اهاب!

فلتجلدوه اذا استطعتم

واركضوا خلف الصدى

ما دام يهتف: لا أهاب!

وأدب المقاومة حافل بهذا الاعلان الواضح عن مهمة لا تحتمل المساومة و لا التمييع، و لفوزي الاسمرموقف مماثل في قصيدته له، اسمها: "المعبد القديم":

في معبدي القديم لم ازل

الملم الحروف

اذيبها في موقد اللهب

اصوغها نغم

انشودة من العزاء والأمل

ولحنها:

من لحن نارنا وحبنا الكبير

من نور قلبنا المنير

من جرحنا

من جرحنا الذي يلون العبير

من زند ذاك الأسمر الصلب الذي يفجر الصخور

من ارضنا الثكلى، ومن دمع الربيع على الزهور

اننا نلاحظ مرة اخرى محتويات ذلك الاطار الذي اسميناه الالتزام، ونحن نرى الآن في الأمثلة الثلاثة التي اخترناها كيف يصر الشعراء على بعدي موقفهم المقاوم، الاجتماعي و السياسي في وقت واحد، انه التزام نحو الوطن و المحرر، من خلال ادراك دور الكلمة لا الاستهانة بها و اعتبارها مجرد رفاه.

ان شعراء المقاومة في فلسطين المحتلة يمضون في ممارستهم للمسؤولية الى حد أبعد يلخصه لنا سميح القاسم في قصيدة له اسمها "بطاقة الى نجيب محفوظ":

فاغرف من أعماق البئر العذراء

واسق العامل والفران وأولاد الحارة

فالناس ظماء!

اكتب عن شحذ الهمة

واكتب عن أحلام الأمة

طوبى للحرف الشامخ في الليل منارة

والعار لابراج العاج المنهارة

فقضية الالتزام ليست نظرية مجردة، و كذلك ليست قضية التحرير، و الرؤيا الواضحة لأبعاد القضيتين كمبادىء و كرسائل لا تحتمل عند ادباء المقاومة في فلسطين المحتلة غموضا او تشويشا او مساومة، وهذا بالذات ما جعل أدب المقاومة الذي رأيناه في فلسظين المحتلة خلال السنوات العشر الماضية أدبا لا ينوح ولا يبكي، لا يستسلم ولا ييأس، ولا يناقض نفسه ويمر عبر تشنجات عصبية واهتزازات ناتجة عن سوء وعي الموقف إلى حقيقته، لأن رؤياه لم تكن ارتجالا عاطفيا، ولكن وعيا عميقا ومسؤولا لأبعاد المعركة التي وجد نفسه في صميمها، ولذلك فانه تجنب ظاهرة الانتكاسات الذاتية الرومانطيكية التي شهدها معظم الشعر العربي في هذه الآونة، والتي نلاحظ أنها تشتد وتأخذ طابع النواح والهستيريا والتنصل، كما كانت تجربة الشاعر نفسه أكثر بعدا عن ادراك أبعاد التزاماته ووعيها في السابق.

فمقابل ما قرأنا جميعا في الآونة الأخيرة من الشعر العربي، يستقبل توفيق زياد، مثلا، كارثة 5 حزيران 1967 بقصيدة يقول فيها:

يا بلادي! أمس لم تطف على حفنة ماء

ولذا لن نغرق الساعة في حنفة ماء !

بهذا الثبات يكتب توفيق زياد قصيدته الرائعة "كلمات عن العدوان"، وهي قصيدة مفعمة بالحزن ولكنه الحزن الواعي الذي لا يستطيع ان يهدم:

انكم تبنون لليوم وانا

لغد نعلي البناء

اننا أعمق من بحر وأعلى

من مصابيح السماء

إن فينا نفسا

أطول من هذا المدى الممتد

في قلب الفناء

ومحم ود درويش يستقبل كارثة 5 حزيران 1967 بذلك الحزن الذي لا يصدق، الذي يرتد فورا الى نفس جديد من الإصرار:

خسر ت حلما جميلا

خسرت لسع الزنابق

وكان ليلي طويلا

على سياج الحدائق

.. وما خسرت السبيلا !

وفجأة يرتد الى كورس شعبي يشكل خلفية هذا الحزن والتوق، والسد المنيع الذي يتكىء عليه:

يما مويل الهوى

يما مويليا

ضرب الخناجر ولا

ضحكم النذل فيا !

أما سميح القاسم فيستقبل 5 حزيران 1967 بصورة فريدة، في قصيدة عن الفدائي، تنتهي كما يلي، على لسان الفدائي الشهيد"

يا من ورائي

لا تخونوا موعدي

هذي شراييني

خذوها وانسجوا منها

بيارق نسلنا المتمرد

ان مثل هذه المواقف لا يمكن ان تأتي بهذه التلقائية لو لم يكن هؤلاء الشعراء قد أدركوا منذ البدء، ليس فقط أبعاد معركتهم التي راهنوا عليها في نهاية المطاف ولكن أيضا مدى التزامهم ومعناه وكونه أكثر عمقا من مجرد تظاهرة شكلية.

***

ان هذا الكلام يقودنا على التو لمتعابعة استكشاف الابعاد التي التزم بها أدب المقاومة، وقد استعرضنا قبل قليل الالتزام الواعي كاطار هذه الابعاد، واستعرضنا قبل ذلك التلازم بالبعد الاجتماعي لمسألة المقاومة، وأمامنا الآن: البعد العالمي، والبعد العربي.

وكما قلنا فان تجزئة الموقف الى هذه التفاصيل هدفه تسهيل العرض، وقد رأينا في الأمثلة التي استعرضناها نموذجا لاستحالة فصل هذه الأبعاد عن مجمل الموقف.

عالميا يدرك شعر المقاومة التزامه بحركة الثورة في العالم، التي هي في نهاية المطاف المناخ الذي تنمو داخله الحركة الثورية المحلية، تؤثر به وتتأثر منه.

فيما بين أيدينا من أدب المقاومة يلفت نظرنا بصورة مدهشة كمية ونوعية الانتاج الذي يغني لثورات العالم وقضاياه الحرة، وقد تلخص لنا قصيدة لمحمود درويش اسمها: "أناشيد كوبية" جوهر هذا الالتزام ومعناه:

أنا لم ألمس قصب السكر

والأرض الخضراء

لم أركب قارب صياد في البحر الكاربي

لم أضرب قطرة ماء

لم أنزل فندق سياح غرباء

لم أسكر في هافانا من عرق الفقراء

لم أغمس قلمي في جرح البؤساء المحرومين

لم أقرأ أدب الشعراء الكوبيين

لكن عندي عن كوبا أشياء وأشياء

فكلام الثورة نور

يقرأ في كل لغات الناس

وعيون الثورة شمس

تمطر في كل الأعراس

ونشيد الثورة لحن

تعرفه كل الأجراس

والراية في كوبا

يرفعها نفس الثائر في الأوراس

وجذور الثورة مهما مدت أغصانا

تنبت من نفس المتراس

واللهب الأزرق والأحمر والأخضر

يبدأ من غضب واحد

فتدفأ..

واصنع لهبا آخر

يا شعبا يشعر بالبرد

حين قلنا ان ابعاد ادب المقاومة المختلفة يشد نفسه، بجاذبية قوية، الى محور واحد الى هومحور المقاومة نفسها التي يخوضها الأديب المعني، فإنما كنا نقصد تلخيص هذه القصيدة، بجملة.



ولكن ليس محمود درويش وحده هو الذي يلتزم شكلا ومضمونا بهذا البعد الحيوي من أبعاد أدب المقاومة، فثمة قصائد كثيرة لفوزي الأسمر، بهذا المعنى، أبرزها "أنا عبد" موجهة لشعب افريقيا، ولسميح القاسم عدة قصائد عن باتريس لومومبا، وافريقيا، وزنوج امريكا، وله أيضا في قصيدته الطويلة "ارم" مقطع اسمه "بطاقات الى ميادين المعركة" وهي سلسلة من القصائد القصيرة موجهة الى المغني الزنجي بول روبنسون، وفيدل كاسترو وكريستوف غبانيا وثوار الفيتكونغ.

وفي قصيدته هذه، "الى ثوار فيتكونغ" يقول:

إسمعها تهدر ملء دمي

إسمعها في الوديان على الغابات على القمم

إسمع صرخات الاحرار وقهقهة الرشاش

إسمع غارات الفاشست الأوباش

وأصيح أصيح بلا صوت:

الموت لآلهة الموت.

ولنلاحظ الآن، هذا الانتقال المذهل:

وأحس بكفي تتقلص

وأغيب لبرهة

وأحس كأني أتربص

بذئاب الغصب على أرض الجبهة

وأصب على الأشباح النار .. وأبكي

ويعود في قزفة مماثلة:

من يجرع في بارات نيويورك الويسكي

من يلقي في المقهى حلوة

من ينشد في الشارع غنوة

من يحرث في امريكا، من يزرع

من يحرث في فيتنام ويزرع

من يبقى في المصنع

من يبقى ؟

يا آلهة الموت القمحى في امريكا

يا آلهة الموت الحمقى !

وفي هذا النطاق نجد قصيدة لراشد حسين عن آسيا "بلد الرجال الثائرين على مماطلةالزمان" وقصيدة أخرى لابراهيم مؤيد اسمها "انشودة زنجي" وهي قصيدة تدل على ولادة شاعر جيد، الا اننا مع الأسف لم نعد نسمع عن انتاج جديد له،وسنرى عددا كبيرا من القصائد، في هذا النطاق، لمحمود دسوقي، وقصائد ذات أهمية قصوى لحنا أبو حنا عن كوبا وعن افريقيا المشرقة.



ان الالتزام بالبعد العالمي للمعركة كان دائما من ميزات شعر المقاومة، ومع ذلك فان هذا الالتزام لم يؤد الى تمييع الالتزام بالصيغة المباشرة للنزال، ولكنه أغناه وأعطاه معنى وعمقا وحافزا، عكس تجارب كثيرة حدثت في الفترة الماضية في عدد من البلدان العربية.



بهذا المجال يجدر بنا أن نسجل موقفا لمحمود درويش الذي كان ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" في معظمة، غناء لثورات افريقيا، والذي غنا لثورات العالم بإخلاص وعمق وتلقائيا تبعث على الاعجاب، والذي -أيضا- قدم فيما أرى أجود رثاء عربي للشاعر الأسباني الثائر لوركا، نقول، مع ذلك كله ينظر محمود درويش نظرة واعية للمسألة كلها في قصيدته: "عن الامنيات"، حين يقول:

لا تقل لي :

ليتني بائع خبز في الجزائر

لأغني مع ثائر

لا تقل لي :

ليتني راعي مواش في اليمن

لأغني لانتفاضات الزمن

لا تقل لي :

ليتني عامل مقهى في هفانا

لأغني لانتصارات الحزانى

لا تقل لي :

ليتني أعمل في أسوان حمالا صغير

لأغني للصخور

يا صديقي !

أرضنا ليست بعاقر

كل أرض، ولها ميلادها

كل فجر، وله موعد ثائر !

ان وعي الالتزام بحركة الثورة في العالم يكتسب قيمته مما يؤديه الى الوعي الالتزام بالثورة المحلية، وليس من كونه صيغة رومانطيكية ذات طابع تنصلي عن طريق المزايدة، وهذا الادراك الذي عبر عنه أدب المقاومة العربي بوضوح ومباشرة وحسم يضع البعد الانساني في المقاومة في مكانه الصحيح، الذي يشكل حافزا ومسؤولية، في آن واحد.

يضح سميع القاسم هذا المبدأ كما يلي:

فهناك، في أعماق افريقيا الجواري والعبيد

فجر يمر بكفه فوق الجباه الناحبات

ويصب فيها النور والدم والحياة

وهناك في أعماق امريكا الجريمة والتمزق والضياع

طبل يدق بلا انقطاع

لمدينة تشرى وزنجي ويباع

وهناك، في الافق القريب هناك في الافق البعيد

ليست تتم الأرض دورتها بلا نصر جديد

فاحمل لواءك وامض في هذا الطريق

.. أبدا على هذا الطريق

شرف السواقي أنها تفنى، فدى النهر العميق

ولكن الامر يختلف، من حيث الكم والنوع، حين يتعامل أدب المقاومة مع واحد من ابعاده الأساسية، وهو البعد العربي.

ان طبيعة القضية الفلسطينية تضعها في مركز الوسط من التفاعلات العربية، وبالتالي فان شعر المقاومة في فلسطين المحتلة يمكن ان يوصف بأنه الناطق بلسان تلك التفاعلات والمؤرخ لها.

في ديوان شعر المقاومة ليس بالامكان مرور أي حدث عربي دون يؤرخ في ذلك الشعر، بل ان عدوان 1956 على مصر كان نقطة تحول اساسية في تاريخ ذلك الشعر، وكذلك كانت ثورة الجزائر، وثورة اليمن، وبناء السد العالي وفي هذا النطاق بالذات تبدو ولاءات المقاومة العربية والاجتماعية ممتزجةبصورة عضوية لا تحتمل الفكاك.

سنجد في قصيدة "بطاقة الى الاسطى سيد" لسميح القاسم نموذجا مختصرا وكافيا لما نقصده:

يا أسطى سيد !

إبن وشيد

شيد لي السد العالي

شيد لك

أطفىء ظمأ الغيظ العالي

وامنحنا

وامنح أهلك

كوبا من ماء

وخضارا وزهورا وضياء

يا أسطى سيد

أزف الموعد

والقرية في الصحراء العطشى تحلم

والبذرة في الثلم الصابر تحلم

فادفن أشلاء القمقم

في أشلاء الصخر المتحطم

وابن وشيد

يا أسطى سيد

باسم ضحايا الاهرام وباسم الاطفال

إبن السد العالي !

يا صانع حلم الأجيال !

ان الاختلاط شديد الوعي، في مهمة الاسطى سيد. حيث لا يعرف القارىء لمن يبني السد العالي، لضحايا الاهرام ام للارض العطشى، ام للجيل العربي الاسير في فلسطين المحتلة، يذكرنا بشيء مماثل في قصيدة أخرى لسميح القاسم نفسه. عن صنعاء، غداة الثورة، حين يغني لصحرائه و لمستقبله.

الشيء ذاته نلحضه في شعر محمود درويش، فهو يبدأ قصيدة طويلة له عن "الأوراس" كما يلي:

بيتي على الأوراس كان مباحا

يستصرخ الدنيا مساء صياحا

و تراب أرضي من دمي معشوشب

كي يشرب الغرباء منه الراحا

ثم يقول في القصيدة ذاتها:

فالوحش يقتل ثائرا

والارض تنبت الف ثائر

يا كبرياء الجرح! لو متنا

لحاربت المقابر!

فملاحم الدم في ترابك

ما لها فينا اواخر

حتى يعود القمح للفلاح

يرقص في البيادر

ويقول:

أوراس! يا "أولمبنا" العربي

ذيا رب المآثر

إنا صنعنا الانبياء على سفوحك

والمصائر

اوراس! يا خبزي و ديني

يا عبادة كل ثائر

ويمضي محمود درويش في قصيدة اخرى اسمها "نشيد للرجال" الى تحديد اكثر لهذا البعد في موفقه:

سنخرج من معسكرنا

ومنفانا

سنخرج من مخابينا

ويشتمنا اعادينا:

"هلا! همج هم، عرب!"

نعم!

عرب

ولانخجل

ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل

وكيف يقاوم الأعزل

ونكتب اجمل الأشعار!

انه من الجدير بالتسجيل ان سميح القاسم كان اول شاعر عربي يغني لثورة "الذئاب الحمر" في ردفان غداة تفجرها، مدركا بعدها العميق و معناها:

حمت سراياك فاشرب من سرايانا

واشحذ مداك على الجرح الذي عصفت

اركان عرشك آلينا نقوضها فاحشد

يا طامعا بالذئاب الحمر ، ما غنمت

بلادنا القدر المحتوم قاطنها

يا عابد النار ! ما زالت مؤرثة على القنال..

كأسا جرعت بها للذل ألوانا

دماؤه بقلاع البغي نيرانا

فلولك حيات و عقبانا

اطماعك السود الا بعض قتلانا

مذ كانت الشمس، ما لانت و ما لانا

فماذا تعبد اللآنا ؟

وفي ذلك الوقت كتب سميح القاسم قصيدة اخرى اسمها "عروس النيل" عن السد العالي كمظهر نضالي:

اسمعه.. اسمعه!

عبر فيافي القحط في مجاهل الأدغال

نشر بتاريخ 30-07-2012  


أضف تقييمك

التقييم: 6.54/10 (3289 صوت)


 

أقسام مجلة نورالأدب


جديد مجلة نور الأدب

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall

الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved