خريطة المجلة الخميس 27 إبريل 2017م

هل ترسل الكائنات الفضائية رسائل إلى الأرض؟  «^»  ماء دافئ تحت سطح قمر زحل.. واحتمال وجود حياة   «^»  10 نصائح للاعتناء بمنزلك ستقيك شرّ الأمراض  «^»  طرد الشيخوخة يبدو قريبامن خلال تجارب مثيرة لدواء جديد  «^»  ارتفاع مستوى الرصاص في الدم يؤثر على ذكاء الأطفال  «^»  محاكمة طه حسين  «^»  العوالم السوداء.. من القتلة المحترفين إلى الجهاديين.. كيف يتواصل الجميع؟!  «^»  في فقه الممانعة / زياد ماجد  «^»  معجمُ النّظام العالمي الجديد  «^»  يا صهاينة العرب: إليكم عنا! جديد الأبواب الثابتة
ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري)  «^»   دعاء و رجاء ... د. رجاء بنحيدا  «^»  إسـراء .. شعر: صبحي ياسين  «^»  في النقد الأدبي الحديث د.مرتضى بابكر الفاضلابي  «^»  اعشقي مقاوِماً .. بقلم فاطمة البشر  «^»  قـــــــف.. ق.ق.ج. بقلم: المصطفى حرموش  «^»  (((مُمَرَّدَةُ الْبُعْدَيْنِ))) شعر: عادل سلطاني  «^»  على دفّة الأحْلامِ.. شعر: ختام حمودة جديد مجلة نورالأدب

الأبواب الثابتة
نقد أدبي
دراسات أدبية
المرأة في الرواية الفلسطينية

د. حسان رشاد الشامي

الإهداء

إلى الذين بدّدوا لي وحشة الطريق وملؤوا حياتي حباً وأملاً وعطاء

إلى أميّة.. أنس ونور..



الروايات التي بُني البحث عليها مرتبة وفق تاريخ نشرها أول مرة

1-ما تبقى لكم: غسان كنفاني، دار الطليعة، بيروت 1966.

2-سداسية الأيام الستة: إميل حبيبي، عربسك، حيفا، 1969.

3-أم سعد: غسان كنفاني، دار العودة، بيروت 1969.

4-السفينة: جبرا إبراهيم جبرا، دار النهار، بيروت، 1970.

5-برقوق نيسان: غسان كنفاني، دار الطليعة، (ضمن الآثار الكاملة مج 1) بيروت، 1972 "نص غير مكتمل.

6-أيام الحب والموت: رشاد أبو شاور، دار العودة، بيروت 1973.

7-الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل: إميل حبيبي، دار ابن خلدون، بيروت 1974.

8-البكاء على صدر الحبيب: رشاد أبو شاور، دار العودة، بيروت 1975.

9-الصبار: سحر خليفة، مطبعة الشرق التعاونية، القدس 1976.

10-العشاق: رشاد أبو شاور، دائرة الإعلام في م.ت. ف بيروت، 1977.

11-البحث عن وليد مسعود: جبرا إبراهيم جبرا، دار الآداب، بيروت 1978.

12-بوصلة من أجل عباد الشمس: ليانة بدر، دار ابن رشد، بيروت 1979.

13-الصورة الأخيرة في الألبوم: سميح القاسم، دار ابن خلدون، بيروت 1980.

14-عباد الشمس: سحر خليفة،دار الفارابي، بيروت 1980.

15-نشيد الحياة: يحيى يخلف، دار الحقائق، بيروت 1985.

16-أخطية: إميل حبيبي، مجلة الكرمل، نيقوسيا، قبرص، العدد 15، عام 1985 ص6-66.

17-الرب لم يسترح في اليوم السابع: رشاد أبو شاور، دار الحوار، اللاذقية، 1986.

18-مذكرات امرأة غير واقعية: سحر خليفة، دار الآداب، بيروت 1986.





المقدّمة



حظيت المرأة العربية، ولا سيما الفلسطينية، باهتمام الكثير من الكتّاب والأدباء على اختلاف اتجاهاتهم وتعدّد اهتماماتهم. وشغلت حيزاً بارزاً في نتاجهم الأدبي، سواء أكان شعراً أم نثراً. وكانت الوتر الحساس الذي يتأثر بحركة الواقع، ويؤثر فيها.

وقد كان الروائي الفلسطيني على وعي بمدى ارتباط حركة المرأة العربية الفلسطينية بالمجتمع وبالقضية الوطنية، بوصفها قوة فاعلة ومؤثرة في مسار حركة البناء والتحرير، إضافة إلى كونها نبعاً فنيّاً ثرياً بالدلالات الموحية والمعبرة.



ولذلك كان اختياري موضوع: "المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 "للوقوف على صورة المرأة العربية الفلسطينية، وإبراز مكانتها ودورها، وهي تقف إلى جنب الرجل تشاركه رحلة الكفاح، وتؤازره في معركة الصمود والتحرير. ثمّ الوقوف على صورة المرأة العربية التي ظهرت في بعض الروايات التي بني عليها البحث، كما هي الحال في روايتي جبرا إبراهيم جبرا: "السفينة، والبحث عن وليد مسعود" اللتين تناولتا المرأة العربية العراقية، ولا سيما المرأة التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية.



ولقد تبيّن لي من خلال الدراسات والبحوث التي تناولت الرواية الفلسطينية بالدراسة والتحليل، أنّ هذه الدراسات، على أهميتها، لم تعن بصورة مستقلة بدراسة هذا الموضوع، ومَنْ حاول دراسة المرأة في الرواية الفلسطينية، فإنّ دراسته لم تتجاوز رواية، أو اثنتين، وجاءت موجزة، وغير وافية بطبيعة المكانة التي تحتلها المرأة في الرواية العربية الفلسطينية.

ومن هذه الدراسات، دراسة عفيف فراج "الحرية في أدب المرأة"(1975) التي ألقت الضوء على رواية "الصبار" لسحر خليفة في سياق دراسة بعض الأعمال القصصية والروائية لبعض الكاتبات العربيات. ودراسة خالدة شيخ خليل: "الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي" (1989) التي تناولت بعض الشخصيات النسوية في روايات كنفاني،، مثل "أم سعد" و"مريم". ودراسة إيمان القاضي: "الرواية النسوية في بلاد الشام"(1992) التي درست بعض الروايات الفلسطينية لسحر خليفة وليانة بدر، وتناولت بالدراسة والتحليل بعض النماذج النسوية. وتأتي أخيراً دراسة مصطفى الولي: "الغائب المنشود- الفلسطيني في روايات جبرا إبراهيم جبرا"(1995) لتلقي الضوء على الشخصية الفلسطينية في أعمال جبرا، وتعلل أسباب غياب المرأة الفلسطينية في أعماله. ويضاف إلى تلك الدراسات بعض المقالات التي نشرت في بعض الدوريات العربية، ومنها: مقالة الدكتورة ماجدة حمود: "المرأة في روايات سحر خليفة" التي نشرت في العدد (373) من مجلة المعرفة السورية لعام 1994، ومقالة الدكتورة بثينة شعبان "سحر خليفة ومذكرات امرأة غير واقعية" التي نشرت في العدد (212-213) من مجلة الموقف الأدبي لعام 1988.



أمّا على صعيد البحوث التي أفردت لدراسة صورة المرأة في الرواية العربية، فيأتي كتاب الدكتور طه وادي "صورة المرأة في الرواية العربية المعاصرة"(1971) وقد اقتصر على دراسة المرأة في الرواية المصرية منذ النشأة عام 1914 حتى عام 1954. وتناول الكتاب بالدراسة والتحليل التغيرات الاجتماعية والأدبية والسياسية والفكرية، التي برزت آثارها في الرواية المصرية آنذاك، وانعكست بدورها على الصورة الفنية للمرأة. انطلاقاً من أن حركة المرأة والمجتمع في مصر كانتا متوازيتين في مسارهما سلباً وإيجاباً. وخلصت الدراسة، بعد أن عرضت لصورة المرأة في بعض الروايات الرومانسية والواقعية، إلى إبراز صورة المرأة ومدى ارتباطها بالواقع وعلاقتها بالمجتمع، ودلالتها الفكرية والفنية.



مما تقدم يمكن القول: إن ميدان البحث في موضوع "المرأة في الرواية الفلسطينية.." ما زال بكراً وخصباً وبحاجة إلى من يخوض غماره، ويتولى دراسة أبعاده، ويرصد تطوّر الرؤية الفكرية والجمالية والفنية للروائي، ويسد ذلك الفراغ في مجال الدراسات الأدبية، التي تناولت الرواية الفلسطينية.

ومن هنا كان موضوع هذا البحث الذي يتناول بالدراسة والتحليل واقع المرأة العربية ولا سيما الفلسطينية، كما جسده الروائيون، ويقف على مجمل القضايا والمفاهيم والأفكار التي عالجوها، ليخلص فيما بعد إلى دراسة المرأة فنياً.



وتشمل مادة البحث أهم الروايات الصادرة بين عامي (1965-1985) التي تبرز فيها صورة المرأة، بصورة واضحة، ويعود السبب في تحديد هذه الفترة إطاراً زمنياً للبحث إلى أمرين: الأول، يأتي استجابة لدواعٍ منهجية يقتضيها البحث، بغية الإحاطة بجوانب الموضوع ليتاح فيما بعد الخروج بنتائج مرضية. والثاني، يعود إلى ما شهدته تلك الفترة من نضج فكري وفني واضحين في مستوى الرواية الفلسطينية، وقد ترافق ذلك مع جملة من الأحداث والتحولات الكبيرة التي حدثت خلال تلك الفترة، وتركت بصماتها على الرواية الفلسطينية خاصة، والعربية عامة. وتبدأ هذه الأحداث بقيام حركة التحرير الفلسطيني عام (1965)، ثم نكسة حزيران عام 1967، وتنامي حركة المقاومة بعد النكسة، فأحداث أيلول 1970، مروراً بحرب تشرين التحريرية عام 1973، ثم الحرب اللبنانية 1975، وانتهاء بالاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 وترحيل المقاومة، وما أعقب ذلك.



أما الروايات التي بني عليها البحث، فهي ثماني عشرة رواية، لثمانية روائيين، وكان اختيار هذه الروايات خاضعاً لبعض المعايير، أهمها: النضج الفني للرواية. وبروز شخصية المرأة فيها. وصدورها في المرحلة المحددة للبحث، وإن خرج عن ذلك ثلاث روايات، وهي: رواية "برقوق نيسان" غير المكتملة، وقد درستها لأنها تمثل تطور رؤية الكاتب الشهيد غسان كنفاني لنضال المرأة العربية الفلسطينية المثقفة داخل الوطن المحتل، وهي رؤية مبكرة ومتطورة على هذا المستوى. ورواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع" الصادرة عام (1986)، لرشاد أبي شاور وقد أشار في نهايتها إلى أنه كتبها خلال عامي (1984-1985) وانتهى منها في مطلع 1986، ولذا كان لا بد من دراستها للوقوف على تطور رؤية الكاتب الفكرية والفنية للمرأة الثورية، ودورها في تلك المرحلة الصعبة التي واجهتها الثورة عام 1982. وكذلك كان لا بد من دراسة رواية سحر خليفة "مذكرات امرأة غير واقعية" الصادرة عام 1986، بغية الوقوف على رؤية الكاتبة لأبرز قضايا المرأة العربية عامة، بعيداً عن القضية الوطنية.

ولقد راعيت التوزع الجغرافي للروائيين، لتقف الدراسة على نتاج بعض الروائيين داخل الوطن المحتل وخارجه، ولتجيء الدراسة شاملة إلى حد ما لوضع المرأة العربية- الفلسطينية. وقد حرصت على أن يكون لبعض الروائيات نصيب في دراسة بعض أعمالهن، للوقوف على خصوصية الرواية التي تكتبها المرأة، وخصوصية تصويرها أيضاً للمرأة في رواياتها.



أما منهج البحث، فيقوم على إعطاء الأولوية للنص الروائي للوقوف على بنيته الداخلية وتحليل دلالالته، وتتبع صورة المرأة بكل ما تثيره من أسئلة وقضايا وإشكالات. وكان الهدف أولاً وأخيراً الولوج إلى عالم النص الروائي.



ولكنّ الاعتماد على النص الروائي، لم يمنع من الإفادة من معطيات مناهج أخرى ولا سيما المنهجين الاجتماعي والبنيوي. وقد استعنت بالمنهج الاجتماعي في تحليل الشخصية الروائية في ضوء الواقع الروائي الذي تتحرك فيه، وهو واقع مناظر للواقع الخارجي، وإنْ لم يكن مطابقاً له.

كما برزت أهميّة المنهج البنيوي التكويني في الدراسة الفنية، إذ استعملت بعض مصطلحاته، بعيداً عن التقيد الصارم به. وكان للدراسات التي تناولت بناء الرواية العربية، ومهدّت لذلك بدراسة نظرية مستفيضة حول بعض المكونات الروائية، أثر بارز في الدراسة الفنية، في هذا البحث.



ومن هذه الدراسات نذكر: كتاب الدكتورة سيزا قاسم "بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ"(1985)، وكتاب حسن بحراوي "بنية الشكل الروائي"(1990)، وكتاب الدكتور سمر روحي الفيصل: "بناء الرواية العربية السورية"(1995).

ويتألف البحث من مقدمة، ومدخل، وثلاثة أبواب، وخاتمة، وملحقين، يتناول المدخل نقطتين: الأولى الرواية العربية الفلسطينية والواقع، والثانية واقع المرأة العربية الفلسطينية وخصوصية وضعها.

أمّا الباب الأول: المرأة والواقع، فيدرس واقع المرأة كما جسدّه الروائيون الفلسطينيون، وجعلته ثلاثة فصول، يدرس الفصل الأول العلاقة بين المرأة والرجل داخل الأسرة وخارجها، وتعدد أوجه تلك العلاقة وتنوعها. ويتناول الفصل الثاني: المرأة والمجتمع، فيقف عند الكثير من القضايا الاجتماعية والفكرية التي تهم المرأة، وتؤثر في حركة تقدّمها، سلباً وإيجاباً. ويدرس الفصل الثالث: المرأة والوطن، فيقف عند نضالها داخل الوطن المحتل وخارجه، ويبرز أشكال هذا النضال وصوره.

أمّا الباب الثاني: نماذج المرأة، فيدرس أبرز النماذج النسوية التي جسدها الروائيون في أعمالهم، تبعاً لتفاوت مستويات وعي المرأة، وتعدد انتماءاتها، وتباين مواقفها، وجاء في أربعة فصول.

وأما الباب الثالث: المرأة فنياً، فيدرس بناء الشخصية النسوية، وعلاقته بالمكونات الروائية الأخرى، كالمكان والزمان والسرد. وانتهى البحث إلى خاتمة تضمنت خلاصة البحث، وأبرز ما تمّ التوصل إليه من نتائج.. وذيل البحث بملحقين: الأول تناول التعريف بالروائيين الفلسطينيين الذين وقفت الدراسة على أعمالهم الروائية. والثاني تناول رصد الروايات الفلسطينية الصادرة من عام 1946 إلى عام 1996، وإعداد ثبت بتلك الروايات تبعاً لتاريخ صدورها.

-آمل أنْ أكون قد وقفت -بعض التوفيق- في تناول جوانب هذا الموضوع، واستعطت أن أفي المرأة، التي ترسم بمداد قلبها طريق النور والحرية للأجيال القادمة، بعض حقها، وحسبي أنني أخلصت النيّة، وبذلت كلّ ما استطعت من جهد، لتعطي هذه الدراسة الثمرات المرجوة منها.

والله ولي التوفيق







المدخل





1-الرواية العربية الفلسطينية والواقع:

الرواية هي الجنس الأدبي الأقدر "على التقاط الأنغام المتباعدة، المتنافرة، المركبة، المتغايرة الخواص لإيقاع عصرنا"( )، ورصد التحولات المتسارعة في الواقع الراهن.

ومن ناقل القول الحديث عن نشأة الرواية العربية( ) لكثرة ما قيل وما كتب في هذا الموضوع، فعلى "الصعيد الأدبي، تعد الرواية، بمعناها الحديث.. جنساً جديداً علىالأدب العربي، وليس في ذلك خدش لكرامة تاريخنا العربي، ولا للغتنا وأدبنا العربيين. ولا يلغي تلك الحقيقة.. محاولة إيجاد الصلة بينها وبين الحكاية.. والمخيلة الشعبية في ألف ليلة وليلة أو التغريبة، إلى حد الإدعاء أننا أسبق الأمم في الرواية، لأنه من وجهة نظر جميع النقاد والمفكرين هناك إجماع على حداثة الرواية"( ) في أدبنا العربي.

وتعد البداية الحقيقية للرواية العربية الفلسطينية، بعد النكبة، بعد أن استفاد بعض الكتاب من التجارب الغربية والعربية السابقة، وتمثلوها، واستطاعوا صياغة الواقع فنياً، إذ "أصبح الهم الوطني يحتل مساحات الصفحات كلها التي تطمح إلى التعبير عن تجربة الاقتلاع والنفي.. إلا أنّ مجمل الإنتاج الأدبي الذي أفرزته تلك المرحلة، ظل موسوماً بالحدة الانفعالية التي تجللها حالة من الحزن، ويطفو عليه إيقاع الحنين الرومانسي إلى المكان المفقود، والإصرار المباشر الشعاري، على العودة إلى الأرض"( ).

وقد بدأت الرواية الفلسطينية، منذ بداية الستينيات، تنحو منحى واقعياً واضحاً، إذ أدت عوامل كثيرة متضافرة إلى تبلور هذا الاتجاه لدى الكثير من الكتاب، ونذكر من تلك العوامل، سيادة بعض الأفكار والمفاهيم الجديدة، ونمو حركات التحرر في العالم الثالث، وانطلاقة حركة التحرر الفلسطيني عام 1965. مما أدى إلى سيادة الاتجاه الواقعي على مجمل النتاج الروائي ( ).



وظهرت على الساحة الأدبية، بعض الأعمال الروائية ذات الصبغة الواقعية، التي تناولت القضية المصيرية بعمق ورؤية واعية متأنية، وبتقنية فنية متطورة، كما هو الأمر في روايات غسان كنفاني.

وبما أنّ الواقعية "تلقي على الكاتب مهمة إنسانية يتطلب النهوض بها معرفة عميقة بقوانين الحياة والتطور، وفهماً صحيحاً للصفة التاريخية للحوادث، وموهبة قادرة على استشفاف المشاعر الإنسانية، واكتشاف الأفكار التي تعتمل في أعماق المجتمع.."( ) فإنّ الروائي الفلسطيني كان على قدر المسؤولية في استيعاب الواقع، ورصد حركته وتحولاته، فهو على الرغم من انشغاله بقضيته الوطنية، لم ينطو على ذاته، ولم ينغلق على عالمه وهمومه، بل تجاوز ذلك إلى الاهتمام بقضايا الإنسان وصراعه مع ظروفه القاسية، سواء أكان رجلاً أم امرأة.



2-المرأة الفلسطينية وخصوصية وضعها:

نشأت المرأة العربية، ولا سيما الفلسطينية "في مجتمع بني جزء أساسي من تاريخه الحديث على الصراع ضد الاستعمار والصهيونية، لذلك كان لا بد وأن تحتل قضية تحرير الوطن وقضايا الديمقراطية، المساحة الأكبر في النضال من أجل بناء مجتمع فلسطيني قائم على أسس العدالة والمساواة لجميع أبنائه رجالاً ونساء"( ) وكان من الطبيعي في ظل تلك الأوضاع الصعبة التي عاشتها المرأة الفلسطينية بعد النكبة، ألا تنفصل قضية تحررها عن القضية الوطنية.



وقد تميزت ظروف المرأة الفلسطينية، سواء داخل الوطن أو خارجه، بخصوصية معينة، تبعاً لحركة الواقع الفلسطيني، والعربي عموماً، والتحولات الطارئة على مسار القضية المركزية. فقد عاش الفلسطينيون في الشتات "ظروفاً استثنائية في ميداني السياسة والتعليم. ففي السياسة كانوا خاضعين لأمزجة الأنظمة العربية، ومواقفها المتذبذبة من القضية... أما في التعليم، فلم يتلق الفلسطينيون تعليماً موحد المناهج والأساليب، فهم تابعون لأنظمة التعليم السائدة في الأقطار العربية التي استقروا فيها"( ) وكان لذلك كله أثره الواضح في الشخصية الفلسطينية، ولا سيما شخصية المرأة، بالإضافة لتأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتعدد الاتجاهات الفكرية، وتباين أنماط الحياة اليومية بين هذا البلد أو ذاك، مما كان له أبلغ الأثر في التجمعات الفلسطينية، وفي وعي المرأة، ودرجة تجاوبها مع المستجدات.

وعلى الرغم من ذلك كله، نجد أن "المخيمات لعبت دوراً كبيراً في المحافظة على الشخصية الفلسطينية من الناحيتين العاطفية والنفسية. وهذا الدور هو نتيجة كونها تضم أكبر التجمعات الفلسطينية وأكثرها وحدة وانسجاماً على مستوى العلاقات الاجتماعية، والحس السياسي والوطني"( ).



أمّا الفلسطينيون الذين عاشوا تحت الاحتلال (1948-1967) فكانت معاناتهم بالغة القسوة، ومن الصعب على المرء أن يدرك مدى المعاناة التي تعيشها المرأة الفلسطينية، والشعب بأسره، ما لم يعش ذلك الواقع الممض، حينئذ تتجلى له الحقيقة: "حقيقة الألم الإنساني الهائل الذي يصقل ويحرق ويضيء... حقيقة الحزن الباهظ الذي يكابده إنسان استيقظ ذات يوم، فإذا هو أقلية مسحوقة في وطنه، بعد أن كان شعباً مشحوناً بالحياة، يعمل ويبني، ويعد للمستقبل.."( )، فأصبحت الحياة عبئاً ثقيلاً حين أصبح غريباً مضطهداً، يعاني التمييز في تفاصيل حياته اليومية، وهذا ما جسدته رواية الأرض المحتلة بصورة عامة.



وعلى الرغم من هذه الخصوصية التي تميّز المرأة الفلسطينية عن شقيقاتها العربيات، كان "نشاط المرأة العربية الفلسطينية ودرجة تقدمها يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بنشاط وتقدّم المرأة العربية في كافة الوطن العربي، على اعتبار أنّ التقاليد والعادات المتوارثة، والحقوق والواجبات التي حصلت عليها المرأة، والظروف الاجتماعية التي تعيشها تكاد تكون متقاربة باستثناء بعض البلدان المحافظة"( ).



وقد قدمت الرواية الفلسطينية خلال العقدين التاليين لقيام منظمة التحرير "مشاهد حية من تجربة الشعب المعاني، فيها من التفصيل والصدق والتمثيل لوجهي الحقيقة الخارجي والداخلي أكثر مما يمكن أن تقدمه أية وثائق تاريخية.."( ). كما قدمت معظم النماذج النسائية التي زخر بها الواقع، وتناولت صورة المرأة وقضيتها من خلال إبراز علاقتها بالقضية الوطنية، وبالعالم من حولها، من جهة، وبالرجل من جهة ثانية "تلك العلاقة التي ستظل المفتاح الرئيسي للحياة الإنسانية"( ).

وفيما يلي يدرس البحث واقع المرأة كما جسّده الروائيون الفلسطينيون، وأهم القضايا والمفاهيم والأفكار التي تناولوها بهذا الصدد، وأبرز النماذج النسوية التي استحوذت على اهتمامهم، وشغلت حيزاً مهماً في رواياتهم. ومن ثم يخلص إلى دراسة المرأة فنياً، فيقف على بناء الشخصية، وعلاقتها بالمكونات الروائية: المكان والزمان والسرد.







الباب الأول المرأة والواقع



الفصل الأول :العلاقة بين المرأة والرجل.

الفصل الثاني : المرأة والمجتمع.

الفصل الثالث :المرأة والوطن.



الفصل الأول العلاقة بين المرأة والرجل



لا شك أن العلاقة بين الرجل والمرأة على الصعيد الواقعي "هي عنوان كبير لإشكاليات التقدم والتخلف والتطور والارتقاء"( )، ولكن رصد هذه العلاقة في الرواية الفلسطينية قد لا يشكل مؤشراً، أو دليلاً كبيراً على حركة تنامي الواقع وتطوره، ذلك أن الروائي الفلسطيني - والروائي عامة -حين يعرض الواقع، فإنه لا يقدمه كما هو، وإنما يحاول "إعادة ترتيبه بما يتناسب مع آمال الشعب وأهدافه، فالنظرة الواقعية عنده ليست استنساخاً بليداً للواقع، وإنما هي اكتشاف وغزو خلاّق لقسماته الأساسية القائمة الممكنة، إنّها اكتشاف للملامح النمطية والنموذجية في الحياة، والمعبرة عن جوهر صراعاتها ومواقفها وحركاتها النشطة، بكل ما تتضمنه من عذابات وانتصارات ومشاق وإمكانات منهارة أو متولدة"( ).

من هذا المنطلق صور الروائيون الفلسطينيون شتى العلاقات بين المرأة والرجل، ووقفوا في معظم رواياتهم على صور إيجابية كثيرة لعلاقات سليمة ومعافاة، وصور سلبية قليلة لعلاقات مريضة مأزومة، ولكن كثرة هذه، أو قلة تلك ليست إلا تعبيراً عن رؤية الكاتب الفنية للواقع الفلسطيني. تلك الرؤية التي تحمل من الشجن والطموحات ما تحمله من الرؤية الواقعية.

وسنحاول فيما يلي أن نستعرض العلاقة بين المرأة والرجل كما صورتها الرواية العربية الفلسطينية، راصدين مختلف جوانبها وسماتها، سواء أكانت داخل الأسرة أم خارجها.



أولاً- العلاقة بين المرأة والرجل داخل الأسرة:

عنيت الرواية الفلسطينية بتصوير العلاقة بين الرجل والمرأة، وإبراز المكانة التي تحتلها المرأة في عالم الرجل، ولا سيما المثقف الثوري، على حين لم تعن أكثر الروايات بتصوير العلاقة بين المرأة والرجل التقليدي السلبي، بوصفه يشكل إحدى العقبات الأساسية في طريق تحرير المرأة وتطورها اجتماعياً وفكرياً وسياسياً وعملياً، ولذا كان حضوره باهتاً في أغلب الروايات التي شملها البحث.

على حين شهدت الرواية الفلسطينية حضوراً مميزاً للمرأة التقليدية، التي لم تكن مدانة في معظم الأحيان، ذلك لأنها تجسدت -غالباً- في صورة الأم- المثال، التي "تحاط بهالة من التقدير تبلغ حدّ التقديس أحياناً"( ) هذه الصورة المثالية للأم، انعكست في الرواية الفلسطينية، لدى معظم الروائيين الفلسطينيين، فـ "على نفس القدر من الجلال الذي تحتله الأم في واقع الحياة، يأتي التصوير المعبر"( ). ولما كان الواقع اليومي في المجتمع الفلسطيني، ولا سيما مجتمع الأرض المحتلة، يتسم بالمعاناة الشديدة، والضغوط الحياتية بمختلف أنواعها، كان لا بد أن ينعكس هذا الواقع المؤلم على الأسرة الفلسطينية وعصبها الأساسي (الأم)، فأي أثر تركته الأم في علاقتها بكل من الزوج والأولاد؟

يلاحظ الباحث في الرواية الفلسطينية حضوراً مكثفاً للمرأة الأم، وبالمقابل انحساراً ملحوظاً لدور الرجل- الأب في الأسرة، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن المرأة- الأم تشكل قيمة اجتماعية ونفسية وأخلاقية في عقلية الإنسان العربي، وهي تنطوي على قدرة غير محدودة على العطاء والتفاني( ). إلى جانب كونها رمزاً للوطن، وللأرض والخصب، ولها اليد الطولى في تدبير أمور المنزل وتربيية الأطفال وتنشئتهم وتوجيههم وتعليمهم وتزويجهم.



1-الأم وأولادها:

تطالعنا في رواية "العشاق" لرشاد أبي شاور، صورة الأم الفلسطينية المكافحة بعنفوانها وكبريائها، وبقوة إرادتها، وعظمة إيمانها بالمستقبل، وطول صبرها، لم يربكها غياب زوجها الذي قتله حراس الحدود الأردنية، وهو يعبر ليقوم بعمليات فدائية داخل الأرض المحتلة. ولم يضعف عزيمتها على الصمود، وهي تجد نفسها تتحمل أعباء فوق طاقتها، بل تواجه مسؤولياتها نحو ولديها، فتظلهما بحبها ورعايتها، وتغمرهما بحنانها ودفئها،وتصمد في وجه الأيام الصعبة بشجاعة نادرة. ومن خلال شريط الذكريات، نقف على علاقتها بزوجها "سلمان عبّاس". ويبدو أنّها كانت زوجاً متفهمة محبة وفيّة واعية. يظهر ذلك من خلال تضحيتها بذهبها، ليشتري زوجها ذخيرة، ولكنه قتل، فعانت بعد مقتله ظروفاً بالغة القسوة، بعد الهجرة الأولى عام 1948، من الخليل إلى أريحا. ويتذكر ابنها محمود تلك الأيام السوداء، وأمّه التي صمدت: "لقد عشنا على التمر والخبز الأسود. خبز الشعير، وخبز الذرة، ونادراً خبز القمح. تلك الأيام السوداء أرهقنا بعدك (بعد والده)، لكنها صمدت تلك المرأة الشجاعة، أمنّا.. أيام التمر. أيام البطانيات السوداء الخشنة، نصنع منها اللباس والأكفان والغطاء والفراش. أيام العيش على الخبيزة والأعشاب البرية. نسابق الحيوانات على اقتلاعها.. ها نحن نعيش، راحت أيام التمر.. ولكن الذكريات السوداء، وهدير الطائرات والملابس الملطخة بالدم، والبيوت المهدمة لن تتلاشى"( ).

لقد حرص الروائي الفلسطيني على أن يقدم الأم الفلسطينية، في إطار إنساني وفني بديع ومميزّ، إذ قدّمها إنسانة مكافحة، متفائلة بالمستقبل، محبّة للحياة وللأرض والعمل. فلم تستسلم للواقع المزري الذي فرضه عليها الاحتلال من جهة، وفقد الزوج من جهة ثانية، بل عملت وكافحت، بكل ما أوتيت من قدرة على مغالبة الشدائد، والصمود أمام جبروت الاحتلال للضفة والقطاع عام 1967، وما جرّه من ويلات، لكي تؤمن لأولادها ولنفسها الحياة الحرة الكريمة. فأم محمود الطيبة الوديعة، التي استشهد زوجها، وتركها وولديها الصغيرين بلا مال ولا بيت ولا أمان.. تقف على قدمين ثابتتين، وتتمكن من تربية ولديها بشرف وكرامة، وتحرص على تعليمهما، فيصبح ابنها البكر معلماً في مدارس وكالة الغوث، على حين يحزُّ في نفسها أن ابنها الثاني (محمد) لم يتم دراسته، وأنّه يصرف وقته في الغناء، ضارباً على عوده الأثير، فتصفه بالمغنواتي، وتخشى ألا تتيسر له حياة لائقة مثل قرنائه، فيقترب منها، ويمسح على رأسها، ويقبل شيبتها قائلاً:

"تحزنيني عندما تفكرين بي وكأني طفل صغير، لقد اخترت مستقبلي. هذا العود يا أمي هو السراط الذي سأسير عليه إلى الوطن. أنا لن أكون عالة على أحد. سأذهب إلى الحياة ومعي عودي"( ).



وليس إصرار "أم محمود" على تعليم ولديها أكثر من إصرار "أم حسن" على الهدف نفسه، فهي تكد وتعرق في سبيل أبنائها. تعمل في صنع الآجر من الطين والتبن، فتبني بيتها، وتعلم ولديها.

يتحدث محمود لصديقه عن أم حسن بقوله: "أتدري؟ مرة راقبتها عن بعد وهي تعمل، نصبت جذعها وسط جبلة الطين، بدت مثل زيتونة جبلية صغيرة، ولكنها قوية، هذه المرأة - هكذا قلت لنفسي يومها- لا تصنع الطوب من أجل الربح، إنها تستمتع بخلق هذا الطوب وبأن الناس يبنون بيوتاً، من عرقها وجهدها"( ). هذا الجهد هو الذي ساعد ابنها حسن على أن يدرس الجغرافيا في جامعة دمشق. وساعد أخاه على إتمام دراسته في مدرسة قلنديا.. على الرغم من اعتقادها بأن "الصنعة جيدة، أفضل من التعليم وهمه"( ). فقد أصرت على تعليم ولديها.



ونلتقي في "البكاء على صدر الحبيب"(1975) لأبي شاور أيضاً بصورة موحية للأم المكافحة الصابرة التي ضحت بشبابها وسعادتها من أجل ولدها الوحيد "زياد" بعد أن فقدت الزوج والمعيل جراء استشهاده دفاعاً عن القرية، وترك لها طفلاً، لما يتجاوز السادسة من عمره، فهاجرت من أريحا مع طفلها، إذ بدأت رحلة الشقاء والكدح في سبيل تربية الولد ورعايته وتعليمه، إلى أن شب وأصبح كاتباً مسرحياً وشاعراً، بعد أن أنهى دراسته للأدب في جامعة القاهرة( ).

*

وفي "الصورة الأخيرة في الألبوم " لسميح القاسم (1980)، ترتسم ملامح "أم أمير" من خلال تصرفاتها وسلوكها وكلماتها وحنوها على أولادها، فتبدو امرأة طيبة بسيطة، تعاني مشاق الحياة، ولا سيما بعد وفاة زوجها الذي صودرت أرضه الخصبة، فعمل في البناء، وهو غريب عن هذه المهنة، فسقط عن السقالة من الطابق الرابع، فشطرته أرجوحة أطفال في الدور الأرضي إلى نصفين، فوجدت عزاءها بأولادها، وبذلت ما في وسعها لتعليم "أمير" و"علي" وإبقاء البيت مفتوحاً، بإسهام ولديها الكبيرين. وبصبرها وعطفها على الأسرة، استطاعت أن تجمع شمل الأخوة، وتوحد كلمتهم، وتزرع المحبة والإخلاص فيما بينهم. وتحاول قدر المستطاع التخفيف من الام "أمير" وعذابه والتضامن معه، وهو الذي يعاني من البطالة على الرغم من حصوله على درجة الماجستير في العلوم السياسية. فإذا به يضطر للبحث عن عمل داخل الكيان الصهيوني، لكي يؤمن به لقمة العيش. تقول: "لا يهمك يا روحي، سافر والله معك. إذا وجدت عملاً، كان به، وإن لم تجده للقرد. طعام واحد يكفي اثنين، وإن لم يسعك البيت، وسعتك القلوب، نحن كلنا قدامك، أخوتك يعملون، والصغير ناجح في المدرسة والحمد لله، ليس ضرورياً أن تشتغل. أبوك الله يرحمه سيفرح في ترابه حين يعلم أن بيته مفتوح، وأنك تستقبل الناس في مضافته، لا تحزن يمّه. يا حبيبي"( ).



وتعرض الرواية صورة دالّة لأم أمير وقد تلّقت نبأ تفوق ابنها الأصغر "علي" وحصوله على أعلى الدرجات في الشهادة الثانوية، فهي ترى أن تعليم ابنها سيفتح لها ولأبنائها نافذة على الحياة الحرة الهانئة الكريمة. وهو "ينظر إلى التعليم كهدف نضالي.. يغامر من أجله ويلحق به حيث يكون"( ): "ذهل حين استدارت أمه نحوه وراحت تحدق فيه جامدة.. تخطى عتبة الباب، ووقف قبالتها.. إنّها جامدة.. وتفجرت الدموع بغزارة من عينيها المنهكتين.. ولكنها لا تبكي.. لا صوت، ولا نأمة.. مجرد دموع غزيرة تنهمر وتتدافع على الخدين المغضّنين.. تتعرج الدموع في مسارها.. ترتعش الشفة قليلاً.. تلتقي الدموع عند غمازة الذقن الغائرة.. تمثال يبكي.. ارتعاشة الشفة تنتقل كالعدوى إلى سائر تضاريس الوجه المُرهق.. ترتفع اليدان ببطء.. وقبل أن تتحرك أمه يكون علي قد سقط على رأسها بصدره الضامر المرتعد.. ويشهقان وتتصلّب الأذرع الوالهة، وكأنها تسعى لخلق موازنة ما مع تصلب الحياة المطبقة كالكماشة على بقايا الأسرة المتشبثة بأحلامها، وبحقها في حياة حرّة سعيدة”( ).

ففي هذا المشهد المؤثر، ومن خلال الوصف الدقيق لقسمات الوجه، وعبر اللغة الروائية التي لا تخلو من الشفافية، يرسم سميح القاسم، بدقة وبراعة، صورة معبّرة للأم الطيبة، ولهيكلها المرهق الرحيم، ولوجهها الإلهي الذي طالما منح ابنها الثقة والحب الآمل.

***

ولم يقف اهتمام الأمهات بالأبناء في الرواية الفلسطينية، عند حدود تعليمهم وحسب، بل حاولن تزويجهم، أيضاً، لأن ذلك يمنح الأمهات الشعور بالراحة والاطمئنان على مستقبل الأبناء. فأم محمود في "العشاق" تبارك علاقة ابنها بـ "ندى" وتعبر عن فرحتها إزاء قراره بالزواج منها، وتعلق على ذلك قائلة: "أنا موافقة طبعاً.. على بركة الله.. منذ زمن بعيد لم يدخل الفرح بيتنا"( ). كذلك تبارك "أم حسن" علاقة ابنها بزينب، وتتمنى الإسراع بزواجهما، فتخاطب محموداً صديق ابنها قائلة: "أنا مستعدة أن أدفع المهر لوالد زينب غداً، وأزوجه خلال أسبوع"( ) .

*

ويعرض أبو شاور موقفاً للأم من زواج ابنها في "البكاء على صدر الحبيب"، فأم زياد تلح على ابنها بقبول الزواج، لتراه مستقراً في حياته: "آه يا يما، متى أراك عريساً وأراها بجوارك فتاة حلوة مثل القمر. أرى لك أطفالاً؟.. يا ولدي، يا حبّة عيني، ليس لي غيرك، حملتك وهربت بك من عيون الناس، شقيت، وانتظرت كل هذا العمر كي أسعدك، أريد أن أغمض عيني، وأن أرى لك بيتاً وزوجة وأطفالاً، ألا تعجبك ولا بنت في كل المخيم؟ أم أنك تخفي أسرارك عن أمّك العجوز"( ).

فالأم إذاً، كما صورتها الرواية الفلسطينية، تعي بمنطقها السليم، معنى أن يتزوج الابن، وينجب أطفالاً. وها هو أحد الأبناء يعبّر عن أهمية الزواج والإنجاب للإنسان الفلسطيني بشكل خاص. فالزواج بالنسبة إليه ليس ضرورة إنسانية وطبيعية واجتماعية فحسب. بل هو إلى جانب ذلك وغيره، واجب وطني، يقول محمود: "كيف لا ننجب؟ ذلك يعني أننا لا نستحق أن نكون مواطنين. شجرة الموز تثمر وتعطي، والأشجار الصغيرة تنمو بجوار ساقها، تموت الشجرة الكبيرة، وتتقدم إحدى الشتلات الصغيرات فتأخذ دورها، وهكذا. الشتلة الأقوى، الأكثر تشبثاً بالحياة، الأكثر عطاء، هي التي تأخذ دور أمها، الشتلات الأخريات تنقل إلى حفر أخرى، والتي تنمو وتعيش تثمر وتعطي، وهكذا. بعض الشتلات تموت، ليكن، بعض الشتلات تعيش وتنمو، هذه هي الحياة. والدي قتل وهو يجتاز الحدود، وها نحن نعيش.."( )وكأنه يقول: ها نحن نكمل مسيرة الوالد، نحن امتداد له.. وهذا ما تريده أمنا، وهذا ما يتطلبه الواقع الفلسطيني النضالي، من أجل استمرار الشعب، وتناسله، وقدرته على الصمود والبقاء. ولا بد من التنويه إلى أن رواية "العشاق" هي من أبرع الروايات الفلسطينية تصويراً لعلاقة الأمهات بالأبناء، تلك العلاقة التي قامت على الحب والاحترام والتفاني، في جو يسوده الاضطهاد والحرب والدماء. ومع ذلك، لم تكن هذه العلاقة الحميمة لتتأثر سلباً بما يحيطها من معاناة وظلم ونفي وتشرد، فكثيراً ما نرى الأمهات يمزحن مع أبنائهن وأصدقائهم. ونرى الأبناء يمزحون مع أمهاتهم. فهذا محمود يمزح مع أمه يوم خرج من المعتقل فيناديها، كما كان يفعل دائماً:

"أم محمود، تعالي، ماذا تفعلين أيتها العجوز؟

أنا عجوز يا ولد، أي والله لو شئت لتزوجت قبل بنات اليوم"( ).

وها هي "أم محمود" تمزح مع ابنها الأصغر "محمد" فتقول له:

"-آه يا محمد يا هامل

انتهرها بود:

-امسكي هذا العود يا عجوز. وإذا اقترب منها، أمسكت العود بيسراها وأهوت بيمناها على رقبته.."( ).

إن هذا المرح كان بمنزلة "السر الروحي، أو السلاح الذي يحمي الحياة الفلسطينية من الاندثار تحت وطأة الهم واليأس"( ).



2-الأم الشاملة:

ولا تقف علاقة الأمهات بالأبناء عند هذا الحد، فالألم الفلسطينية القروية الكادحة- كما قدمها الروائي الفلسطيني- ليست كسائر الأمهات. أمومتها تشمل شباب الوطن الواعدين، فهي تعطيهم الحب والحنان والعطف والرعاية والحماية، وتحظى منهم بالاحترام والتقدير والمحبة. ففي اللوحة الثالثة من رواية "أم سعد" 1969، وعنوانها في قلب الدرع يقدم كنفاني صورة للأم الفلسطينية في أعظم تجلياتها. حين يحاصر سعد مع بعض رفاقه الفدائيين في موقع داخل الأرض المحتلة ويطول الحصار أياماً عدة يعانون خلالها الجوع والإرهاق، وتمر بهم آنذاك امرأة قروية فيقول سعد: "ها قد جاءت أمي"( )ويعلق أحد الفدائيين بأنه لا بد قد جن، فكيف يمكن لأمه أن تأتي إلى هنا؟ ولكن سعد يصر على أنّها أمه بينما يعترض رفاقه وهم يعبرون عن خشييتهم من أن تذهب وتشي بهم إلى قوات الاحتلال وينادي سعد : "يا يما ردي علي.. أنا هون يما.. أنا سعد، يا يما جوعان" ( ). ويدنو سعد منها أكثر فأكثر، وحينما يصبح مواجهاً لها تضمه إلى صدرها بلهفة وإعجاب... وتجلب له ولمجموعته الفدائية الطعام طوال خمسة أيام حتى تخبرهم بفك الطوق.

"وتكتسب هذه اللوحة شاعريتها الرائعة، ليس من المرأة الفلسطينية الأخرى تقدم لهم العون كأم. ولكن من أن سعدا يصر، أنها أمه فعلاً، وهي فعلاً أمه. لأن كلتا المرأتين واحدة في الجوهر والمعنى. وحين يعود سعد لأمه يقول لها: إنه رآها هناك، وأنها لو لم تطعمه لمات جوعاً. ويقول لها: إنه يراها هناك دائماً. إذا فنداؤه لهذه المرأة التي أطعمته، ليس حادثة منفردة، فهو دائماً يرى أمه داخل فلسطين، لأن أم سعد موجودة داخل فلسطين وفي المنفى. وحين تحكي أم سعد للراوي ما حكاه لها ابنها ثم تستدير لتخرج، يجد الراوي نفسه يناديها فجأة "يا يما" فتقف، وهكذا تكتمل الدائرة. فأم سعد هي أم الجميع، إنها الفلسطينية داخل فلسطين، وهي أم الفدائي الذي شب على أرض المنفى"( ). إنها باختصار، الأم الشاملة التي ينتمي إليها أبناء فلسطين وغيرهم من الأوفياء لأرضهم، لتاريخهم لأرواح شهدائهم.

*

ويقدم إميل حبيبي في لوحة "أم الروبابيكا" في روايته سداسية الأيام الستة" (1969) نموذجاً للأم التي "لا تتوقف.. عند حدود الخاص بل تظل محافظة على العام الذي تجسده"( ) فهي لا تكتفي بالعناية بأبنائها فحسب بل نراها تعتني بأبناء الوطن جميعهم، تقف إلى جانبهم ساعة الشدة، فتوكل لمن سجن معهم محامياً، وتزوره في السجن، وتحمل إليه السجائر وتغسل قمصانه.

*

ويرسم أبو شاور في "العشاق" صورة للأم الفلسطينية القروية البسيطة التي هي أم الجميع، فأم حسن، إحدى أمهات العشاق، هي أم لكل الشباب المناضلين الواعدين. أم لكل عشاق فلسطين، فها هي تستقبل أحدهم، وهو صديق ابنها، ساعة خروجه من السجن، بالأحضان بعد أن ناداها "يما أم حسن! رفعت رأسها فرأته. قفز عن حافة الحفرة، فانتزعت جسدها من الطين، وفردت ذراعيها، أسند رأسه على كتفها، فأخذت تتأرجح مع جسده وهي تقبله، وابتعدت عنه، وعادت تقبله (قائلة) السجن لا يميت الرجال. وأخذت تتحسس منكبيه.."( ).

وهذه "أم محمود" تستقبل أحد الشباب الثوريين من أصدقاء ابنها، بعد أن خرج من السجن: "دفع الباب، وتوقف. أدار عينيه في أرجاء البيت، طلعت أم محمود من المطبخ فرأته واقفاً، بهتت، عقدت الدهشة لسانها. فتح ذراعيه وأمال رأسه وأعلن: بالأحضان أيتها الأم الطيبة. تحركت كأنها تسير نائمة، وانفجرت بالبكاء، تركته وتراجعت مبتعدة عنه، وبصوت أجش طافح بالأسى قالت: ماذا فعلو بك يا زياد؟ هز رأسه، ثم عاد وعانقها: كنت أتذكرك أكثر من أبي وأمي"( )وفي "بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر (1979) تطالعنا شخصية" سليمة الحاجة" الأم البسيطة الطيبة التي شملت بعطفها وحنانها أطفال الوطن وشبابه، من المناضلين الثوريين. فحين اعتقل ابنها إثر حوادث أيلول مع ثلة من رفاقه، بذرت شيخوختها على أعتاب الدوائر الحكومية في عمان، طالبة الإفراج عن ابنها وعن رفاقه( ). فأمومتها لم تقتصر على ابنها فقط، وإنما شملت جميع أبناء الوطن.

ونقع في الرواية نفسها على شخصية "أم محمود" التي تتجاوز بأمومتها حدود البيت والأسرة، لتشمل أولئك الذين يعملون دون كلل أو ملل، من أجل أبناء وطنهم المنفيين في مخيمات الأسى والشقاء، فإذا بهم يلوذون بأمومتها الدافقة حين تكسرهم الغربة والوحشة، وإذا بصوتها الدافئ الحنون ينزع عنهم آلامهم وتوجساتهم، كما يتجرد الموج على الشاطئ من زبده وطحالبه( ).

***

على هذا النحو كانت العلاقة بين الأم الفلسطينية وأبناء الوطن، نابضة بالحب والمودة والاحترام والصدق الإنساني. فمع الأم الفلسطينية وتحت أجنحتها الملائكية، يتحول أبناء الوطن إلى أسرة متماسكة، تنشد هدفاً سامياً هو تحرير الأرض من مغتصبيها.

هكذا حرص الروائي الفلسطيني على أن يقدم بأمانة ودقة، صورة واقعية للأم الفلسطينية الصابرة المضحية المحبة للحياة والأرض والعمل. المفعمة بالحميمية المطلقة تجاه الوطن وأبنائه الشرفاء. الوفية المخلصة للزوج، المربية الصالحة للأولاد. القادرة على القيام بشؤون أسرتها على أكمل وجه، وتحت أعتى الظروف وأشدها قسوة ومرارة. فلم يقدمها ضحية ارتضت بما انتهت إليه ولم يصورها سلبية تحافظ على المتعفن من الموروث، وتحرص على عدم الخروج عليه فتفضل الذكر على الأنثى، وتستجيب لأوامر الزوج المتعسفة ونواهيه، إلا نادراً( ).



3-الأب وابنته:

شهدت الرواية الفلسطينية انحساراً ملحوظاً لصورة الرجل التقليدي -بعكس ما رأيناه من حضور واضح لصورة المرأة التقليدية -ولا سيما "الرجل الذي يصدر عن ذهنية ماضوية متكئة على الموروث الذكري الذي صاغه (الأجداد)، وكرسوا من خلاله عبودية المرأة واستلابها وسلبيتها ودونيتها لأنها ذات عقل ناقص وجسد فاضح"( )، إذ لم تفرز الطبقة الكادحة في الرواية الفلسطينية، أمثال هذا النموذج إلا ما ندر، إذ نقع في "العشاق" على شخصية أبي حسن الرجل المزواج، السادي، الذي كان يعرّي نساءه، وينهال عليهن ضرباً، ولا يتورع عن اللجوء إلى زواج المبادلة، فيزوج ابنته من فتى في القرية، ليتزوج أخت ذلك الفتى. ولكن هذا الورم الذي حاول أن يشوه الجسد الفلسطيني الكادح، وجد من يستأصله، فيحد من تفاعله، ويثبط نشاطه. إذ ترفع "أم حسن" إحدى زوجاته، صوتها في وجهه. وتعلن تمردها على سلطته أثناء ممارسته لنزعته السادية على نسائه. فتنهال عليه ركلاً، وتمسك به من بين فخذيه، فتجبره على الطلاق، وتكسر هيبته أمام زوجاته، وبذلك استطاعت أن تكسر شوكته، وتشل قدرته على ممارسة أي نشاط عدائي سلطوي على نسائه الأخريات( ).



في حين أفرزت الطبقة البرجوازية، هذا النموذج من الآباء، الذي يقوم بدور المتسلط الظالم، فيعيق مسيرة الفتاة، ويقوض أحلامها منذ الطفولة، ويغرس فيها بذور التناقض بين ذاتها الفردية والذات الجماعية التي يباركها المجتمع ويتقبلها أفراده( ). ولعل رواية "مذكرات امرأة غير واقعية" لسحر خليفة. وهي واحدة من الروايات الفلسطينية القليلة التي اهتمت بهذا النموذج من الآباء، ولكنها أيضاً، من أبرز الروايات استيعاباً لقضية المرأة العربية التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية، وما يؤرقها ويقض مضجعها منذ الطفولة إلى ما بعد الزواج. وقد عزت الروائية كل ذلك إلى دور الأب التقليدي والمجتمع المتخلف، فحملتهما جميعاً أزمة البطلة "عفاف" وضياعها في حمى الغربة ولجتها. صحيح أن الأب لم يكن شخصية حاضرة في الرواية، إلا أننا نراه ونسمع صوته بشكل مكثف عبر ابنته عفاف، إذ تصفه بأنه متحجر القلب، متجلد القسمات، متجهم الوجه كان "يحب الكيف.. وتدريجياً كلما كبرنا تجهم وجه الوالد، وأصبح أكثر تزمتاً ورصانة، وصار ينهرنا حين نفتح الراديو بحثاً عن أغنية عاطفية، أو مقطوعة راقصة"( ).



ترصد سحر إذا، علاقة الفتاة بأبيها منذ الطفولة، في مجتمع الطبقة البرجوازية، فتصور موقف الوالد من الصداقة القائمة بين طفلته وابن الجيران. فهو رافض لمثل هذا النوع من الصداقة، وفي رفضه ذاك يعبر عن عادات متوارثة، وقيم اجتماعية متعارف عليها، قائمة على الفصل التام، والتمييز الصارخ بين الجنسين. ها هي ذي عفاف، تتحدث عن موقف والدها يوم رآها تقفز تحت المطر بمرح وسعادة مع ابن الجيران: "وفجأة ارتطمت بوجه الوالد، كان قد أقفل سيارته، وفتح مظلته السوداء، وهو يهرول نحو الدار. نظر إلي من تحت المظلة، توقفت عن الركض والضحك، وتحت نظراته، أحسست أني أقوم بعمل مشين، فبدأت أنتفض من البرد، قال باقتضاب: عفاف!"( ).

وقد تنامى هذا الإحساس لدى عفاف حين أصبحت فتاة شابة، وشعرت أنها متهمة بأنوثتها، "متهمة مسبقاً وأصلاً لانتمائها للجنس العاجز"( ). والذي فجر حبها لديها هذا الشعور، وقوف أهلها في وجه حبها البريء. "أحببت ولداً كان يقول بنفور (لست ولداً أنا رجل)، وكنت أضحك من هبله، وكنت أدعه يمسك بيدي فأحس بأني أمه وأخته وملاكه. وما أحسست أني وقحة. أو ربما وقحة من نوع آخر. نوع لا يخيفني بل يخيفهم، فقتلوني"( ). لقد قتلت حين حكم على حبها واختيارها بالموت قبل أن يرى النور. وبات عليها القبول بزواج معد سلفاً والقبول بواقع فرض عليها دون إرادة منها، فقاومته من الداخل، ولكنها أخفقت في تخطيه "فبقيت ممزقة بين العالم الذي ارتأته لنفسها، والعالم الذي فرض عليها. بين الحلم والواقع، فتقضي العمر موتاً بطيئاً. تعتمل في داخلها مشاعر الحب والحلم والحياة، دون أن تستطيع تحقيق ذاتها"( ).

وثمة مسوغات لدى الكاتبة في لجوئها إلى تعرية علاقة الأب بابنته، في الطفولة، ومرحلة الفتوة، وتصويرها لسلبية هذه العلاقة، وأثرها على طبيعة التكوين النفسي والاجتماعي والفكري للفتاة. ذلك أن من الأهداف الرئيسة التي تتوخاها الكاتبة في روايتها، كشف بعض سلبيات المجتمع التقليدي المتخلف، ونظمه الجائرة، التي تتعامل مع المرأة، بوصفها ضلعاً قاصراً. ولما كان والد عفاف، هو أحد ممثلي هذا التخلف، والمسؤول عن ضياع ابنته، كان من المنطقي أن تقف عنده الكاتبة، وهو الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة سليلة الإقطاع. التي أدانتها في مجمل رواياتها. إذ نجدها في ثنائيتها (الصبار، وعباد الشمس) تسخر منها على لسان أحد أبنائها، وهو "عادل الكرمي" الذي يميط اللثام عن عيونها، ويعري مواقفها الجوفاءء، ويكشف زيفها وتناقضاتها، وتداعياتها من الداخل( )، حين يتحدث عن والده الوجيه، الذي يصر على تزويج ابنته "نوار" من الدكتور "عزت" الذي يملك مالاً وفيراً، "ويقف الزبائن أمام عيادته كالذباب"( ). وهو يفضله على ابن أخته "أسامة" الشاب الثوري طريد العدالة والمخابرات الإسرائيلية، كما يصفه، من غير أن يأخذ في الحسبان رأي ابنته، ومن تريد.

***

وعلى العكس، من ذلك، نجد الروائي الفلسطيني يعلي من شأن الطبقة الكادحة، التي يعول عليها الكثير من الآمال في مسيرة الكفاح والتحرير. فعشاق "رشاد أبو شاور" ينتمون جميعاً إليها، وهم لذلك يؤمنون بالحب، ويدعون إليه، الحب بمفهومه الإنساني والوطني، الذي يجعل الإنسان جديراً بإنسانيته. لذلك، لا عجب أن نرى أبا خليل، والد "ندى" ذلك القروي البسيط، يكن لابنته المتعلمة والمعلمة، كل الحب والاحترام والتقدير. فلا يجبرها على الزواج ممن لا ترغب فيه، ولو كان ابن عمها. فحين يعرض حبيبها محمود عليها الزواج، ترجوه أن يؤجل طلبة حتى انقضاء عام على وفاة أمها، احتراماً لذكراها، ورأفة بوالدها، وتطمئنه بأنها ستكون صاحبة الرأي الأول والأخير في اختيار شريك حياتها. وتقول له ممازحة: "ربما يطلب أحدهم الزواج مني.. عندئذ أرفض. (يسألها) ووالدك؟ (تجيب): والدي يحبني ويحترمني، ولذا لن يفرض علي الزواج من أحدهم"( )وهكذا تبدو الطريق مفتوحة أمام محمود لخطبة "ندى" فحين يتقدم من والدها طالباً يدها يجيبه: "أنا موافق، ولكن يبقى الرأي لها، أليس كذلك؟"( ).

لقد استطاع كل من رشاد أبي شاور، وسحر خليفة، أن يصورا جانباً هاماً من العلاقة التي تربط الفتاة بأبيها، وما يميز تلك العلاقة. فكان هناك جوانب إيجابية وأخرى سلبية. أفرزتها طبيعة المجتمع، والطبقة التي ينتمي إليها كلا الأبوين. فوجدنا أن سليل الطبقة البرجوازية يتعامل مع ابنته في إطار مصالحه الشخصية، وفي ظل علاقات تقليدية بالية. فيبعدها عمن تحب، ويكرهها على الزواج ممن لا ترغب فيه ولا تجده كفواً لها. في حين يتعامل الأب الكادح البسيط مع ابنته بأسلوب أكثر مرونة وانفتاحاً، وأصدق تعبيراً على ثقته وحبه واحترامه لابنته، ولرأيها في اختيار شريك حياتها وبناء مستقبلها، ولذا فهو يبارك علاقتها البريئة، ويدعمها، ويشجعها على الزواج من الشاب الذي ترتضيه لنفسها، ويناسبها اجتماعياً وخلقياً وفكرياً. حتى إذا ما غاب الوالد عن الحياة، لم يتحول غيابه إلى محض ذكرى أليمة في ذاكرة الابن أو البنت وحسب، بل إلى حافز للأولاد على مواصلة الكفاح من أجل التحرير(*) .. وبمعنى آخر: ليس الأب المنحدر من الطبقة الكادحة "صنماً اجتماعياً بل قدوة يستلهم منها الابن كل إقدامه وشجاعته على التضحية"( ).



4-العلاقة بين الإخوة والأخوات:

وإذا ما رصدت الرواية الفلسطينية علاقات الأباء والأمهات بالأبناء والبنات، فإنها لم تهمل علاقة الاخوة والأخوات فيما بينهم. وقد شهدت هذه العلاقة تبايناً وتنوعاً، تبعاً لطبيعة المرحلة التي يتناولها الكاتب وطبيعة رؤيته، وكذلك تبعاً لطبيعة الشخصية ومستواها الفكري والاجتماعي.



ففي زمن النكبة وما بعدها، ولد جيل من الشباب الفلسطيني المفجوع، الذي اكتوى بنار النكبة، وتجرع مرارة البؤس، ولكنه لم يستكن لواقعه. فجاءت "ما تبقى لكم" عام (1966) لتعبر عن هذا الجيل الذي يمثله الأخوان مريم وحامد، اللذان ولدا في يافا. وقبل النكبة بأيام قليلة قتل والدهما، وحين أرادت الأسرة النزوح إلى غزة، حدث أن تأخرت الأم عن اللحاق بولديها، فأصبح حامد وأخته، التي تكبره بأعوام، في غزة، ولم يعرفا ما مصير أمهما، إلا بعد مرور أعوام، حين عرفا، من خلال المذياع، أنها في الأردن عند شقيقها. وكانت مريم آنذاك تعيش مع أخيها تجربة الشتات المرة، والحرمان من الأم، بعد أن توفيت الخالة، وبقيت تكابد معاناة البؤس والقلق والانتظار الممض، انتظار الأم والزوج، وقد بلغت من العمر الخامسة والثلاثين، أما حامد الذي بلغ الخامسة والعشرين، فقد أصبح مدرساً في المخيم. وعلى حين أخذت مريم تحصي ما انقضى من عمرها، من الساعات والأيام والسنين المهدورة في لجة الانتظار المر، وهي تقوم بدور الأم بالنسبة لحامد. نجد حامداً، قد بات رجل البيت المحرم: "لقد كان دائماً رجلاً رائعاً.. ولكنه لم يكن أبداً إلا أخي. ومرور الزمن لم يكن يعني لديه شيئاً، فيما كان بالنسبة لي موتاً يعلن عن نفسه كل يوم مرتين على الأقل. بالنسبة له كنت أتحول كل يوم إلى مجرد أم، وكان يتحول كل يوم بالنسبة لي إلى رجل محرم، ولم يدرك قط طوال عمره أن لحظة ارتطام واحدة مع رجل حقيقي ستودي بنا معا. وأيضاً بعالمنا الجميل الصغير التافه الذي أجبرنا أنفسنا على اختياره. عالم تافه غير مستعد لقبول عانس أخرى.."( ).



وتجتمع مريم مصادفة مع زكريا (النتن)، وهي بصحبة أخيها (حامد)، وكانا زميلين يجمعهما العمل في مدرسة المخيم، فيعجب زكريا بجمال مريم، وتناسق جسدها، ويحاول اصطيادها، بعد أن أدرك نقطة ضعفها الكامنة في حاجتها إلى رجل، قبل أن يفوتها قطار العمر. وتقع مريم فريسة سهلة في شباك زكريا، وتحمل سفاحاً، فيضطر حامد للموافقة على زواجها مكرهاً، بعد أن اعترفت له بعلاقتها مع زكريا. ويهرب "حامد" بعيد العرس من البيت، متجهاً من غزة إلى الأردن عبر الصحراء، باحثاً عن أمه، رمز الطهر والأمان والخلاص من دنس الحاضر.



وينطلق حامد متجهاً إلى الأردن، مخترقاً صحراء موحشة، من غير خوف أو تردد يدفعه شعور بالغضب والحزن والضيق، وكانت مريم الملوثة بدنس السقوط بقرب زوجها، تحصي خطوات حامد على دقات الساعة خطوة خطوة، وقد فارقها النوم، وسيطر عليها الخوف والترقب.. حتى باتت تشعر بالانشطار بين زوج كريه يطالبها بالإجهاض، هرباً من تحمل المزيد من الأعباء، وحرصاً على جسدها من الترهل، وأخ هارب يضرب في مجاهل الصحراء. بين ماض حزين يحمل معه الألم والمرارة، وحاضر بائس تعيس( ).

وهكذا فقد استحوذ حامد على تفكير أخته، ومشاعرها، ولم يبرح وجدانها لحظة واحدة. فقد عاشت معه، وله طوال تلك السنين التي أعقبت النكبة. ربتة صغيرا، وشهدت تفتحه ونضوجه، وكابدت معه الحزن والألم والانتظار. كان بالنسبة إليها الأخ والابن والصديق. أما هو فقد كانت بالنسبة إليه الأخت الطيبة الوفية التي تستحق منه التضحية والإخلاص، كما "كانت بمثابة أم له، ولكنها حين تزوجت بات على حامد أن يرتد باحثاً عن أمه الضائعة. غير أنها هي الأخرى يحتمل أن تكون قد تزوجت فما العمل؟ الالتجاء إلى الأرض كحل للإشكال، ولكن الأرض مدنسة بالاحتلال هي الأخرى. فكان لا بد لحامد من مواجهة عالم كله دنس، وأن يرتطم بهذا العالم بصورة فاجعة"( ) فكان التوجه نحو الأرض هو الحل المنطقي لأزمته.



وبما أن الأرض ملوثة أيضاً، كان لا بد له من حمل السلاح (السكين) أخيراً كحل وحيد للمشكلة. وهذا ما حصل فعلاً. إذ اجتاز حدود الأرض المحتلة في الليل، وواجه أحد الجنود الصهاينة في الصحراء، واستطاع أن يأسره. وفي الوقت نفسه، كانت مريم في بيت الزوجية في غزة، تعيش حالة من القلق والضياع بجانب زكريا النتن، ويساورها شعور بالخوف على حامد تقول: "واجتاحتني رعشة مفاجئة، فأخذت أنتفض، لقد حدث شيء ما له، في هذه اللحظة بالذات.. سيقول عني مجنونة لو أيقظته (تعني زوجها) وقلت له: "حدث شيء لحامد هذه اللحظة". لقد أحسست ذلك في أعماقي. وفي اللحظة ذاتها دفعني الفراش، فقمت وتحسست طريقي إلى المطبخ.. شربت فقط لأقوم بعمل أي شيء.. وهناك تحرك (الجنين) مرة أخرى. تلك الحركة الصغيرة الغاضبة، العابرة ولكن التي لا تنسى، فتوقفت متكئة على الباب، وسميته حامداً، وأخذت أبكي.."( ).

وفي اللحظة التي يشهر فيها حامد سكينه اللامعة في وجه عدوه الصهيوني، ينشب بين مريم وزكريا شجار يكون النقطة الفاصلة بين الحياة والموت. يقول زكريا لمريم شاتماً، ناكراً عليها حقها في الأمومة: "هل حسبت أنني تزوجتك لتنجبي لي ولداً أيتها العاهرة؟.. إذا لم تستطيعي إسقاط ذلك.. الصغير فأنت طالقة.. هل تسمعين؟"( ) وتعلق مريم: "وانسد حلقي فجأة، فخيم صمت ثقيل مشحون بانتظار مر.. وفي اللحظة التالية جذبني إليه، ثم دفعني إلى الجدار، وقبل أن يستدير ارتطمت بالحائط، ولمعت أمامي بنصلها الطويل المتوقد فوق الطاولة، فردني الجدار إليها كأنني لعبة مطاط واحتوتها قبضتاي معاً.. واندفعنا مرة واحدة. ونحن ننظر في عيني بعضنا مباشرة، كان النصل مندفعاً من بين كفيّ المحكمتين الإغلاق وأحسست به حين ارتطمنا يغوص فيه"( ).



وهكذا، تقتل مريم زكريا رمز الخيانة، وتتخلص مما لحق بها من ذل وعجز، على حين يواجه حامد الجندي الصهيوني فيجرده من سلاحه، متحيناً الفرصة المناسبة لقتله، فيسجل الأخوان بذلك، انتصاراً على نفسيهما وحياتهما الذليلة في وقت واحد. وفي لحظة مصيرية واحدة.

*

ونقع على نوع آخر من العلاقة بين الأخت وأخيها في "أيام الحب والموت" (1973) لرشاد أبي شاور. وهي علاقة قد تتعدى إطار الاخوة لتصل إلى حدود التقديس.

تعالج الرواية "الماضي الفلسطيني قبل وأثناء 1948 حيث توزع هذا الماضي بين أيام للحب قليلة وأخرى للموت كثيرة. كان الحب متمثلاً في تلك العلاقة الحميمة القائمة بين المواطن وترابه، وتلك اللحظات الإنسانية المليئة بالود والحنان البريئين بين أفراده. أما الموت فقد جاء مع الهجمة الشرسة التي قادها الإنكليز متواطئين مع الحركة الصهيونية إعداد للبلاد وطناً قومياً لليهود على حساب أهلها وترابهم القومي"( ).



يبدأ أبو شاور الحديث عن الأخوين بقوله: "كان لمحمد أبو عمران أخت اسمها حلوة، وكانت البنت مثل النقطة في المصحف. لها وجه كما البدر، وعينان دعجاوان، وقامة مثل النخلة، وصدر ممتلئ فائر، وكانت حلوة في حوالي العشرين، تصغر شقيقها بخمسة أعوام"( ). وكانت تتمتع بشخصية قوية ومؤثرة، ونظرات قاسية، وعزيمة لا تلين.. لقد أطارت بجمالها "لب أكثر من رجل، وتقدم لخطبتها أكثر من رجل، لكنها كانت ترفض قبل أن يتزوج شقيقها، وتجد رجلاً- قد حاله- توافق على أن تكون له زوجة، وكان الشيخ هاجم يلاحق حلوة بنظراته، لكنها ما كانت تعيره انتباهاً. وكانت نظراتها القاسية تنغرس في وجهه وعينيه، فتجمّده وتجعله يرتبك، ويلوي رأسه، وهو يتأوه ويداعب شاربيه.. متفكراً"( ). وحين يقف محمد أبو عمران "أخو حلوة" محرضاً الرجال على الثورة ضد طغيان هاجم ورجاله.. تؤازره حلوة في اليوم التالي، وتستثير عزيمة رجال القرية ونخوتهم. فبعد أن حضر هاجم ورجاله "اقتربت حلوة منه، حددت نظراتها في عينيه، فابتسم لها، لكن وجهها كان يقطر سماً، أطلقت صرخة هائلة، جعلت هاجم يجفل، وبدنه يرتعد: وين الرجال.. باطل، نسوان أنتو وإلا رجال... رفعت ثوبها عن فخذيها الناصعتين.. صرخت: باطل يا رجال.. اركضو راحت، عرضكو راح.. انقض محمد أبو عمران صارخاً كما الرعد: أنا أخوكي يا حلوة.. وغرس خنجره في صدر هاجم، وانقضّ الرجال على جماعة (هاجم) بالخناجر والعصي والفؤوس، وسال الدم، وتطايرت الرؤوس.. ودارت المعركة حتى انتصف النهار.. ويحكى أن حلوة حملت شقيقها الجريح على ظهرها حتى وصلت إلى قريتهم "ذكرين" وما إن وصلت حتى كان الرجل قد فارق الحياة، فحفرت له قبراً ودفنته في أرضهم قبل أن تحضر جماعة هاجم، ويأخذوا الجثة ويمثلوا بها"( ).



وأقامت حلوة فيما بعد مقاماً حول القبر، كأنه مسجد، ولكن بدون مئذنة،... ولما كبرت، ووخط الشيب رأسها، وصارت ملامحها وقورة، تقدم لخطبتها سلمان عارضاً الزواج عليها أمام أهل القرية، وكان صديق شقيقها، عندها "أجالت حلوة نظراتها في الرجال الواقفين حولها، وظلت ساكتة برهة من الوقت، ثم قالت: أقبلك يا سلمان أنت صاحب أخوي، ورجل بتحب الأرض والناس، وشهم.."( ).

هنا تتجاوز علاقة الأخت بأخيها حدود النسب، ورابطة الدم، حدود العلاقة العادية، والصلة الاجتماعية التي تجمع الأهل، عادة، تحت سقف واحد، وحول مائدة واحدة، فلم تعد محض علاقة اجتماعية وعرض وثأر وكرامة، بل أصبحت رمزاً للوفاء للأرض والوطن من جهة، وإدانة صارخة للعمالة والخيانة من جهة أخرى. أصبحت علاقة الأخت بأخيها علاقة قريبة من الرمز وقيمته، حين تلتحم بالأرض وتتوحد بها، وتتشبع بعبيرها، وتغوص في ترابها، لتزرع فيها بذور البطولة والتضحية والفداء. فمقام الشهيد أصبح نبراساً، ودليل هداية، وعلامة مضيئة لكلّ الأبطال الحقيقيين الذين يريدون العبور نحو فلسطين، نحو أرض حرّة من كل أشكال الإرهاب.

*

وإذا كانت "أيام الحب والموت" قد وضعت علاقة الأخت بأخيها في إطار شبه رومانتيكي، مثقل بـ "نفس تراثي مؤثر، يتجلى بعضه في تقاليد الفروسية العربية.. حين تستنهض المرأة همم الرجال لأن يثوروا لكرامة أعراضهم"( ) فإن رواية "العشاق" قدمت العلاقة الأخوية في مستويات متعددة، فهناك العلاقة العادية، الخاضعة لمنظومة القيم والتقاليد الاجتماعية، وتمثلها علاقة أم محمود بأخيها المختار. فأم محمود، أرملة الشهيد، مضطرة للخضوع للقيم وللأعراف الاجتماعية، وما تفرضه عليها بشدة، فهي تدرك أن أخاها المختار على صلة باليهود، وبأجهزة الشرطة وبالمخابرات، وأنه المسبب في حبس ابنها "محمود" لكنها تتظاهر أمام الناس بغير ما يعتمل في صدرها، فترحب بالعميل المتواطئ على الرغم من احتقارها له ضمنياً( ). فابنها محمود "يعرف أن أمه لا تمحض خاله (المختار) احترامها. لكنها تتظاهر أمام الناس. إذ لا يجوز أن تحتقر المرأة أهلها"( ).



وعلى الخلاف من ذلك، نجد علاقة "أم حسن" بأخيها أبي نعمان، تتجاوز حدود العلاقة الأخوية العادية، الخاضعة لأطر العادات والتقاليد، لتصبح علاقة أمومة وأبوة وبنوة وصداقة، وحب للأرض والوطن، يقول حسن:"لم يكن خالي أبو نعمان مجرد أخ لها، كان صديقها وشقيقها ووالدها وابنها"( ). والذي عمق صلتها به، وعلاقتها معه إلى درجة الانصهار والالتحام، هو حسه الوطني الرفيع، ومواقفه الشجاعة الصلبة، ورفضه الخنوع والخذلان والتواطؤ. فحين كان يعمل في حراسة مخازن توزيع المؤن في وكالة الغوث، رفض مراراً السماح لمدير المخيم ومساعده بنقل المسروقات، كانوا يعطونه إجازة، ليتخلصوا منه فيعود في الليل "ويظل يدور حول المستودعات (ويقول) أنا حارس.. آكل خبزي من حراسة حقوق الناس، ولن أسمح بالسرقة حتى لو طردت، ألا يشبعون؟ إنهم يحصلون على رواتب عالية، ومع ذلك يلاحقون اللاجئين على حفنة الطحين، وقطعة الصابون، ولحسة السكر"( ). وعندما فاض الكيل بلصوص المخيم من أبي نعمان ومواقفه النزيهة، اعتدوا عليه غدراً، وشجوا رأسه، محاولين قتله، ومع ذلك لم يستسلم لهم. حتى إذا ما اشتعلت الحرب كان أبو نعمان، مؤذن المسجد، وحارس مؤن الجياع، أول الرافضين للهجرة، بقي في قريته إلى أن جندلته رصاصة الغدر الصهيوني، وهو يؤذن في الجامع، فإذا بأخته وشقيقة روحه، وصديقته وشريكته في الخلق والاستقامة والنزاهة والشجاعة والحس الوطني الحي.. تتحدى الحزن الذي استوطن كيانها، وتعلو على آلام الفقد، وتستوعب بشجاعة نادرة حقيقة الظرف الذي تعيشه، ورهبة الموقف الذي هي بصدده، فتنخرط مع ابنها وصديقه، بصبر وشجاعة، في حفر قبر أخيها الشهيد، وتعاونهما في تسجية جثمانه في الحفرة، وإغلاقها، وإهالة الطين والتراب والحجارة عليها، ووضع الشاهدة التي لا تحمل اسماً، وتلاوة الفاتحة بأسى وحزن ولوعة، تدفعها إرادة قوية على الاستمرار والمضي قدماً في طريق الكفاح.. وإذا بها بعد أن خلفت المقبرة وراءها تتأهب لإعداد الشاي لأحبائها المناضلين، برأس معصوبة، وعينين محمرتين أقسمتا على نيل الثأر، ونجد "حسن" امتداداً لأمه في مناهضة الظلم والقهر، وفي علاقته مع أخته "حسنية" وموقفه منها، ومؤازرته لها، ووقوفه إلى جانبها، حين يستدعي الأمر.. فنراه رافضاً لتصرفات أبيه المزواج، ولبعض العادات والتقاليد البالية، المتمثلة في زواج المبادلة، وما يترتب عليه من سلبيات، وإجحاف بحق المرأة. فيقف موقفاً إيجابياً من أخته التي زوّجها والدها لفتى من القرية، وتزوج أخت ذلك الفتى. فحين طلب منه إجبار أخته على مغادرة بيت زوجها، لأن زوجته هجرته، وفضحته أمام ذوي أمرها، يرفض قائلاً له: "أختي ليست خرقة، إنها تحب زوجها، وهو شاب، أما أنت، فمقصّر في حق زوجتك"( )

*

ومع امتداد الزمن، وتطور الحياة، وتفتح الوعي، تأخذ العلاقة الأخوية طابعاً أكثر ديمقراطية وتحرراً. ففي ثنائية الصبار وعباد الشمس (1976-1980)، تتابع الكاتبة سحر خليفة، التطورات الطارئة على البنية الاجتماعية والاقتصادية في الضفة الغربية، وما واكب ذلك من تطور في بعض المفاهيم الاجتماعية و"المواقف الفكرية السياسية للجيل الجديد، الذي ملك وعيه في ظل القهر الإسرائيلي.. (الذي) أصاب النظام الاجتماعي الفلسطيني التقليدي بهزة عنيفة، وإن لم تكن مدركة بوضوح"( ). وخير مثال على ذلك ما آلت إليه الطبقة البرجوازية، سليلة الإقطاع، من تهتك وانهيار وجمود وعزلة، متمثلة بأبي عادل الكرمي الذي يعيش بفضل (الكلية الصناعية) ويحيا على أمجاد الماضي. إنه "بقية البرجوازية الفلسطينية التي تتشبث بموقعها غير متنبهة للزمن الذي تغير ونبذها، والكاتبة تصورها مكروهة حتى من ورثتها الطبيعيين، لا لأنها ضد الفطرة، وإنما لأنها ضد الواقع المتغير"( ). يصف عادل الكرمي دار العائلة بقوله "هذه الدار الهرمة لا تنتج إلا المرض والجبن"( ). و(يضمر الابن الأصغر "باسل".. الكراهية والتحدي لهذا الأب، ولكل صور الخنوع والعجز. أما نوار فتصف مؤتمرات أبيها الصحفية بأنه "يتسلى")( ) وتصف دارها بأنها "لا تجاري روح العصر"( ).

هذا التطور الذي طرأ على المفاهيم الاجتماعية في الأرض المحتلة، يتجلى بصورة واضحة حين يحاول "أبو عادل" ممارسة سلطته ليفرض الزواج على ابنته "نوار" من الدكتور عزت، فيتصدى له كل من عادل وباسل، ويقفان إلى جانب أختهما، داعمين موقفها، فيقول عادل لأبيه: "دع الفتاة تدافع عن حقها في الحياة، دعها تتعلم كيف تجابه الأمور بحزم"( ) ثم يردف معبّراً عن احترامه لأخته- وللمرأة- ولرأيها واختيارها "أرجو أن تدافع الفتاة عن كرامتها، وإذا لم تفعل فهي لا تستحق الكرامة، ولتدخل عالم الحريم غير مأسوف عليها"( ). ويقف "باسل" الشاب الثوري الذي عرف طريقه، فانضم إلى صفوف المقاومة داخل الأرض المحتلة، موقفاً أكثر جرأة وثورية، حين يبارك العلاقة العاطفية القائمة بين أخته "نوار" وصديقه صالح. يقول لها: "أتظنين أني لا أعرف قصتكما، الجميع يعرفون، فكيف لا أعرف أنا؟ ولا تنسي بأنه لا أسرار في مدينتنا.. طأطأت ولم تعلق.. قال مشجعاً: صالح رجل لا كأي رجل، وهو جدير بكل التضحيات، ولكن هل ستواظبي على الكتابة إليه، وزيارته بالرغم من كل الاحتمالات"( ) إنه يتفهم بوعي الإنسان الثوري المثقف، طبيعة العلاقة التي تربط أخته نوار بصديقه "صالح"، فيشجعها برحابة صدر، ويعبر عن ثقته بهما، ويحثها على مصارحة والدها، والتشبث برأيها والدفاع عن اختيارها مهما كانت النتائج. وها هو ذا يحاول استفزازها بعد ما رأى من خنوعها وضعفها ما دفعه إلى إعلان الحقيقة أمام والده بكل جرأة وتحد: "وفجأة بدون مقدمات سمع نفسه يقول بصوت تقريري كمن يقرأ نشرة أخبار: نوار الكرمي تحب صالح الصفدي. لكنها لا تعترف بهذا. وقد وعدته بانتظاره طوال مدة سجنه، هذا إذا استمر الاحتلال، أما إذا لم يستمر فستتزوجه بالرغم من كل واحد فيكم، وبالرغم من والدها قبل الجميع.. نوار الكرمي تحب صالح الصفدي ولا ترغب في الزواج من أي رجل آخر، ولكنها جبانة، أجبن من أن تواجه الآخرين بذلك.. وواصل.. بنفس اللهجة التقريرية: نوار الكرمي تحب صالح الصفدي وتكتب له الرسائل.. وتزوره في السجن.. ولن تتزوج من أي رجل سواه.. ولا أعرف كيف يحب أي مناضل فتاة مائعة كنوار الكرمي. وصاحت نوار وهي تهب واقفة: بلى سأتزوج منه. أنا لن أتزوج إلا من صالح حتى ولو انتظرته مئة سنة"( ).



***

هكذا "تؤدي ثورة الأهلين في الأرض المحتلة إلى تثوير العلاقات الاجتماعية"( ) و"هكذا كان على الرجل الثوري حقاً إما أن يعيش موقفه الثوري بمصداقية، بما في ذلك موقفه من المرأة، وإما أن يعلن انسحابه من المعركة ككل، الأمر الذي يعتبر بدون شك خزياً وطنياً واجتماعياً"( ).

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول: إن الروائي الفلسطيني برع في تقديم صورة مشرقة معافاة وصحيحة للعلاقة الأخوية التي تسودها روح المحبة والاحترام، وتنتفي منها كل معاني السطوة والظلم والقهر والتبعية والكبت والذل.



فبدت الفتاة، هنا، كأخيها، إنسانة حرة واعية نقية عفيفة محبة للأرض والوطن، وفية للأسرة، تمارس حقها المشروع في التعبير عن رأيها اتجاه القضايا التي تهمها، تستنهض الهمم، وتثير الحمية، وتستعمل السلاح حين يتطلب الموقف الوطني ذلك، فإذا ما بدرت منها ذلة أو سقطة، سارع أخوها إلى إنقاذها وتوعيتها والأخذ بيدها، بأسلوب مفعم بعبق الأخوة الحقيقية النقية الأصيلة.



5-العلاقة بين الأزواج:

يستطيع دارس الرواية الفلسطينية أن يميز نوعين من العلاقة الزوجية: النوع الأول، يتسم بالمودة، والرحمة والألفة والانسجام. أما النوع الثاني، فيتسم بالقلق والتنافر والجفاء، وفيما يلي سنفصل الحديث عن هذين النوعين، كل على حدة.



أ-علاقات مودة (حضوراً وغياباً):

يرى الباحث في الرواية الفلسطينية أن المساحة التي شغلتها العلاقات بين الأزواج، لم تكن كبيرة قياساً إلى المساحة التي شغلتها علاقة الأم بالأولاد. والسبب في ذلك يعود إلى أن الأسرة الفلسطينية، منذ ما قبل النكبة وما بعدها، لم يقدر لها أن تعيش بسلام، فالانتداب البريطاني، ومن ثم الاستيطان الصهيوني، وما جر ذلك من ويلات وفجائع، حتّما على الأزواج أو رجال فلسطين الحقيقيين، حمل السلاح للدفاع عن حياتهم وأرضهم وشعبهم( ). فكان أن استشهد الكثيرون مخلفين وراءهم ثكالى ويتامى، مما حتم على الأم الفلسطينية القيام بواجب إضافي هو الأبوة( ).



فسلمان عباس في "العشاق" يدرك أن لا مستقبل له إلا على أرضه، لذلك يقرر الجهاد، ويسقط مع كثير من المجاهدين في صدام مع الرجعية العربية، وقوات الاحتلال الإنكليزي والصهيوني، فيقتل على الحدود عام 1955، ويترك خلفه زوجة وأطفالاً صغاراً بلا معين، بلا مال أو بيت أو أمان، ولكن الزوجة تصبر وتصمد، وتنذر نفسها لولديها، دون أن تتزوج، فتستطيع أن تربيهما خير تربية إلى أن أصبحا شابين واعدين. فموت الزوج مبكراً إذا، لم يدع مجالاً للوقوف بشكل مفصل على العلاقة القائمة بينه وبين زوجته، إلا من خلال تداعي ذكريات ابنهما محمود، ومن خلال هذا التداعي، نستطيع رسم صورة مشرقة لهذه العلاقة الدافئة، التي يغمرها الحب والتفاهم والتضحية والإيثار والإخلاص والاحترام والوفاء.( ).

*

ونقع على مثل هذا الغياب للزوج في "أيام الحب والموت" إذ يستشهد عبد الله الشتايرة على يد البريطانيين، بمساعدة عملائهم المحليين الممثلين في الإقطاعي "داهم العواونة" ويستشهد محمد المرابع، وعبد الله سلمان (الفلاح) على يد اليهود بمساعدة البريطانيين. وفي الحالتين تتم الشهادة دفاعاً عن الأرض. مخلفين وراءهم زوجات وأبناء، يحاولون هم أيضاً حمل شعلة الكفاح، ومواصلة طريق النضال.

*

وفي "الصورة الأخيرة من الألبوم" يرتسم أمامنا شكل آخر من أشكال الموت الفاجع، فعندما صادرت سلطة الاحتلال الصهيوني القطعة الخصبة من أرض والد أمير "تحول والده من مزارع صغير إلى عامل بناء، كانت هذه الصنعة جديدة عليه، لذلك لم يسيطر جيداً على توازنه فوق السقالة المعلقة على جدار الطابق الرابع في نتانيا.. وهبة الريح الشتائية تلك كانت كافية للتطويح به من أعلى السقالة ليهوي على أرجوحة الأطفال المنصوبة حديثاً في حديقة البناية الجديدة.. شطرته الأرجوحة المعدنية شطرين... ابتلعت الريح الشتائية صرخة رعبه المنفجرة في الفضاء كعبوة ناسفة، وابتلع التراب الباقي من جثته الممزقة..."( ) غير أن المأساة التي حلت بالأسرة، لم تثن الأم وأبناءها عن التشبث بالحياة، والعمل البناء، بعزيمة وطيدة.

*

ونلتقي في "البكاء على صدر الحبيب" بأرملتين أخريين، هما أم زياد، وأم غالي، ونتعرف على استشهاد زوجيهما من خلال ذكريات أبنائهما. يقول زياد: "كنت في السادسة، أذكره جيداً، كان يرتدي بذلة كالتي يرتديها الجنود، أذكر أنها كانت خشنة مثل لحيته التي لم يكن يحلقها في تلك الفترة، حملني بين يديه، وقبلني في جبييني، ثم في خدي، ضغطني إلى صدره، وقال لي: وفي عينيه حزن يمتزج بالفرح، كن شاطراً.. ثم أنزلني من بين يديه، ولصق جسده بجسد أمي، كانت أمي تتشبث به، تريد أن تصير عضواً في بدنه، لكنه أبعدها عنه. إني لأذكر جيداً. قال لها بلهجة آمرة فيها رجاء: ديري بالك عليه.. ورحلنا... وظل والدي هناك، أخبرونا فيما بعد أنه.. مات مع الرجال"( ). أما غالي فيعرفنا على موت والده من خلال مخاطبته لصورته: "كنت تذهب وتعود، ومعك نقود وملابس لي ولأمي، ثم رحت ولم ترجع، وجاء من يقول لأمي: البقية في حياتك. أنت تعرفين أنه كان يعمل مع مجموعات الاستطلاع، لقد استشهد."( ).

***

فغياب الأزواج إذاً، ظاهرة لافتة للنظر في الرواية الفلسطينية، وليس من الضروري أن يكون هذا الغياب ناتجاً عن الموت الطبيعي أو الاستشهاد، فقد يكون الزوج حاضراً غائباً في الوقت نفسه، نتيجة لظروف اجتماعية تعانيها الأسرة في ظل ظروف سياسية معينة، فزوج أم سعد في رواية "أم سعد" حاضر أشبه بالغائب، بل لعل غيابه يمثل راحة لزوجه التي عانت من جفائه وسوء خلقه، الشيء الكثير. فعالم الهزيمة يشد عليه الخناق ويحكم الوثاق، أما الفقر وبطاقة الإعاشة فيزيدانه رهقاً. وأم سعد تعي كل ذلك، ولهذا تصبر وتتحمل، إلى أن تأتي البنادق إلى المخيم، وقتها فقط، تنهار العلاقات القديمة بكل قبحها وقسوتها، لتصنع الثورة علاقات من نوع آخر، أكثر دفئاً وحميمية ونضجاً.

*

وفي "سداسية الأيام الستة" وتحديداً في اللوحة الثالثة، نقع على شكل آخر من أشكال الغياب وفرقة الأزواج، فعلى حين أصرت أم الروبابيكا على البقاء مع والدتها المقعدة زمن النكبة، نجد زوجها قد نزح مع أولادهما في سفر الخروج الأول، وحين توفيت والدتها بعد خمس سنين من ذلك، رفض الزوج التعرف على زوجه، وأعلن عدم رغبته في عودتها إليه، أما هي فأظهرت عدم رغبتها في الهجرة من بيتها.. وظلت طوال "عشرين سنة في دارها، في حي وادي النسناس بحيفا.. مؤكدة انتماءها للوطن، تماماً، كما أكدت ولاءها للأبناء وللماضي- تاريخاً وتراثاً- حيث راحت تجمع المخلفات، وتبيع كل شيء، وتبقي على الكنوز"( ).

وبعد الخامس من حزيران، تلتقي أم الروبابيكا بزوجها وابنها اللذين عادا ليمارسا جميعاً طقس العشق الحقيقي، عشق الأرض والوطن. وتتباحث مع زوجها فيما تستطيع أن تقدمه من مساعدة لإطلاق سراح ابنهما المعتقل، وهو طبيب شاب متحمس، اتهم بتوزيع المنشورات في القدس القديمة. ولا تخفي "أم الروبابيكا" إعجابها بزوجها، وحبها له، إذ استطاع تربية ابنهما خير تربية، إلى أن أصبح طبيباً وثائراً( ). ضاربة الصفح عن الماضي وأخطائه، متجهة نحو آفاق جديدة، وهي تنشد معهما تحقيق الذات، وتأكيد الهوية، وتحرير الأرض.

*

وبرشاقة وعذوبة عميقتين، وببساطة محببة وإعجاب كبير، يحكي "يحيى يخلف" في "نشيد الحياة" (1985) عن الأزواج الطيبين المخلصين، سواء منهم من كان غائباً أو كان حاضراً، فأبو كامل يتزوج "زليخة" ثم يهجرها سنوات طويلة لا تدري عددها، ويبيض شعرها، دون أن تدري أين ذهب ولماذا وكيف؟ "في البداية حقدت عليه. كرهته. تمنت له الموت البشع. لكن مع مرور الأيام، بدأت تشفق عليه، بدأت تحزن. صارت تتمنى عودته سالماً.. اعتقدت طويلاً أنه سيأتي ذات يوم تسبقه عكازه.."( ) وعدت أولاد الحارة بالحلاوة، لوهم بشّروها بعودته. كبر الأولاد وأصبحوا شباباً ولم يعد، غاب مع من غاب من الأهل والأحباب ومهج القلب( ).



إن حالة (الانتظار والأمل في أن تحدث معجزة، ويأتي مع الأيام الشيء العزيز الذي طال انتظاره، يشكّل نغمة رئيسية في "نشيد الحياة")( ). ولكن أبطال هذه الرواية لا يستسلمون للحلم والانتظار، إنهم يعيشونه، ويمارسون، في الوقت نفسه، دورهم الفاعل على أكثر من صعيد. فزليخة تعيش أقسى حالات الانتظار، ها هي تنام بعد أن هدها التعب والنعاس، لترى في منامها زوجها.. أبا كامل "جاء بعد غياب طويل يسبقه صوت عكازه. دق الباب ففتحت له. دخل مهيباً رزيناً، واسع الصدر.. مد إليها يده، فتناولت اليد، وانحنت لتقبيلها. سحب يده، ومسح بيده الأخرى على رأسها فبكت. وجثت على ركبتيها، جلس لكي يخلع الحذاء، ثم قال لها.. سئمت الغربة والتجوال، تعبت من الرحيل المتواصل، وقررت العودة إليك يا زليخة. قررت أن أعود، وأقبل شعرك الأشيب، وأقضي بقية عمري رهن إشارتك، قررت أن أطلب منك الصفح والمغفرة، لقد تحملت الكثير، وأنت تنتظرين عودتي أيتها المباركة، فليغفر الله لي، لأنني هجرتك طوال هذه المدة.. واستيقظت فجأة.. على صوت الريح.. على الخواء والفراغ واليأس، تبدد الحلم.. وانخرطت في بكاء علني، لماذا ذهب سريعاً. لماذا لم ينتظر حتى تقول له، إنها بكت حتى لم يبق في عينيها دموع"( ).



لكن الزوجة تستطيع بقوتها، وإيمانها وصبرها، أن تخلق توازناً مع الحياة، فهي تعيش الأمل، وتمارس العمل. تربي دجاجاتها الثلاث، وكأنهن بناتها. تطلي حيطان منزلها "بالشيد" الأبيض، ليبدو جميلاً ناصعاً. تشارك في مراسم تغسيل رجل مجهول الهوية، قتل أثناء عملية قنص، ولا تتردد في المشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير، مع بضعة رجال آخرين. تهتم بمنزلها، وتزرع في ساحته النعنع والعطرة، وشجيرات الورد، معبرة عن حبها للحياة والجمال والناس، تماماً كحبها لزوجها وإخلاصها له وحنينها إليه.

مثل هذا الحب والإخلاص، والحنين للأزواج، نقع عليه في جنبات الرواية كلها، فالشايب الرجل الذي لا ينام. لا تفتأ تمر بخاطره ذكرى زوجته الوفيّة الطاهرة، صاحبة القلب الكبير، والروح المباركة، التي لم يشأ لها القدر أن تنجب، ومع ذلك كانت -كما يراها زوجها- خصبة في شخصيتها الكريمة، وأخلاقها النبيلة، لذلك عاش لها، وكانت هي أسرته. وبعد أن رحلت صارت الثورة أسرته. ومن خلال ذكرياته، نستطيع الوقوف على طبيعة العلاقة الحميمة التي كانت تربطه بزوجته، كما نستطيع الوقوف على السمات البارزة في شخصيتها المميزة.

*

ومثل هذا الوفاء للزوجة، نجده لدى أبي خليل في رواية "العشاق"، إذ يخلّف فراق زوجته في قلبه لواعج الحزن، ومرارة الأسى، فيعيش على ذكراها الطيبّة، عازفاً عن الزواج، مكرّساً ما تبقى من عمره لخدمة أبناء قريته الثوريين، من موقع عمله الذي ارتضاه لنفسه. وهو حين يجبر على الرحيل من مخيمه إلى مخيم آخر، بعد حرب حزيران 1967، نجده يحرص على الاحتفاظ بملابس زوجته، فيضعها بحرص شديد في حقيبة الملابس، وينزل صورتها عن الجدار بعناية، ويدّسها بين الملابس في الحقيبة، وينحني عليها بعد أن أغلقها، "كأنمّا ينحني على جثة عزيز"( ).

إن ما يُراد تأكيده، من خلال الحديث عن ظاهرة غياب الأزواج -وهو الغالب- أو الزوجات في الرواية الفلسطينية، هو أن الأسرة الفلسطينية، أبداً، مفجوعة بأحد قطبيها، منذ ما قبل النكبة، إلى ما بعد الغزو الصهيوني للبنان 1982، وربما إلى يومنا هذا.

ومع أنّ الروائي الفلسطيني، لا يسعى إلى تقديم صورة قاتمة أو مأساوية للأسرة الفلسطينية، وقد فجعت بأحد قطبيها. إلا أنه يبقى محكوماً بالواقع السياسي والنضالي للشعب الفلسطيني. هذا الواقع الذي يتطلب من الأسرة الفلسطينية دفع المزيد من التضحيات الجسام يومياً. ولذا فإن الصورة المشرقة للأسرة بوجود قطبيها على قيد الحياة، قلما نجدها، وإذا وجدت، فهي لا تستمر في الغالب، إلى النهاية.

*

فعلى سبيل المثال، حاولت سحر خليفة في ثنائيتها (الصبار وعباد الشمس) أن ترسم لوحة واقعية للأسرة الفلسطينية. داخل الأرض المحتلة ممثلة في سعدية وزوجها زهدي وأولادهما. أسرة يسودها الحب والتفاهم والإخلاص والتعاون، على الرغم مما تعانيه هذه الأسرة، وسواها من الأسر، من ظروف بالغة القسوة نتيجة للسياسة القمعية اللاإنسانية التي تتبعها قوات الاحتلال.



ويأبى واقع الاحتلال إلا أنْ يضع بصماته على هذه الأسرة، وكل الأسر الفلسطينية. إذ يجد الزوج نفسه في السجن، بسبب ضربه للعامل الإسرائيلي (شلومو) الذي استفزه وأهانه. وتعاني الزوجة والأولاد، مرارة غياب رب الأسرة، ويعاني هو بدوره، صعوبة الفراق، وقساوة الحياة في زنزانة البؤس والشقاء. ويبقى الحلم يراود زهدي بالخروج إلى "عالم الحرية والناس. والشوارع المتوترة بالحياة والحركة. والشجر ونوار أيار. ورائحة العشب الساخن، وأشعة الشمس تحتضن الوجود"( )ويتحقق حلم زهدي، بإطلاق سراحه، فينطلق نحو بيته بخطواته الواسعة، يقفز الدرجات، وقلبه يضرب، يدفع الباب بقدمه، ويدخل.. "كانت سعدية. تشق الباب وتنادي: مين؟ دفع باب الحمام والتحم بالجسم الساخن المبلل بالماء. وشهقت سعدية، وبكت، وتأملت وجه زوجها من خلال سحابات البخار والرعب مرسوم على وجهها الملفوح بسخونة الحمّام وحرارة الانفعال.. وأخذ يقبل اللحم الساخن، ويغرز أنفه في عبير الصابون، وأمواج الأنوثة. دعيني أنسى.. حلمت كثيراً، حلمت، حلمت، لكني لم أحلم بلقاء أسخى وأكرم. هذا الصدر، وتلك العجيزة، شواطئ الأمان اليتيمية في بلد محتل.. وهذا الكنز يذكرني بقلاع لا يغزوها دخيل. والأرض الخصبة تتلقف البذار، وتحيله غزارة في الإنتاج والاستهلاك. وعندما يتغيب المنتج عن موقعه تجوع أفواه في مواقع أخرى، وتتساقط الأساور عن الزنود المكتنزة. أين الأساور يا سعدية؟ طارت جميعها؟ سأشتري لك غيرها، وسيأكل الأولاد كثيراً. غداً أنزل غرباً أبحث عن عمل. ما زالوا بحاجة لأيدينا، يضمنون سكوتنا. ولكنّي تعلّمت كيف أسكت بحذق، وأتكلم بحذق.. آه يا سعدية. لماذا لا يتركني العالم لشأني.."( ).



هذه الحياة البسيطة المتواضعة التي تحياها الأسرة، على الرغم مما يكتنفها من مشاق وقهر، باتت حلماً لدى زهدي وأمثاله من الطيبين المسحوقين، لكثرة ما يلاقيه الإنسان الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، من عنت وقسوة في تأمين متطلبات الحياة والصمود، في ظل الأساليب القمعية التي تمارسها سلطات العدو، بما فيها من قتل وتهجير واعتقال، وتجهيل، ومصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وغير ذلك.



ففي مثل هذه الأجواء المتوترة الضاغطة، المشحونة بالقلق والخوف، الحافلة بالتحدّي والصمود، يصبح الاستشهاد في سبيل الأرض والقضية والكرامة، هو الحل الأمثل لدى زهدي، ولا سيما بعد أن دخل السجن إنساناً بسيطاً طيبّاً، وخرج منه مناضلاً، يحمل وعياً جديداً.. وهكذا يُقتل زهدي بأيدي الجنود الصهاينة، أثناء إحدى العمليات الفدائية، مخلفاً وراءه زوجة وعيالاً ووعداً برحلة شقاء جديدة.

*

وفي "نشيد الحياة" يقدّم يخلف صوراً متنوعة للأسرة الفلسطينية المتجانسة والمتماسكة، على الرغم من الهموم التي استطونت في أعماق القلوب، ورغم المحن التي انتشرت في جنبات البيوت، والكآبة التي حطّت فوق الصدور، فزادت الروح وجعاً على وجع. فها هو ذا الزهيري، فرّان المخيم. يعود إلى بيته بعد يوم حافل بالعناء والأحداث، وهدير الحوامات المعادية، وذلك قبيل الاجتياح الصهيوني عام (1982)، فتستقبله زوجه بكل الحب والمودة، وقد هيّأت له كل وسائل الراحة: الماء الساخن، والثياب النظيفة، والطعام الجيد، والبيت النظيف.. اغتسل الزهيري طارداً الدبق والرطوبة والتعب، وبعض الغيوم السوداء من صدره. "أكل وشرب الشاي، ثم قدّمت له (زوجه) سيجارة وأشعلتها، كما تناولت سيجارة أخرى، وأشعلتها لنفسها.. إنّها لا تدخن ولكن عندما يكون المزاج رائقاً، تدخن معه سيجارة على سبيل الدلع. ثم قبلته في خده، كانت صغيرة.. قطة، وكان كبيراً وضخماً، فتكاد تضيع في صدره. قال

نشر بتاريخ 30-07-2012  


أضف تقييمك

التقييم: 7.70/10 (3439 صوت)


 

أقسام مجلة نورالأدب


جديد مجلة نور الأدب

التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved