خريطة المجلة الأحد 28 مايو 2017م

هل ترسل الكائنات الفضائية رسائل إلى الأرض؟  «^»  ماء دافئ تحت سطح قمر زحل.. واحتمال وجود حياة   «^»  10 نصائح للاعتناء بمنزلك ستقيك شرّ الأمراض  «^»  طرد الشيخوخة يبدو قريبامن خلال تجارب مثيرة لدواء جديد  «^»  ارتفاع مستوى الرصاص في الدم يؤثر على ذكاء الأطفال  «^»  محاكمة طه حسين  «^»  العوالم السوداء.. من القتلة المحترفين إلى الجهاديين.. كيف يتواصل الجميع؟!  «^»  في فقه الممانعة / زياد ماجد  «^»  معجمُ النّظام العالمي الجديد  «^»  يا صهاينة العرب: إليكم عنا! جديد الأبواب الثابتة
ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري)  «^»   دعاء و رجاء ... د. رجاء بنحيدا  «^»  إسـراء .. شعر: صبحي ياسين  «^»  في النقد الأدبي الحديث د.مرتضى بابكر الفاضلابي  «^»  اعشقي مقاوِماً .. بقلم فاطمة البشر  «^»  قـــــــف.. ق.ق.ج. بقلم: المصطفى حرموش  «^»  (((مُمَرَّدَةُ الْبُعْدَيْنِ))) شعر: عادل سلطاني  «^»  على دفّة الأحْلامِ.. شعر: ختام حمودة جديد مجلة نورالأدب

الأبواب الثابتة
نقد أدبي
وثائق تاريخية عن فلسطين
الإجراءات الإسرائيلية لتهويد القدس ( 2 من 2 )

محمد توفيق الصواف

سادساً، تهويد التعليم العربي:
من أبرز ألوان العنف والإرهاب اللذين مارستهما إسرائيل وما تزال ضد العرب في أراضيهم المحتلة، منذ عام 1948 إلى الآن، ذلك الذي مارسته في مجال التعليم والثقافة، حيث يبرز بشكل صارخ الاضطهاد الفكري والثقافي والتعليمي دليلاً لا لبس فيه على عنصرية إسرائيل وقسوتها البالغة ضد العرب الذين حوَّلت حياتهم، تحت نير احتلالها، إلى جحيم لا يطاق، بغية دفعهم إلى الرحيل عن وطنهم فراراً من هذا الجحيم. وفيما يلي إطلالة على أبرز الإجراءات التي اتبعتها لتهويد التعليم العربي، في القدس الغربية أولاً، ثم في الشرقية التي احتلتها عام 1967.
أ) تهويد التعليم في القدس الغربية المحتلة 1948
منذ أن دخل الاحتلال القدس الغربية، عام 1948، سارعت سلطاته إلى تغيير البرامج التعليمية، في المدارس العربية، بمراحلها كافة، وذلك بسبب اختلاف التوجهات والأهداف والقيم والمثل والحقائق المتضمَّنَة في الكتب العربية، وبين أهداف الاحتلال الإسرائيلي.
ومن منطلق هذا الخلاف الذي مازال مستمراً، أخضعت وزارة المعارف الإسرائيلية لسيطرتها التعليمَ في الأراضي العربية المحتلة عام 1948، منذ أن أصدرت قانون التعليم الإلزامي عام 1949، ثم قانون التعليم الرسمي عام 1953. وقد شملت هذه السيطرة مناهج المدارس العربية وكتب التدريس فيها وإدارتها ومصادر تمويلها. وهو ما يعني أن كتب التدريس في مدارس التعليم العربية الحكومية في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة قد أعدها وأشرف على تأليفها مختصون صهاينة، فكان طبيعياً أن يكون مضمونها منسجماً مع توجهات الصهيونية وتطلعاتها وأهدافها، ومضاداً لأهداف القومية العربية أو القيم الإسلامية.
ب) تهويد التعليم في القدس الشرقية المحتلة 1967
مباشرةً، بعد احتلالهم القدس الشرقية، وضع الإسرائيليون يدهم على ما كان فيها من مدارس حكومية عربية، لم يكن يتجاوز عددها، آنذاك، ثلاثين مدرسة. كما استبدلوا بمناهج التدريس العربية المعتمدة فيها مناهجهم التدريسية المليئة بالكثير من مصطلحات الصهيونية ومقولاتها من مثل: "أرض الميعاد"، و"تحرير فلسطين من العرب" وغيرهما من المقولات الهادفة إلى إيهام طلابهم بأن فلسطين هي "أرض اليهود"، منذ القدم، وأن "العربَ دخلاءُ عليها، متخلفون، وأعداء للحضارة"، وقد عاد اليهود الصهاينة إلى "أرض الأجداد" ليكونوا "طليعة القيام برسالة حضارية في المنطقة". بل إن تمادي سلطات الاحتلال في سعيها إلى طمس أي أثر للطابعين العربي والإسلامي في مناهج التدريس التي فرضتها على المدارس العربية، في سائر مدن الضفة الغربية المحتلَّة، وبضمنها القدس، ذهبت إلى حدِّ إلغاء بعض مواد التدريس العربية من تلك المناهج، إلغاء تاماً، لتحلَّ مكانها أخرى صهيونية المضمون، إسرائيلية الأهداف، عبرية اللغة. وفيما يلي إطلالة على نماذج لتلك المواد ومضامينها.
أولى المواد التي ألغتها سلطات الاحتلال، من مناهج التدريس العربية، في القدس وغيرها من مدن الضفة، كانت مادة "المجتمع العربي" التي أحلت محلها مادتي "مدنيات إسرائيل" و"المجتمع الإسرائيلي"، بكل ما تتضمنانه من حديث لا يهم الطالب العربي مطلقاً، لتمحوره حول تأسيس إسرائيل ونظام الحكم فيها، وحول أحزابها ومؤسساتها.
كما اتبعت نفس الإجراء في مادة "التاريخ" أيضاً، حتى صار ما يدرسه الطالب العربي، في هذه المادة، محض تزوير صهيوني لتاريخ المنطقة وشعوبها ككل، وليس لتاريخ فلسطين فقط. وهذه حقيقة يؤكدها أي استعراض عابر لأي كتاب تاريخ مدرسي إسرائيلي. فعلى سبيل المثال، يعالج كتاب التاريخ المقرر على طلاب الصف السابع الإسرائيلي، موضوعات تخصُّ الشعوب القديمة التي عاشت، في حوض البحر المتوسط، فيأتي على ذكر البابليين والآشوريين والفرس وأبناء إسرائيل والإغريق والرومان، لكنه يخلو من أي إشارة للعرب، تفيد أنهم كانوا ذات يوم من الشعوب القديمة التي عاشت في هذه المنطقة، وكأنما لم يكن لهم أي وجود فيها، طيلة القرون الماضية! أو كأن الذين يشكِّلون غالبية سكانها، في العصر الراهن، ليسوا عرباً، أو ليسوا بشراً بل مخلوقات هبطت فجأةً من كوكب آخر، في غفلة عن المؤرخين الصهاينة طبعاً، واختارت العيش في هذه البقعة، دون غيرها، لسبب غير واضح!
وبشكل عام، تُبيِّن معطيات استقراء مناهج التاريخ التي تُدرس للطلاب العرب، في مختلف مراحل دراستهم، في المدارس العربية الخاضعة للاحتلال، أنهم يتعلمون في هذه المناهج (60%) عن التاريخ العام، و(21%) عن تاريخ اليهود، و(19%) فقط عن تاريخ العرب. ولكن حتى هذه النسبة الضئيلة لما يتعلمونه عن تاريخهم، مليئة بالتزوير والافتراءات التي يأتي في مقدمتها خلو جميع تلك المناهج من أي ذكر لتاريخ فلسطين وشعبها!
ولاستكمال عملية التزوير والتشويه هذه، لابد من مقارنة ما تتضمنه مناهج التاريخ التي تُدرَّس للطلاب العرب، مع مناهج التاريخ المخصصة للطلاب الإسرائيليين. ففي هذه الأخيرة نجد أن (55%) منها مخصص لتاريخ اليهود والصهيونية، و(45%) للتاريخ العام، و(1.5%) فقط لتاريخ العرب الذين تُقدمهم هذه المناهج للطالب الإسرائيلي في صورة مشوهة تماماً، وضمن وقائع تاريخية مزورة في غالبيتها، إذ تصورهم (قتلة أطفال) و(مخربين) و(همج لا يفهمون إلا لغة القوة).
وبهدف تفتيت الوحدة الثقافية والقومية للشعب العربي الفلسطيني، أعدت سلطات الاحتلال مناهج تاريخ خاصة للدروز، تُبرزهم وكأنهم (طائفة دينية قومية) منفصلة عن القومية العربية وعن الإسلام في آن واحد. وقد شرعت في تدريس هذه المناهج لهم ابتداء من العام الدراسي 1974 – 1975.
أما في "كتب الجغرافيا" المقررة للمرحلة الثانوية، فيجد الطلاب العرب المضطرون لدراستها، في مدارسهم الخاضعة للهيمنة الإسرائيلية، كلَّ ما لا يهمهم عن الاستيطان والمستوطنات والكيبوتسات والموشافات والمدن ومدن التطوير الإسرائيلية، مع خرائط تشير إلى مواقع كل تلك النماذج الاستيطانية وعددها. لكنه لا يجد في هذا الكتاب، أي ذكر أو نموذج لقرية عربية في فلسطين، بطولها وعرضها!
وحتى في "كتاب البيولوجيا" للصف السابع، يقرأ الطلاب العرب في مدارسهم المستولى عليها إسرائيلياً، موضوعاً عن المياه وأهميتها بالنسبة لجسم الإنسان، يستهله مؤلفه برواية عن مجموعة من جنود (البالماخ) يتناولون طعامهم في جو الصحراء الحار، أما العرب أهل الصحراء الحقيقيون، في هذه المنطقة، فلا أثر لهم في الكتاب!
ولأن مواد المناهج الإسرائيلية كلها مؤلفة بالعبرية أصلاً، كان من قبيل تحصيل الحاصل أن يضطر الطلاب الفلسطينيون لتعلُّم العبرية وإتقانها بدلاً من إتقان العربية/لغتهم الأم، ليتمكنوا من متابعة دراستهم، في سائر مراحلها. ولا قيمة لغوية أو علمية خاصة للكتب العربية المقررة عليهم فقط، لأن غالبيتها كتب عبرية بالأساس تُرجِمَت إلى العربية، كما يعترف (يوعاد أليعيزر) رئيس منظمة (اندماج) الإسرائيلية التي تعنى بالتعليم المدني المختلط، وبالتالي، لا تختلف مضامينها عن الكتب التي يدرسونها بالعبرية مباشرة، من ناحية كونها مجرد (كتب دراسية اُعدَّت وقولبت خصيصاً لتلائم المدارس العبرية وطلابها الإسرائيليين).
ونظراً لعدم تآلف الطلاب العرب مع هذه الكتب، سواء درسوها مترجمةً إلى العربية أو بالعبرية، لعدم ملاءمة مضامينها لهم، كما يعترف (يوعاد) نفسه، فقد أضرَّ إكراههم على دراستها بقدرتهم على التفوق، كما يقول، وحرمهم بالتالي، من إمكانية متابعة تحصيلهم العالي.
وبالتأكيد، لم تكن هذه النتيجة السلبية السببَ الوحيد لنفور الطلاب العرب من المناهج التي فَرَضَت إسرائيل دراستها عليهم، بعد احتلالها لبلادهم، فثمة أسباب أخرى كثيرة لنفورهم الذي لم يكن، بدوره، السبب الوحيد لانزعاج إسرائيل من عجزِ مناهجها عن تهيئة أولئك الطلاب نفسياً للقبول باستمرارية احتلالها لأراضيهم، بل كان السبب الأهم لانزعاجها اكتشافها أن إكراه الطلاب العرب على دراسة تلك المناهج قد أدى إلى نقيضِ ما رجته، أي إلى زيادة رغبتهم في التحرر من نير احتلالها.
على أي حال، لم يكن تغيير مناهج التدريس العربية الأسلوبَ الوحيد الذي اتبعته إسرائيل، لتهويد التعليم العربي، في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة، بل اتبعت سلطات الاحتلال أساليب أخرى، في هذا المجال، كان من أبرزها تضييق الخناق على المعلمين العرب، باعتقال بعضهم، وإبعاد آخرين منهم لاستبدالهم بمعلمين ينفذون سياستها، أو بمعلمين غير أكفاء، لإضعاف المستوى الثقافي والتعليمي في أوساط الطلبة العرب.
وبالطبع، قوبلت هذه الإجراءات وأمثالها برفض شعبي واسع، واجهته سلطات الاحتلال بإجراءات قمعية ضد جميع المعلمين والطلبة العرب، لكن إجراءاتها تلك لم تستطع وقفَ تحديهم لها، بأساليب غير مباشرة، كان من أبرزها انصـراف كثيرين من طلاب القدس عن المدارس الحكومية إلى المدارس الخاصة والطائفية، لأن إسرائيل لم تفرض عليها مناهجها التدريسية، منذ بداية الاحتلال، بل سمحت لها بالاستمرار في تدريس المنهاج الأردني، بعد إجراء تعديلات كثيرة عليه. وللاستفادة من هذا الامتياز التي تمتعت بها المدارس الخاصة، نقل كثيرون من مواطني القدس العرب أولادهم إليها، على الرغم من رقة أوضاعهم المالية، فضلاً عن أن طاقتها لا تستوعبهم جميعاً، وهو أمر بديهي لأن عددها، آنذاك، كان أربع عشرة مدرسة فقط، أي أقل من نصف عدد المدارس الحكومية.
وفي محاولة منها للالتفاف على ردِّ الفعل العربي هذا الذي أدى إلى تضخم أعداد التلاميذ العرب، في المدارس الخاصة، وفي كلِّ المراحل الدراسية، أصدرت سلطات الاحتلال، سنة 1969، قانوناً أسمته (قانون الإشراف على المدارس)، نُشر في مجلة القوانين الإسرائيلية، العدد رقم /654/ بتاريخ 17/7/1969، وتقرَّر العمل بموجبه اعتباراً من 17/1/1970. والقانون، في مجمله، مجرد حلقة من حلقات سياسة تهويد القدس، لأنه يستهدف الإشراف الكامل على جميع مدارس القدس، حتى الطائفية والخاصة منها، كما يفرض عليها وعلى أعضاء الجهاز التعليمي فيها، الحصول على رخص إسرائيلية تجيز لهم ولها الاستمرار بممارسة المهنة، كما يفرض عليهم القبول بإشراف إسرائيل الكامل على مصادر تمويل هذه المدارس، والقبول بما تطلبه وزارة المعارف الإسرائيلية من تعديل على المناهج الأردنية التي كانت تُدرَّس في مدارس القدس وغيرها من مدن الضفة، قبل الاحتلال.
وقد تمَّ التعديل فعلاً... ومن خلال استقراء متمعن للتعديلات التي أدخلها الإسرائيليون على مناهج المدارس الخاصة في القدس، يتبيَّن أن الهدف الرئيس لتلك التعديلات، كان طمس الهوية القومية للطلبة العرب وسلخهم عن تراثهم وتاريخهم. وهذا معطى يؤكده استعراض ما تمَّ حذفه من "الكتب العربية المعدلة"، في إطار ما سُمي "عملية تنقية الكتب العربية". فقد حُذف من تلك "الكتب المعدلة" جميع الفصول التي تتحدث عن الاستعمار وأثره على الوطن العربي، وعن كفاح الشعوب عموماً، والعربية خصوصاً، ضد الاستعمار. كما استبدلوا كلمة فلسطين بكلمة إسرائيل. وفي مادة الأدب العربي، طال الحذفُ كلَّ القصائد التي تتحدث عن فلسطين واللاجئين، من مثل قصيدتي (يافا) للجواهري، و(الحبشـي الذبيح) لإبراهيم طوقان وغيرهما.
ونتيجة لتغيير مناهج المدارس الحكومية العربية والتعديلات التي أجرتها سلطات الاحتلال على مناهج المدارس الطائفية والخاصة، لقي الطلاب العرب عنتاً شديداً، وفشل كثيرون منهم في اجتياز امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة، مما زاد انصرافهم عن دراسة المناهج الإسرائيلية ونفورهم منها. فما كان من سلطات الاحتلال، وضمن مناورة مفضوحة، إلا أن أعلنت، خلال العام الدراسي 1976/1977، تراجعها عن تطبيق المنهاج الإسرائيلي على جميع مراحل الدراسة، واكتفت بالمرحلة الابتدائية، سامحةً لما يليها من مراحل بتدريس المنهاج الأردني المعدَّل. ولم يكن هذا التصـرف دليل حسن نية إسرائيلية تجاه العرب، بل كان مجرد مناورة، لأن الطلبة العرب الذين سينهون دراستهم الابتدائية، وفق المنهاج الإسرائيلي، سيواجهون منهاجاً مختلفاً، في المراحل الأعلى، مما سيؤدي إلى إخفاقهم، ومن ثمَّ اضطرارهم إلى التوجه طوعاً للمدارس الإسرائيلية.
وبعد، فكما هو واضح من استقراء مجموع الإجراءات السابقة أن السلطات الإسرائيلية سعت، من وراء محاولاتها لتهويد التعليم العربي، إلى استبعاد كل ما يحتاجه المواطن العربي في القدس قومياً، لفصم عرى ارتباطه بأرضه وشعبه وتاريخه وتراثه وثقافته العربية الأصيلة، تمهيداً لإزالة خصوصية شخصيته العربية الأصيلة. لكن، وكما أثبتت النتائج، أخفقت كل هذه الإجراءات في النيل من صمود الإنسان العربي وقدرته على مواجهة المتغيرات التي فرضها الاحتلال على أسلوب حياته، ولاسيما في مجال تربيته لأجياله القادمة.



سابعاً، تهويد الثقافة
المقصود بمصطلح الثقافة، في هذا السياق، الأدب والفن والصحافة والتراث، وكل نشاط إنساني مماثل يساهم في التعبير عن حياة الشعوب التي تنتجه، بإيجابياتها وسلبياتها، بأي شكل فني سواء كان مقالة أو قصة أو قصيدة أو مسرحية أو فيلماً سينمائياً أو ما شابه. وفي كل وقائع التاريخ الإنساني، تبدو ثقافة الشعب الذي يتعرض لهجوم عسكري يفضي إلى احتلال وطنه، هي الحصن الأخير والأكثر مناعة، ببقائه قد يستطيع ذلك الشعب إعادة بناء جيل جديد يصنع التحرير، وبسقوطه ربما يفقد الأمل بالخلاص. ولذلك يركز كل الغزاة على إسقاط حصن الثقافة في البلد الذي يجتاحونه بجيوشهم، لإطالة أمد بقائهم فيه، فإن عجزوا، اضطروا لمغادرته سريعاً. ومن هذا المنطلق سعت قوات الاحتلال الإسرائيلي في وقت مبكر إلى القضاء على معظم معالم الثقافة العربية في كل مدن وقرى فلسطين، منذ 1948، وفي مقدمتها القدس بشطريها. وستُلقي اللمحة التالية بقعة ضوء على اثنين من أبرز الإجراءات التي اتبعتها إسرائيل، لتقويض حصن الثقافة العربية، وإحلال ثقافة الخضوع مكانها، وكيف فشلت في هذا المجال بالذات فشلاً ذريعاً.

1) إجراءات الحصار الثقافي
كانت أبرز مظاهر هذا الحصار وما تزال، الرقابة الشديدة على الكتب التي تُنشَر داخل فلسطين المحتلة بالعربية، أو تلك التي يتم إدخالها من الأقطار العربية والمؤلَّفة بأقلام أدباء عرب غير فلسطينيين، أو حتى بأقلام أدباء غير عرب. فمن المأثور في هذا المجال، قيام سلطات الاحتلال بمنع أي كتاب يمكن أن تشتَمَّ منه عداء ضد الاحتلال أو تحريضاً على مقاومته وترغيباً في التحرر منه، ولو بشكل غير مباشر. والذريعة التي تُسوِّغ بها منع أي كتاب من هذا النوع صاغتها بعبارة باتت مأثورة لكثرة تردادها واستخدامها، وهي (كتاب تحريضي). بالمقابل، تسمح سلطات الاحتلال بدخول أي كتاب، وبأي لغة، إذا كان ينشر ثقافة المهادنة والاستسلام، أو ثقافة الانحلال الخلقي والإباحية وما شابه.
وحسب العديد من المعطيات، يبدو نصيب مدينة القدس وسكانها العرب، هو الأوفر في مجال التعرض لهذا الحصار الثقافي، خوفاً من أن يتمكن كتابٌ ما من تحريض على ثورة أو ترغيب في تحرير.

2) اضطهاد الأدباء الفلسطينيين بالملاحقة والنفي والسجن والإقامة الجبرية
وهو أسلوب شائع في كل تجارب الاستعمار، ولاسيما الاستيطاني الذي يخطط لعدم مغادرة البلد الذي احتله، لأنه يجد في الأدباء والصحفيين والفنانين ورجال الفكر والكلمة عموماً، أعداء حقيقيين له، يحاربونه بالكلمة والصورة، فيعمد إلى القسوة البالغة في معاملتهم لإجبارهم على الصمت اختياراً خوفاً منه، أو غصباً بكمِّ أفواههم بطرق لا شرعية في أغلب الأحيان.
وبالعودة إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي وممارساته في هذا المجال، سيجده من أكثر المستعمرين قسوة وغلظة في التعامل مع الأدباء والصحفيين والفنانين الفلسطينيين. فقد تعرض أكثرهم لتجربة السجن والإقامة الجبرية لمدد طويلة، أو للنفي والإبعاد. كما تعرضت كتبهم للمصادرة ومنع التداول، كما تعرضت الصحف والمجلات الفلسطينية، في الأراضي المحتلة، على قلتها، للإغلاق والمصادرة ودفع الغرامات الباهظة.
لكن، يتضح من استقراء نتائج هذه الإجراءات التي مارستها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المثقفين الفلسطينيين، أنها لم تُؤتِ أُكلها المرجوة، بأن تُثمر تهويداً للثقافة العربية في مدن فلسطين وقراها، بل ربما من المثير للدهشة أن نجد الثمرة التي طرحتها تلك الإجراءات كانت على النقيض، إذ استطاعت الثقافة العربية التأثير بشكل واضح في المثقفين الإسرائيليين الذين لم يُخفِ بعضهم إعجابه بإبداعات بعض الأدباء الفلسطينيين. والمثال الأكثر بروزاً على هذه النتيجة الشاعر محمود درويش الذي لم تُترجَم بعض أشعاره إلى العبرية فحسب، بل تم إدخال بعضها في بعض كتب التدريس الإسرائيلية أيضاً.

مصادر البحث ومراجعه:
كتب:
1) جواد الحمد، (القدس عبر التاريخ.... العربي الدائم واليهودي الطارئ)، إصدار مركز دراسات الشرق الأوسط، عمّان، 2000.
2) حبيب قهوجي/إشراف، (إستراتيجية الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة)، منشورات الطلائع بالتعاون مع مؤسسة الأرض، الطبعة الأولى، 1978.
3) روحي الخطيب، (تهويد القدس)، الكتاب الأول.
4) روحي الخطيب، (تهويد القدس)، الكتاب الثاني.
5) عبد العزيز محمد عوض، (الأطماع الصهيونية في القدس)، الموسوعة الفلسطينية، المجلد /6/، 1990.
6) كتاب "القدس 1998"، إصدار الجهاز الفلسطيني للإحصاء المركزي، كانون الأول 1999.
7) محاضر الكنيست 1966/1967، مركز الدراسات الفلسطينية والصهيونية بالأهرام، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، القاهرة، 1971.
8) مصطفى مراد الدباغ، (بلادنا فلسطين)، الجزء العاشر، القسم الثاني.
9) موطي غولان، (القدس في نظر الصهيونية)، ترجمة: جواد الحصري، رام الله، منشورات وزارة الإعلام الفلسطينية، 1996.
10) Bachi Roberto, The Population of Israel, The Hebrew University of Jerusalem, Jerusalem 1977.

صحف ومجلات عربية وإسرائيلية:
1) الاتحاد الحيفاوية، 21/1/1985.
2) الاتحاد الحيفاوية، 5/3/1985.
3) الأرض، العدد /2/، 7/10/1980.
4) الأرض، العدد /3 و 4/، 7/11/1980.
5) الأرض، العدد /7/، 21/12/1980.
6) الأرض، العدد /2/، 7/10/1982.
7) الأرض، العدد/2/، 7/10/1982.
8) الأرض، العدد/11/، 21/2/1983.
9) الأرض، العدد /19/، 21/6/1983.
10) الأرض، العدد /8/، 7/1/1984.
11) الأرض، العدد/8/، 7/1/1984.
12) الأرض، العدد/18/، 7/6/1984.
13) الأرض، العدد /3/، 21/10/1985
14) الأرض، العدد /11/، 1/11/2008.
15) الأسبوع العربي، 2/5/1982.
16) الأسبوع العربي، 3/5/1982
17) تشرين، 29/1/1983.
18) دافار، 9/5/1975.
19) دافار، 1/8/1980
20) دافار، 1/1/1981.
21) دافار، 6/2/1983
23) الدستور، 25/11/1971.
24) الدستور، 26/6/1979.
25) الدستور، 22/5/1981.
26) الدستور، 7/9/1981.
27) السفير، 17/4/1982.
28) عل همشمار، 6/7/1978.
29) عل همشمار، 27/5/1980.
30) عل همشمار، 26/1/1981.
31) الفجر، 17/10/1975.
32) فلسطين، (هـ - ع – ع)، أيار، /1981/.
33) القدس، 17/3/1970، تصدر داخل فلسطين المحتلة.
34) القدس، 16/3/1981، تصدر داخل فلسطين المحتلة.
35) معريف، 9/2/1982.
36) معريف، 18/8/1983.
37) معريف، 30/5/1984.
38) هآرتس، 19/5/1978.
39) هآرتس، 24/10/1978.
40) هآرتس، 19/11/1978.
41) هآرتس، 30/11/1978.
42) هآرتس، 14/1/1980.
43) هآرتس، 21/1/1980.
44) هآرتس، 1/8/1980.
45) هآرتس، 25/2/1981.
46) هآرتس، 6/3/1981.
47) هآرتس، 6/8/1981.
48) هآرتس، 4/1/1982.
49) هآرتس، 13/2/1982.
50) هآرتس، 3/6/1984.
51) هتسوفيه، 31/7/1980.
52) هتسوفيه، 31/7/1980
53) هتسوفيه، 6/1/1982.
54) يديعوت أحرونوت، 6/6/1977.



نشر بتاريخ 17-05-2013  


أضف تقييمك

التقييم: 5.14/10 (2173 صوت)


 

أقسام مجلة نورالأدب


جديد مجلة نور الأدب

التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved