خريطة المجلة الجمعة 19 أكتوبر 2018م

استيقظي أيتها الغيلان - د. بشرى كمال  «^»  فجر المنى - غازي اسماعيل المهر  «^»  ترجيعة اليعربي..... حسين عبروس  «^»   قدس الأجدادِ توْأَمَ شعبي - جريس ديبات  «^»  صَراحَتاً ! - د. بلال عبد الهادي  «^»  نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد الأول من مجلة نور الأدب
سلطة المثقَّف بين الاقتراب والابتعاد / د.سمر روحي الفيصل

سلطة المثقَّف بين الاقتراب والابتعاد / د.سمر روحي الفيصل
سلطة المثقَّف بين الاقتراب والابتعاد / د.سمر روحي الفيصل
اهتم العرب، في النصف الثاني من القرن العشرين، بعلاقة المثقّف بالسلطة. وقدّم الباحثون في هذا الحقل المعرفيّ آراء كثيرة، وعبّروا عن مواقف متباينة، بل إنهم عدُّوا هذه العلاقة (إشكاليّة) لا سبيل إلى القول الفصل فيها ما دام المثقّف مثل السلطة جزءاً من النسيج الاجتماعيّ، وما دامت العلاقة، المباشرة أو غير المباشرة، حتميّة بين هذين الطرفين العاملين على بناء المجتمع. والواضح أن الباحثين في شؤون هذه العلاقة وشجونها لم يدرسوا بإنعام نظر الفرضيّة التي يُجملها السؤال الآتي: هل يختلف الأمر إذا كان المثقّف يتسنم السلطة؟‏
لقد حاول الدكتور محمد فاتح زغل في كتابه (سلطة المثقف بين الاقتراب والاغتراب)) مناقشة هذه الإشكالية في أثناء قراءته سيرة حياة لسان الدين بن الخطيب وتجربته السياسية في الأندلس، دون أن يغامر بتقديم حلّ ناجع لها. ولا بأس في عرض هذه الإشكالية من خلال صاحبها والباحث فيها معاً، لعلنا نعيد قراءة القراءة التي قدّمها الدكتور زغل.‏
المعروف أن لسان الدين بن الخطيب مثقّف، ينتمي إلى شريحة الباحثين والأدباء، له عددٌ من الكتب المعروفة، هي:‏
1 ـ الكتيبة الكامنة في مَنْ لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة (حقّقه د. إحسان عبّاس، ونشره في بيروت عام 1963).‏
2 ـ الصيب والجهام والماضي والكهام، وهو ديوان شعر ابن الخطيب (حقّقه د. محمد الشريف قاهر، ونشره في الجزائر عام 1973).‏
3 ـ روضة التعريف بالحب الشريف، وهو معارضة لديوان الصبابة لابن حجة التلمساني (حقّقه عبد القادر أحمد عطا، ونشره في القاهرة عام 1968).‏
4 ـ الإحاطة في أخبار غرناطة، وهو كتاب تراجم (حقّقه محمد عبد الله عنان، ونشره في القاهرة عام 1956).‏
5 ـ كناسة الدكان بعد انتقال السكّان، وهو رسائل سلطانية كان ابن الخطيب كتبها للسلطان أبي الحجّاج يوسف الأول (حقّقه محمد كمال شبانة، ونشره في القاهرة).‏
6 ـ اللمحة البدرية في الدولة النصرية، وهو دراسة عن مملكة غرناطة (حقّقه محب الدين الخطيب، ونشره في القاهرة عام 1374هـ).‏
7 ـ معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، وهو وصف لبعض مدن الغرب والأندلس في شكل مقامات (حقّق المستشرق الإسباني سيمونيت الجزء الخاص بالأندلس، وحقّق المستشرق الألماني مولر الجزء الخاص بالمغرب).‏
8 ـ نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، وهو سيرة حياة ابن الخطيب في المغرب (حقّق أحمد مختار العبادي الجزء الثاني من هذا الكتاب المكوَّن من ثلاثة أجزاء، ونشره في القاهرة عام 1967).‏
9 ـ أعمال الإعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام وما يجر ذلك من شجون الكلام، وهو كتاب في ثلاثة أقسام، أولها تاريخ المشرق حتى عصر المماليك، وثانيها تاريخ الأندلس، وثالثها تاريخ المغرب العربي (حقّق ليفي بروفنسال القسم الثاني، وأحمد مختار العبادي ومحمد إبراهيم الكتاني القسم الثالث ونشراه في الرباط عام 1964).‏
تلك مؤلَّفات لسان الدين بن الخطيب المتداولة، وبعضها مراجع في بابه، سواء أكانت هذه المراجع كتباً في التراجم أم دراسات في التاريخ. وهناك كتب أخرى ورسائل لابن الخطيب في الطب والتصوُّف والمختارات الشعرية مفقودة، ولكنها تخدمنا هنا في الاستنتاج بأن صاحبها مثقّف ذو اهتمامات عدّة، في الشعر والتراجم والرسائل والدراسات التاريخية والطبيّة. ويكاد ابن الخطيب يكون موسوعياً في بعض مؤلّفاته، وصاحب أسلوب شائق في بعضها الآخر، وشاعراً مرهفاً في شعره ومختاراته الشعرية. فهل هناك دلالة على انتمائه إلى حقل (الثقافة) أكثر بلاغةً من هذا الإنتاج الغزير المفيد الذي لم تنقطع الفائدة منه والعودة إليه في الدراسات والبحوث العربية المعاصرة الخاصة بالثقافة الأندلسية عموماً، وثقافة القرن الثامن الهجري خصوصاً؟.وإذا كانت مؤلّفات ابن الخطيب المعروفة والمفقودة دليلاً على أنه فاعل في كلامه (دراساته)، فإن حياته تدلُّ أيضاً على أنه متكلِّم في فعله، مكمِّل لُكثر تعريفات (المثقف) دقّة.‏
أصبح ابن الخطيب متكلِّما في فعله؛ أي أنه أصبح بتعبير عصرنا حاكماً قادراً على أن يأمر فيُطاع. واللافت للنظر في سيرة حياته أنه تدرّج في المناصب إلى أن وصل إلى (هرم السلطة). إذ وُلد (عام 1303 هـ) في بيت علم ومجد ورئاسة، كما نصَّ الدكتور محمد فاتح زغل، وكان لأسرته الغنيّة المثقفة صلات بالبيوتات الشهيرة في غرناطة،و لذلك نشأ ابن الخطيب في بيئة مترفة، ونهل من العلم في حدود ما أتاحت له علوم زمانه. وقد خَلَفَ والده أميناً لابن الجياب في ديوان الإنشاء. ولما توفي ابن الجياب خَلَفَه ابن الخطيب في ديوان الإنشاء (أي خَلَفَه في: وزارة القلم) وهو في عنفوان شبابه، بعد ثماني سنوات من عمله في هذا الديوان،وإتقانه المهمّات التي يؤدِّيها رئيس هذا الديوان للسلطان.‏
لقد ميّز الدكتور زغل بين اقترابين اقتربهما ابن الخطيب من السلطة، تحقَّق أوّلهما عام 557 هـ أيام أبي عبد الله محمد الغني بالله، إذ قلَّده وزارة القلم، وهي الوزارة الخاصة بديوان الإنشاء. أما الاقتراب الثاني من السلطة فقد حدث بعد عودة محمد الغني بالله ثانية إلى الأندلس إثر القضاء على الانقلاب عليه، ذلك الانقلاب الذي دفعه إلى أن يهرب إلى المغرب. وفي هذا الاقتراب الثاني أعاد محمد الغني بالله ابن الخطيب إلى وزارة القلم ثانيةً وقلّده معه وزارة السيف؛ أي وزارة القيادة العسكرية، فأصبح ابن الخطيب ذا الرياستين والوزارتين، وزارة السيف ووزارة القلم. وفي هذا الاقتراب الثاني نفسه انفرد ابن الخطيب بالحكم، وبقي على هذه الحال إلى أن أحسَّ بالنقمة عليه، وخشي على نفسه من أعدائه، فهرب إلى فاس في المغرب،ولكن أعداءه نجحوا بعد سنة وبضعة أشهر في الوصول إليه، فقتلوه ذات ليلة، ودفنوه، ثم عادوا صباحاً فأخرجوا جثته من قبره وأحرقوها.‏
كما ميَّز الدكتور زغل بين اغترابين اغتربهما ابن الخطيب، تحقّق أوّلهما بعد الانقلاب على محمد الغني بالله وجلوس أخيه الأمير إسماعيل مكانه. فقد صانع ابن الخطيب السلطان الجديد، فأبقاه في الوزارة عدة أسابيع، ولكنه ارتاب في ولائه له فصادر أمواله وقبض عليه. ولكن سلطان المغرب أبا سالم عبد العزيز المريني، وكان صديقاً لابن الخطيب، تدخَّل فأفرج إسماعيل عن الخطيب، وتركه يسافر إلى المغرب، ويقيم في (سلا) بعيداً عن سلطانه (محمد الغني بالله) المقيم في المغرب أيضاً. وأما الاغتراب الثاني فقد تحقّق بعد عودة الحكم إلى محمد الغني بالله. إذ أعلن رغبته في إعادة ابن الخطيب إلى منصبه الوزاري السابق، وإضافة منصب وزاري جديد إليه، هو وزارة السيف. انفرد ابن الخطيب في هذا الزمن بالحكم لانشغال سلطانه محمد الغني بالله بالجهاد في أراضي قشتالة، فأحكم قبضته على شؤون الدولة ورجالاتها، وقضى على منافسيه فيها. فاتّحد أعداؤه، وزادوا عدداً وقوة، كما فترت علاقته بمحمد الغني بالله بعد خوف السلطان من نتائج تحكُّم ابن الخطيب في شؤون الدولة. ههنا أحسَّ ابن الخطيب بأن أعداءه اقتربوا من القبض عليه والانتقام منه، فهرب إلى المغرب، واستقرَّ في فاس في رعاية صديقه السلطان أبي سالم عبد العزيز المريني. ولم تطل مدة هذا الاغتراب الثاني؛ لأن ابن الخطيب قُتل بعد سنة وبضعة أشهر من وصوله إلى المغرب، وبعد إخفاق القاضي أبي الحسن النباهي في إعادته إلى غرناطة لمحاكمته فيها بتهمة الكفر.‏
من ميزات الدكتور محمد فاتح زغل طَرْحه الأسئلة التي أثارها الاقترابان والاغترابان، دون أن ينتهي منها إلى حكم على تجربة ابن الخطيب المثقّف الذي تسنّم السلطة وانتهى نهاية فاجعة. ويمكنني صوغ الوقائع التي قادت إلى مصير ابن الخطيب الفاجع على النحو الآتي:‏
1 ـ صَانَع ابن الخطيب السلطان إسماعيل بعد انقلابه على أخيه محمد الغني بالله، وهذا ما دلَّ على جانب من شخصيته.‏
2 ـ نكَّل ابن الخطيب برجالات الدولة ليقضي على منافسيه فيها، كما فعل بشيخ الغزاة عثمان بن أبي يحيى.‏
3 ـ تدخّل ابن الخطيب في شؤون القضاء لإنفاذ مصالحه الخاصة ومصالح المقرَّبين منه.‏
4 ـ رَفَضَ ابن الخطيب آراء معارضيه،واستهان بآراء الناس عامّةً.‏
5 ـ حَرَصَ ابن الخطيب على جَمْع المال وحيازة الأراضي وبناء القصور، دون الاهتمام بالوسيلة التي تؤدّي إلى ذلك.‏
هذه الوقائع كافية للقضاء على ابن الخطيب، فهي تدلُّ على أنه حاكم مستبدٌ، لا يرى غير نفسه ومصلحته، ولا يتمتّع بقيمة الوفاء لمن أفاء عليه النِّعم والمناصب. ولم يكتف الدكتور زغل بهذه الوقائع، بل أضاف إليها تفصيلات أخرى تُوضِّحها وتُعلِّل ميتة ابن الخطيب، هي:‏
1 ـ انفرد ابن الخطيب بالحكم في أثناء انشغال محمد الغني بالله بالجهاد، وهذا ما أساء إلى سمعته وسمعة محمد الغني بالله معاً، وزاد من أعدائهما. والواضح أن محمداً الغني بالله لم ينس لابن الخطيب هذه الخطيئة.‏
2 ـ لم يغفر محمد الغني بالله لابن الخطيب مصانعته السلطان إسماعيل الذي انقلب عليه، ولكنه سكت عن ذلك مؤقّتاً، بل أعاد ابن الخطيب إلى الوزارة، وزاد عليها وزارة ثانية، ليضمن رضا سلطان المغرب عبد العزيز المريني الذي كان يحبُّ ابن الخطيب ويجلّه.‏
3 ـ لم ينس رجال غرناطة ما فعله ابن الخطيب بهم، فقد منع تلميذه الشاعر ابن زمرك من نيل مكاسب شخصية من منصبه، في حين سمح لنفسه بذلك. ولما أصبح ابن زمرك وزيراً لمحمد الغني بالله بعد هرب ابن الخطيب إلى الغرب سعى إلى الانتقام من شيخه وأستاذه. كما وعد محمد الغني بالله، حين كان لاجئاً في المغرب، سليمان بن داود بمنصب (شيخ الغزاة) إذا عاد إلى حكم غرناطة. ولما عاد إلى حكمها حال ابن الخطيب دون تنفيذ هذا الوعد. ولمّا هرب ابن الخطيب من الأندلس إلى المغرب أصبح سليمان بن داود وزيراً لمحمد الغني بالله، وسعى إلى الانتقام من ابن الخطيب.‏
4 ـ كانت هناك مودّة وثيقة بين تربط سلطان عبد العزيز المريني بابن الخطيب، فلمّا توفي عبد العزيز نشب صراع على حكم المغرب انتهى باستلام أحد أولاده، أحمد بن عبد العزيز، مقاليد الحكم. وكان أحمد في حاجة الغني بالله اشترط على أحمد أن يُسلِّمه ابن الخطيب، فقبل بذلك، ورفع الحماية عن ابن الخطيب، بل سمح بمحاكمته بتهمة الكفر بحسب اتهام القاضي النباهي له، وزجَّ به في السجن، وسمح لرجال ابن زمرك بالإشراف على المحاكمة. ويبدو أن تغاضى عنهم حين دخلوا السجن، وخنقوا ابن الخطيب، وحين أحرقوا جثته في اليوم التالي.‏
لقد أقرَّ الدكتور محمد فاتح زغل بأهميّة ابن الخطيب الأدبيّة، وأقرَّ أيضاً بأهميته السياسية التي جعلته يُسيِّر أمور مملكة غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس في القرن الثامن الهجري. ولكنه رفض نزعته الاستبدادية، ولم يرغب في أن يحكم على تجربته في السلطة استناداً إلى المعارف المعاصرة والأيديولوجيّات السائدة في عصره نفسه. ولم ير في عراقة نسب ابن الخطيب وثقافته وشجاعته ورجاحة عقله وغنى موهبته الأدبيّة والتاريخيّة ما يجيب عن السؤال الأساسيّ: هل استطاع ابن الخطيب في أثناء اقترابه من الحكم وتفرُّده به تحقيق العدالة و الارتقاء بمملكة غرناطة؟. لم يُجب الدكتور زغل عن هذا السؤال بصراحة، ولكنه كان ميالاً إلى الرأي القائل إن ابن الخطيب ما كان قادراً على منع التدهور العامّ في الأندلس،وإنْ أخَّر سقوط غرناطة بوساطة بعض المعاهدات والعلاقات.‏
ولا شكَّ في أن الدكتور محمد فاتح زغل قدَّم قراءة في سيرة لسان الدين بن الخطيب وتجربته السياسية، كما أشار العنوان الفرعيّ لكتابه. والمعروف أن هناك اتجاهات حديثة في قراءة الحوادث والتجارب لا تحفل بالنتائج، بل تحفل بالأسئلة الحافزة إلى قراءات أخرى؛ لأن كلّ قراءة هي وجهة نظر تخصُّ صاحبها وحده. ومن ميزات القراءة التي قدّمها الدكتور زغل الموضوعيّة، إذ إنه طرح الوقائع كلها، دون أن ينحاز لابن الخطيب أو عليه، ودون أن يُسقط عليه المفهومات الحديثة عن علاقة المثقف بالسلطة، ودون أن ينتهي إلى يقين في شأن الظروف الموضوعية التي تحرّك فيها ودفعته إلى السلوك الاستبداديّ. والواضح أن الدكتور زغل كان يألف منهجية الأسئلة الحافزة، إذ تراه يُكثر منها كلما أوغل في قراءة سيرة ابن الخطيب، بحيث تراكمت هذه الأسئلة دون إجابات محدَّدة؛ لأنها من وجهة نظره كافية لإعلان ابن الخطيب إشكالياً في حياته السياسيّة، استناداً إلى سبب وحيد بسيط، هو أنه رجل مثقف ولو لم يكن كذلك لما كان لهذه الإشكالية وجود.‏
هل هناك، بعد ذلك كلّه، إمكانية لقراءة أخرى لابن الخطيب؟ أعتقد بأن هناك إمكانية لقراءات عدة، تبدأ الأولى منها بنفي صفة المثقف عن ابن الخطيب؛ لأن الحرص على العدالة الاجتماعيّة وكرامة الإنسان سمة المثقفين في كلّ زمان ومكان. فإذا كان هذا المثقف حاكماً أصبحت هذه السمة معياراً لحركته في الحكم، فضلاً عن كونها معياراً للحكم عليه وقياس تجربته. ليس في هذه القراءة الممكنة مثقف مستبدّ، ينفي الناس ويُبعدهم عن مصالحهم ومناصبهم ليرتقي ويكتفي بمصالحه ومناصبه. فالمثقف لا يوغر صدر السلطان على المثقف، كما فعل ابن الخطيب بتلميذه ابن زمرك وغيره. والمثقف لا يحجب الرأي الآخر كما فعل ابن الخطيب بسليمان بن داود. ومن ثَمَّ تنتهي هذه القراءة إلى أن ابن الخطيب إنسان سلبيّ، وحاكم مستبدّ، ولا عبرة بكتبه إن لم يُجسِّد سلوكُه القيم التي أعلنتها هذه الكتب. فلا تمييز، في حال المثقف، بين الإنتاج الثقافيّ والسلوك الاجتماعيّ والسياسيّ والإنسانيّ.‏
هذه بعض جوانب القراءة المقترحة، ولكنّ الإمكانية مفتوحة لقراءات أخرى، تقول إحداها إن الحكم، في كلّ زمان ومكان، يحتاج إلى رجل (السياسة)، ولا ينفع فيه رجل (الأدب) والثقافة. إذ إن اللعبة السياسية تُضطر المشارك فيها إلى تقديم رجال وإبعاد آخرين، كما تحتاج إلى شيء من الظلم الذي يخصُّ ولا يعمُّ، وإلى بعض الهوى والمصلحة الذاتيّة، وإلى فهم معيَّن للعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان. وابن الخطيب في مثل هذه القراءة سيكون سياسياً ولن يكون مثقفاً؛ لأنه سيطلِّق الثقافة حين يصبح سياسياً؛ فالجمع بين الثقافة والسياسة، في المفهوم العربي، هو الجمع بين النقيضين.ولا ينفع في مثل هذه القراءة ادّعاء السياسيّ بأنه لم ينفصل عن الثقافة، وأنه ما زال يقرأ وينتج إنتاجاً نافعاً للناس. ذلك أن المثقف صاحب قيم ولكنه لا يملك القوة التي تجعل الناس يميلون إلى اعتناق قيمه. أما السياسي، مَثَلُ الناس الأعلى في الحكم، فيملك القوة الماديّة والمعنوية التي تعين على تطبيق هذه القيم، فضلاً عن أنه يجب أن يجسِّدها في أقواله وسلوكه، ويُشجِّع الآخرين عليها، ويوفٍّر القوانين التي تحميها وتنشرها. ولا يستطيع ذلك إذا لم يملك الثقافة، ولم ينفِّذ ما تقوله رؤيا المثقفين
تم إضافته يوم الأربعاء 13/01/2010 م - الموافق 28-1-1431 هـ الساعة 3:04 مساءً
شوهد 2182 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 5.28/10 (2284 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall

الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved