خريطة المجلة الجمعة 17 أغسطس 2018م

استيقظي أيتها الغيلان - د. بشرى كمال  «^»  فجر المنى - غازي اسماعيل المهر  «^»  ترجيعة اليعربي..... حسين عبروس  «^»   قدس الأجدادِ توْأَمَ شعبي - جريس ديبات  «^»  صَراحَتاً ! - د. بلال عبد الهادي  «^»  نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد الأول من مجلة نور الأدب
في باب السيرة / عبد الوهاب البياتي

في باب السيرة / عبد الوهاب البياتي
في باب السيرة / عبد الوهاب البياتي
ـ 1 ـ
ما كان لي أن أعود إلى كتابة تجربتي الحياتيّة ـ حيث يكون الشّعر فيها قسيماً مع سيرة الذات ـ لولا هاجس كان يراودني كلّما أخذ ذهني في الاستغراق ، وكلّما استرجعت الماضي باحثاً عن نفسي التي أضحت نهباً بين من استوقَفَتْ لديه ، أو من وَقَفَ هو لديها. ذلك أن ما لم يذكر يبقى هو الأهمّ ، وإنّ المرء ليظلّ مأخوذاً بالجديد المسكوت عنه أو الهامشي المحال خارج الإستدعاء بسبب الإنهماك بالأساسي المألوف الذي كثيراً ما يستحبُّ الوقوف عنده ، وتجليته إنسجاماً مع العرف الكتابي ليتشكّل منه ما يصطلح على تسميته بـ (السّيرة ) autobigraphy .
غير أن ما يستوقفني هذا اليوم لا يتعارض أو يلغي ما أثبتُّهُ سالفاً ، بل ليوائم بين ما تفرّق مبثوثاً يطلب صلته في موضع آخر من كتاب لاحق ، وقد يأتي هذه المرّة ـ بفعل تلاحقه ـ أكثر انسجاماً وأبدع إسترسالاً من ذي قبل.
كما يساق فيه ـ أيضاً ـ الجديد ، سواء ما كان وعياً به لاحقاً حيث تمضي السنون والمرءُ يقلّب ما عنَّ له فيستنتج منه شيئاً آخر ، أو يضع يديه على ما لم يكن يظهر له آنها من أمره ، أو ما كان جديداً مضافاً لم تسعف الذاكرة ـ حينها ـ نفسها على تسجيله ، فأتت به الآن لتضعه حيث يكون موضعه من رحلة الذات .
وإذا كان استحضار الفائت يستدعي معه الحزن ، إن كان جميلاً فلفواته ، وإن كان غير ذلك فلآلامه التي ندَّ عنها ، فإن من يقف على سجلَه اليومي مطالب ـ إضافةً إلى الموضوعيّة التي يجب أن يتحلّى بها قلمه ـ بالقدرة على اصطحاب الصبر ومجالسة الأشجان والدموع، وقديماً قال البوصيري عن الذّكريات :
أمِنْ تذكّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمْعاً جَرى مِنْ مُقلَةٍ بَدَمِ ؟ !
إلاّ أنّ ما يُنسى لا يموت في الذاكرة ، فيعودَ من جديد أساسيّاً بعد أن تشحذه الحادثةُ الآنيّةُ فتلقيه بين مدارجها مفتاحاً تفكّ به الملغّز والغرائبي والمثير ، وحتى أنّه يأتي في مرّات أخرى ـ أي المنسي ـ حاجة تستنجد بها الذات ، كما كان ساقي الفرعون الذي أوصاه النبي يوسف بن يعقوب (ع) أن يذكره عند ربّه ، فنسي أمر صاحبه ، حتى عاد له بعد أن بدت الحاجة ليوسف مفسّراً ما طاف بالفرعون حلماً ..
فالاستجابات إذن هي التي تخلق المتذكّر ، وهي ـ أيضاً ـ قد تبعده تبعاً لحيثياتها أو مكامن استغراقها في الزمان والمكان . ولا يعدو الأمر في النهاية إلاّ نسيجاً هلاميّاً غير واضح المعالم ولا دقيقٍ في تشكّلاته ، يهيمن عليه النقص مهما أوتي صاحب المذكرات من قوى يستحوذ بها على ما يودّ أن يسجّله ..
وهكذا فالمُتَذَكَّر هامش إذا ما قيسَ بالمنسي ، وما يكتبه صاحب السيرة أو من يترجم عنه ، يظلُّ إيماضات خُلَّب ، كما يظهر الأمر للصيّاد الذي يقفُ بالنهر فتأتي سنارته سمكة أو أخرى من غير أن يعني ذلك اكتفاء الصياد أو نضوب البحر ، بل يظلّ ما في البحر أكثرَ وأحسنَ ممّا في جعبة الصيّاد ..
أما وقد أصبح الأمر كذلك ، فقد وجدتني أطيل الوقوف بالنهر غير مرّة حتى أنالَ منه ما يجعلني أعود إلى أهلي ـ الذين ينتظروني ـ بجعبة ممتلئة تشعرني بحسن وفادة الواجب نحوهم . ولعلّ المقام يسمح لي أن أحرّرَ لعبة المجاز التي أتيت بها آنفاً للتوضيح ، فليس الوقوف بالنهر مرّات عدّة إلاّ معاودة كتابة التجربة الشعريّة كلّما رأيت ذلك ممكناً ، أمّا الأهل الذين ينتظروني فهم القرّاء حيث يطلق عليهم ف.أ ماثيسن ( مدينة الجماهير وثقافة الأقليّة ) ، وأمّا الجعبة الممتلئة ، فهي ما أنا بصدد كتابته حاليّاً ..
فكان شأني وأنا أكتب السيرة ـ المذكّرات هذه ، كشأني وأنا أكتب الشعر ، إذ كلّما انتهيت من كتابة قصيدة ، أشعر أنّي سحابة أمطرت كلّ ما عندها وظلّت تنتظر موسماً آخر لكي تستعيد عافيتها فتمطر من جديد ، وقد أحسست بمحنة كبيرة عندما نشرت ديوان ( أباريق مهشمة) فقد كنت أتجوّل ما بين الوهاد والوديان والقمم لكي أبدأ رحلتي من جديد وكنت أحسُّ أنني لم أستعد توازني بعد هذا إلاّ بعد كتابة ديوان ( النار والكلمات ) . وما يصحّ على تجربتي الشعريّة ، يصحُّ تماماً على هذه المذكرات التي تأتي بعد ما يقرب من ربع قرن حيث كانت تجربتي الشعريّة في كتاب حمل الإسم نفسه وصدر عام 1968م.
لقد أحسستُ أنّ ذاكرتي التي ازدحمت بغبار السنوات ، كانت تعجُّ بصور ورموز كثيرة ، كان يطمس بعضها الآخر ، وكان عليَّ أن أضع الإشارات والعلامات في هذه الذاكرة لكي لا أعيد أو أستعيد الذي كتبته . ثم جاءت مرحلة جديدة من حياتي ، وهي مرحلة إقامتي في إسبانيا التي استمرّت عشر سنوات أحسست فيها أنّني يجب أن أولد من جديد ، فلقد كنت استهلك نفسي تحت شمس صيف العالم العربي ، ولهذا فإنّني لم أكتب لا الشعر ولا المذكرات طوال أربع سنوات ، ولعل موت أو انتحار الشاعر خليل حاوي هو الذي ذكّرني بالشعر من جديد ، لأنّني كنت أعيشه ولا أكتبه ، وقد وجدت صعوبة كبيرة في كتابة قصيدتي عن موت خليل حاوي ، أشبه بصعوبة من يحاول الكتابة للمرّة الأولى في حياته ، لأنّ علاقاتي الاجتماعيّة والثقافية كانت تستنزف كلّ وقتي ، ولكنّ هذه النشاطات كانت أشبه بالقوت الروحي الذي كان يتجمّع في داخلي ، والذي سيظهر فيما بعد وبشكل مفاجئ بعد عودتي إلى العراق ، فلقد أحسست في عام 1990 م أنّني أجلس على نفس الطاولة التي تعلمت عليها القراءة والكتابة ، وكنت أرى نفس البيوت الهرمة لبغداد القديمة والتي كان بعضها قد تداعى وحلّ مكانه بيت جديد . وكانت الطبيعة تبدو لي أنّها أقوى من البشر والبيوت والمدن ، وبعبارة أخرى : إن إحساس الطفولة قد تلبّسني من جديد وكنت أشعر ـ أيضاً ـ بنفس أحزان الطفولة ، ولكنّني كنت أشعر في الوقت نفسه بأنّني قد كبرت ، وكانت المسافة الزمنيّة بين طفولتي وعام 1990 م أشبه بالمسافة بين العصر الجاهلي وسقوط بغداد على يد المغول ، كنت أقيسُ المساحة بالكلمات ، كما يفعل ت.س. إليوت عندما كان يقيس الزمن بملاعق الشاي .
غير أنّني كنت أتذكر الّلحظات الكونيّة والهواجس الإنسانيّة التي تحيل الحياة إلى ثنائيات متناقضة ، لكنّها تلفّ في أتونها السرَّ الأعظم، سرّ البقاء الذي يفرض علينا أن نتكيّف معه ، ومع هذا بقيت أردّد مع الأمير النائم الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت ، قصيدته ( ترجمة ذاتية ) التي يقول فيها:
هناك رجال يعرفون ألف نوع من
الأعشاب ،
وآخرون يعرفون أنواعاً من
الأسماك ،
أما أنا فقد عرفت أسماء الفراق
هناك رجال يعرفون من الذاكرة
إسم كلّ نجمة ،
أما أنا فقد عرفت أسماء الحنين
نعم ، لقد عرفت ـ كما عرف ناظم حكمت من قبل 1961م ـ أسماءَ الفراق والحنين جميعها . فمنذ نعُومة أظافري بدأت أعي سرّ الموت وسرّ الغربة وسرّ الصمت ، وكنت ألوذ بكتبي متأملاً الطيور والسحب التي كانت تغطي السماء في أيام الشتاء ، حالماً بالرحيل إلى مدن أخرى وإلى بلاد بعيدة..
وفي هذا الجوّ ـ أيضاً ـ كنت أكتب الشّعر ولا أكتبه ، إذ أنّ ذاكرتي كانت شاشة بيضاء تكتب عليها الكلمات ، لكنّها لا تلبث أن تمحى لأنّ الفضاء الذي كان يفصلُ بين الشّعر والّلغة في نفسي كان واسعاً ، وكنت أحسّ بالقلق لأنَّ هذا الفضاء كان يحولُ بيني وبين القدرة على التعبير عما كان يجول في خاطري ..
إنَّ الذكريات المستقاة من المعاناة الذاتية والجماعيّة ومن التراث القومي والإنساني الذي يحيط بصاحبها ، لا يتمّ اختيارها اعتباطاً ، بل إنّها تتجمّع كما تتجمّع برادة الحديد في مواجهة المغناطيس ، فالمغناطيس يلفظ كلَّ العناصر الزائفة الأخرى التي ليس لها علاقة بمعدن الحديد . وهكذا الأمر في مقدرة الشاعر أو الكاتب على النفاذ إلى جوهر المادة التي يتعامل معها والتقاط ما هو صحيح وثمين فيها.
ففي ( أباريق مهشمة ) الذي صدر عام 1954 ، رسمت في قصيدة ( في المنفى ) صورة الإنسان الذي يناضل كلّ يوم تحت الشمس ، والذي يمثل في نضاله أسطورة سيزيف حيث يمضى مدحرجاً صخرته التي لن يتحرّر منها إلاّ بالموت : ((الصخرة الصمّاء للوادي يدحرجها العبيد ـ سيزيف يولد من جديد )) ..
وحيث أن سيزيف هذا يحلم بالماضي ولا يتطلّع إلى المستقبل إلاّ كزمن يعود فيه الماضي الميئوس من عودته مع ذلك كلّه : (( تقضي بقية عمرك المنكود فيها تستعيد ـ حلماً لماض لن يعود ! ـ حلم العهود الذابلات مع الورود )) ..
وكما ظهر سيزيف في مسرحيتي ( محاكمة في نيسابور ) التي صدرت عام 1963 ، إذ أنّه ما يزال يدحرج صخرته في الوادي ، ويتأمله الخيّام ، ويرى شروطه في صورة بشعة ( القطط تأكل لحم يدي ) ، ويأكل الخيّام حزنه .
وترسم المسرحية الآلام والآمال والوسائل ، آلام مجتمع مريض متعفّن تحوّل بَشَرُهُ إلى ( نسخ مكرورة من كتاب أصفر ) مجتمع يموت الإنسان فيه بالمجان ، والآمال في مجتمع يبزغ فوقه نجم الثورة الحقيقية ، والوسائل تلك التي يعاقب الخيام على ارتكابها كما لو كانت جرائم وهي اختراعه التقويم الشمسي ( العلم التطبيقي ) ، واكتشافه أنّ الأرض ليست مركز الكون ، وأنَّ النجوم ثابتة ( العلم النظري ) وكتابة الرباعيّات ( الفن ) ، وتلك الوسائل الأخرى التي يجرّها النجم المنتظر وراءه ذنباً طويلاً لامعاً يحلم به الخيام ويبشر به عندما تسحقه الشروط وترغمه على تأجيل رؤاه ، والخيام يقول : ( أنا أمسكت بخيط مصيري هكذا وجذبته ، وها أنذا أسهر مع قمر الدموع لأبكي ، بكاء المقاتل المهزوم الذي رأى فجر انتصار الإنسانية من خلال ليل هزيمته ) . أما كتاب اقليدس ـ رمز التقدم ـ فقد امتدّت إليه يد غجريّة جرباء لتنزع منه بعض صفحاته .
ومن هذا كانت تجربتي الثقافية والروحيّة تؤدي بي إلى أبطال الأساطير والتاريخ ، الأحياء منهم والأموات وفي مفترق طرقات العالم المختلفة ، وقد تقبلتهم كلّهم : الصوفي والعاشق والمحارب والثائر والمفكّر ، تقبلتهم بشكل وجودي ، باحثاً عن لباب الثقافة الحيّة في تجربتهم . ولعل السبب في ذلك أنّني أنا نفسي أعيش شعري وثقافتي معيشة وجوديّة ، أي دون شروط ولا مقدمات .
فمن الناحية الايديولوجيّة ، أنا تقدمي دون أن أكون ماركسيّاً ، ومسلم عربي ، الايديولوجيا لا تفرض عليّ شروطها .
وفي رأيي أن الفنان مع حركة الابداع التاريخي والفني ، ومع كل ما يصبّ في حركة الإبداع هذه ، فهو لا يقف بين قوسي : ضدَّ أو مع، اللذين يشيع استعمالهما في الحياة الثقافية العربيّة : أحمر / أخضر ، أسود / أبيض ، تصنيفات لا تهمني .
المستقبل سيطرح شروطاً إنسانية جديدة . كما أنه يمكن الاستفادة من المعرفة الإنسانية والاستعانة بخبرات الشعوب من غير الوقوع في القيود والأغلال لهذه المعرفة أو تلك . أي يمكن الاستفادة من انجازات الفكر الإنساني من غير التحجّر في الثوابت التي وصل إليها . العرب كأمة مطالبون بالإبداع في سياق الإبداع الإنساني الحضاري من غير أن يكونوا تابعين ولا مستهلكين ومن غير أن يحبسوا أنفسهم في أقفاص النظريات والايديولوجيات التي تؤدي دورها وتنسحب من المسرح لتحل أخرى محلّها ، أي أنّ هناك عمليّة ثورة في الثورة ، كما أن هناك عمليّة إبداع في الإبداع ضمن كلّ الاجتهادات الإنسانية.
وفي هذا الصدد ارى أن التراث يسعف إسعافاً كبيراً في تمثل الحداثة ، فالتقارب بين الشعر الصوفي والشعر السريالي جعل الشعر يكمل بعضه بعضاً ، ما كان ينقص المتصوّفة المسلمين الشعراء ـ بخاصة ـ هو الرؤيا السرياليّة للعالم ، ولهذا تجد في شعرهم صراعاً بين الخضوع للموروث التقليدي والخروج عليه في كثير من الصور والمعاني . أما من حيث العطاء فالطريق واحد رغم أن الحركتين متعاكستان ، إذ أنَّ كشوفات السريالية النظريّة أكبر من إبداعاتها الشعريّة ، وأندريه بريتون ـ على سبيل المثال ـ الذي ظلَّ طوال عمره زعيماً للسرياليّة، كان مفكّراً ومنظراً أكثر مما هو شاعر . أما الشعراء الكبار في هذا القرن فهم الذين خرجوا من معطفها وتجاوزوها ، أمثال بول ايلوار ولويس أراغون . في حين أن الشعراء الذين توقفوا عند السرياليّة ومقولاتها النظريّة لم يفلحوا في إنتاج شيء ذي قيمة ، وعلى رأسهم بريتون ذاته .
التجربة قادتني إلى التشخيص في الشعر ، عمليّة السفر خلال الكلمات هي التي قادتني إلى التقنيات الفنيّة جميعها ، من غير وضعها في الحسبان منذ البداية . ففي لحظة ما تمّ التطابق بيني وبين الحلاّح في شكل خطير جداً ، فلم أجد بداً من كتابة القصيدة بهذا الشكل .
فالنقلات من مدرسة إلى مدرسة ومن مذهب إلى آخر ، تعود إلى خصوبة حياتي وأسفاري . ثقافتي متنوّعة وموسوعيّة ولا تقتصر على الأدب والشعر فحسب ، لديّ خواص ذاتيّة ـ أيضاً ـ فأنا لا أعيش الشعر أثناء كتابة القصيدة فقط بل أعيشه خلال حياتي اليوميّة فهي مليئة بالتأمل والتفكير ليس لديّ حياة اجتماعية تشغلني عن وظيفة الشاعر ، عندي شعور هائل بالحريّة لامثيل له . ثمة طريق يربط عالميَّ الجواني والبّراني ، من غير اختلاف ولا تناقض . أعبّر عن آرائي وأفكاري بحرية كاملة ولا أجد أيّة عوائق تعوقني . لا يوجد شُرطي صغير في رأسي على الإطلاق .
ونزعتي أنّه إذا كان للأشياء بداية ، فليس لها نهاية ، النهاية توجد في الأفلام والقصص أما مشاريع الحياة الحقيقية فليس لها نهاية . المشروع الثقافي الحضاري الشعري ليس له نهاية . النهاية في الحياة تكون للأشياء الصغيرة التي ترتبط بحالة البرجوازيّة الصغيرة كطبقة ذات طموحات اجتماعية وثقافية محدودة . ولا أتكلّم على البرجوازيّة الصغيرة بمعنى السياسة ، بل بمعنى المشاريع المحدودة التي تولد ميتة، التي يسمّيها طه حسين: جنة الحيوان أو جنة العبيط ، كأن يشعر المرء بأنّه جمع ثروة أو ربح من صفقته . بالنسبة للشاعر ، فهو كلّما أوغل في أرض الغربة وأعطى وأبدع شَعَرَ بظمأ روحي وبمزيد من الغربة . فالغريب الحقيقي لا يفكر بالربح والخسارة بالمعنى الاقتصادي أو الاجتماعي ، والفنان الحقيقي خارج هذه اللّعبة ، وإلاّ لكان مثل شعراء الحب الصغار الذين يقنعون بالتغزّل بحبيبات لهن أمكنة وأزمنة وأسماء معينة ، فتأتي القصائد عنهنّ محدودة.
إنّ الكتابة في العالم الثالث عذاب وليست ترفاً لأنّ الكاتب عندما يتصوّر أنّ الكتابة مجرّد كلمات وطموح نحو إبداع محض تتحوّل في مثل هذه الحالة إلى خدوش باهتة في سطح الواقع الفاسد ، وعندما يتجاوز العالم الثالث محنته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والكونيّة، فإنّ قاموس الكلمات يظلّ إحدى هيروغليفيّات أو مسماريّات هذا العصر الذي غرقنا في طوفانه الأسود ولابدّ من تصحيح الأمر فما يظنّ أنّه قاموس شتائم هو ليس كذلك ، بل إنّه قاموس أوصاف للعور والخصيان والطواويس .
إنّ كلمات قاموسي أسلحة في وجه اللّيل والشرّ والذل الكوني وضدّ الطغاة الصغار الذين يعيقون مسيرة البشريّة وطموح الإنسان نحو تحقيق العدالة والحريّة والديمقراطيّة . ولكن هذا القاموس لم يستغرقني شاعراً وإنساناً ، بل إنه يمثل جزءاً صغيراً جداً من عالمي الشعري وقد منح شعري هذا القاموس مذاقاً خاصاً قلّ أن نجده في شعر الآخرين .

عن سيرة عبد الوهاب البياتي ، منشورات دار الفرقد
تم إضافته يوم الأحد 17/01/2010 م - الموافق 2-2-1431 هـ الساعة 6:55 صباحاً
شوهد 1540 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 2.77/10 (2415 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall

الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved