خريطة المجلة الجمعة 24 نوفمبر 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد الثامن من \" نور الأدب
كنز جدتي / بقلم : د. حسن حميد

كنز جدتي / بقلم : د. حسن حميد
كنز جدتي / بقلم : د. حسن حميد
أجل،
في مثل هذه الآونة، رحل الزعيم جمال عبد الناصر.. فجأة، وهو في الثانية والخمسين من عمره، فترك رحيله حزناً ثقيلاً عرّش في البلاد، والبيوت، والنفوس مثل دوالي العنب.. ليس لأن الظروف العربية كانت صعبة وخطيرة، ولا لأن التشققات العربية باعدت ما بين البلد والبلد، والأخ والأخ، والروح والروح، ولا لأن مخاطر أعدائنا تضاعفت ونمت، ولا لأن القيادة السياسية العربية كانت بحاجة شديدة إليه وحسب، وإنما لأن جمال عبد الناصر كان الأمل العربي الطالع لدولة الاستقلال العربية التي رامت التخلص من كل التبعات الاستعمارية، والنهوض والتقدم للحاق بالركب الحضاري العالمي المتطوّر.
لا مراء، وليس من قبيل المديح، إن قلت إن صورة عبد الناصر استقرّت في النفوس العربية بوصفها المرتجى بعدما حازت أعماله وتوجهاته وسياساته على الرضا.. فقد كان، وعبر شخصيته القويّة، المأمول عربياً كي يعيد دورة الحضارة العربية إلى سابق عهدها في المنعة والقوة والحضور والعلم والعطاء والمناددة.. وقد واكبت شخصيته محبّةٌ شعبيةٌ عارمةٌ لم تقتصر على النخب السياسية والثقافية.. وإنما شملت معظم شرائح الشعب العربي، فقد كان مجرد ذكر اسمه، أو رؤية صورته.. يبعثان الرضا في النفوس..
أذكر، أنني كنت ابن خمس سنوات حين حدث الانفصال (1961)، ولم أكن أعي أي معنى للوحدة أو الانفصال.. ولم أكن أعرف من هو عبد الناصر أصلاً.. وكنت أعيش في بيت جدي وجدتي، ولم يكن معهما أحد سواي. كانت جدتي شخصيّة خرافيّة، مثلها في ذلك مثل الجدات جميعاً.. كان لها صندوق خشبي كبير له رهجة ولمعة وألوان وعلو يقارب طولي.. كانت تضع فيه كل شيء يخصّها، وكان بالنسبة إليَّ أشبه بمغارة سحرية.. فأنا، وعندما تفتحه جدّتي.. لا أستطيع أن أشمل محتوياته بنظري. كان كل ما فيه ساحراً وجميلاً وندّاهاً.. ما عدا دواء جدتي. كانت الجدة تفتحه في اليوم مرتين؛ مرة في الصباح وثانية في المساء.. كي تشرب من زجاجة زيت السمك جرعة، وكانت تمتص بعدها مباشرة قليلاً من ماء لنصف برتقالة مشطورة كي تُذهب رائحة زيت السمك التي عادة ما تفوّح أرجاء الغرفة برائحة لم أكن أحبها.. كنت أمدّ يدي نحو قاع الصندوق لألمس أي شيء فيه.. لكن نهر الجدة وهمهماتها يحول دون ذلك.. وكنت غالباً ما أمحو نهرها وقسوتها عليَّ في تلك اللحظات إذا ما سمحت لي بأن أمتصّ قليلاً من ماء نصف برتقالتها المشطورة.. لكن بصري وفي كلِّ مرة كان علوقاً بعلبة فضية اللون طويلة الشكل محكمة الإغلاق، حاولت وفي جميع المرات وحين تفتح جدتي الصندوق أن ألمس العلبة لكن نهرها، وصراخها بي من أنها ستغلق الصندوق فجأة.. وأن أصابعي ستفرم إن لم أستردها سريعاً.. دائماً كنت أسقط بصري على العلبة، ودائماً كانت العلبة تتخطف بصري.. ودائماً كانت يدي تذهب إليها، ودائماً كان نهر جدتي يبعد يدي ويبعدني عن الصندوق.. فقد صارت العلبة حيرتي وشاغلي وقد قرّت في نفسي قناعة أنها مملوءة بالأسرار، وإلا لماذا تحول جدتي بيني وبينها، لا بل إنها لا تريد مني أن ألمسها؟..
وحين مرّت الأيام، وغدوت كبيراً، وبعدما رحلت جدتي، آلت العلبة الفضيّة الطويلة محكمة الإغلاق ذات اللون البراق النداه ، آلت إليَّ، فاجتمعت عليها وكأنها كنز الجدة الذي ماشاني عمراً طويلاً حتى صار إليَّ.. ولخوفي على العلبة وأسرارها، لم أجرؤ على فتحها نهاراً، فأخذتها إليَّ ليلاً، وحين حملتها في يدي لم أجدها ثقيلة أو خفيفة.. فقلت في نفسي لعلّها مملوءة بالأوراق النقدية، الجنيهات الفلسطينية القديمة التي كان لها سمعة وقيمة لا تطاولهما سمعة وقيمة قبل عام 1948، أو لعلّ فيها مصاغ جدتي، ذهبها، لذلك وبحرص شديد فتحت العلبة التي لم تكن في أصلها سوى حاوية للشاي السيلاني الذي كان يستورده الفلسطينيون قبل عام 1948، فتحت العلبة فإذا بها محشوة بأوراق كرتون سميكة.. قلت في نفسي لعلّها خريطة سوف ترشدني إلى مكان المال الذي دفنه جدي وجدتي في أرضنا في فلسطين قبل خروجنا الفاجع، ففتحت الأوراق الكرتونية التي التفت والتفت حول نفسها وكأنها هي التي تشكل سر العلبة.. ووجدت الورقة الأولى الطويلة تفصح عن أنها هي (كوشان( الأرض، فقرأت ما فيها.. إنها أرض جدي وحدودها ومساحتها.. وقد كُتبت باللغات الثلاث العربية، والتركية، والإنكليزية.. وفضضتُ الورقة الثانية، وكانت أكثر طولاً والتفافاً.. وما إن بدت انفتاحاً حتى أشرقت صورة عبد الناصر، وبان وجهه.. وقد أحاطت به أعلام البلاد العربية.. وابتسامته البيضاء مشرعة مثل بيرق انتصار.. وحين نظرت في قاع العلبة متفقداً ما بقي فيها..لم أجد سوى مفتاح بيت جدي الطويل الأسود وقد عصفت به حركة يديَّ..
عندئذٍ.. لا أدري أي مشاعر أخذتني فطوفت بي.. إذْ لم يكن كنز جدتي سوى (كوشان) الأرض، وصورة الزعيم، ومفتاح البيت.. ولعمري لهذه هي الأحلام التي كانت تعيشها جدتي.. ولهذه هي الأسرار التي كانت تحرص عليها.. ولهذه هي، في اجتماعها، كنز جدتي الذي آل إليَّ.. ولكم أنا سعيد به.. معنى ومبنىً ومغنى.
تم إضافته يوم الإثنين 22/11/2010 م - الموافق 16-12-1431 هـ الساعة 2:51 مساءً
شوهد 1508 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 5.81/10 (1403 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

NETHERLANDS [نصيرة تختوخ] [ 04/12/2010 الساعة 4:34 صباحاً]
سلوكيات جدة قد تذكر بالكثير من الجدات و كنز ثمين كشفته نهاية القصة التي تمتع من يقرأها.
سعدت بالقراءة لك مجددا أستاذ حسن

أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved