خريطة المجلة الجمعة 24 نوفمبر 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد التاسع
" المجدُ ينحني أمامكم " للشاعر عبد الناصر صالح/ بقلم : محمد علوش

" المجدُ ينحني أمامكم " للشاعر عبد الناصر صالح/ بقلم : محمد علوش
\" المجدُ ينحني أمامكم \" للشاعر عبد الناصر صالح/ بقلم : محمد علوش

عند قراءتنا لديوان " المجد ينحني أمامكم " للشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح، المنبثق من رحم المعاناة، ومن ذلك النبض الفلسطيني، نحس ونتذوق نكهة أخرى للشعر على مستوى العمق والكثافة الشعرية، نقف أمام الشعر الحقيقي الذي يحمل قضية والأكثر إصراراً على حمل الرسالة، مشتبكاً مع الحياة وممسكاً بتلابيبها، ويزخر بالفعل والحركة والصراع.
ينحني المجد أمام شهداء عبد الناصر صالح، الذين صنعوا من دمائهم منارة وأطلقوا أغنيات النّصر وهم يحملون أرواحهم على أكفّهم ويغيّرون مسار تاريخنا ويستنطقون الزمان:
" المَجْدُ للشَّهيد،
يَبْزُغُ النَّهارُ من شريانهِ
ومن عَيْنَيهِ يَطْلُعُ القَمَر.
وتبدأ الحياةُ من يَدَيْهِ
تَصْهَلُ الخُيولُ من أهْدابهِ
ويَخْرُجُ المُلثّمونَ من دمائِهِ
ويورقُ الشّجَرْ ". ص73
وللشهداء حضورٌ مميزٌ في أشعارِ عبد الناصر صالح عامة، وفي هذا الديوان بشكل خاص، وشهداؤه يعمّدون أجسادهم بالرمل " داخل السجن "، ويتسابقون من أجل أن يشكّلوا بدمائهم جدلية الموت والحياة ويلتحقون بالركب الطويل إلى احتفال الروح، صاعدين إلى قمم التوحّد، ويكتبون وصاياهم بحبر دمائهم ويقرؤون على البحر السلام:
" يتسابق الشُّهداء،
يلتحمون بالرّملِ القديمِ
يسافرونَ لعُرسهمْ
يتعانقونَ بمهرجانِ المسكِ والحِنّاءِ،
كَمْ حَلِموا بعيدِ الأرضِ
واحْتَفَلوا بأسْماءِ الجبالِ،
وشيّدوا للرّيحِ عاصِمةً
أعدّوا للنَّشيدِ الحُرِّ،
أسْرابَ العصافيرِ التّي اجتازتْ سياجَ الموْتِ
واجْتَمَعَتْ على أرضِ النَّقَبْ ".
ص94
عبد الناصر صالح يتكئ على روافع الإبداع " وفي قصائده يلتقي الشجن العذب بالموسيقى الهادئة ويتعانق السؤال القصيّ بالسؤال الأكثر حميمية ودفئاً"(1)، وهو يغذي قصائده بعناصر الحركة وانطلاق الخيال في فضاءات الشعر، يغمس كلماته بدم القلب وهو يجسد بقصائده تجربة إنسانية عميقة ومستفيضة عاشها على جلده في زنازين ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي الغاصب في محاولة لكسر الإرادة وإطفاء جذوة النضال وإخماد حرائق الشعر، إلاّ أنّه ومن داخل السجن صاغ نشيده بحسٍّ إنسانيٍّ مرهف وهو يعيش اللحظة الفلسطينية في السجن الإسرائيلي وإن كان مجرد رقم خلف ستائر العتمة..
ينضح الديوان بإرهاصات الشاعر اللغوية والإيقاعية وهو يمضي عبر قصائده مثل حصانٍ جامحٍ منتشياً بالبوح والتحليق، بعيداً عن الغموض والإغراق، شفافاً ومتّزناً على مستوى اللّفظ والصّور والأوزان ويعرف كيف يَشدّنا إلى شعره وهو يمتطي صهوة النشيد بكل خصائص التجربة، وفي ديوانه خطرات وومضات من عذاباته وأوجاعه وفيه إشراقات من أشجانه وأحلامه، وقد كتبت قصائد هذا الديوان كما يبدو في معتقل " أنصار 3 " في صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة، عندما كان الشاعر معتقلاً على خلفية انتمائه لقضية شعبه العربي الفلسطيني .
وشعر عبد الناصر صالح يمكن وصفه بالتراجيديّ المسكون بهاجس الوطن الأسير المعذب، وأوجاع الإنسان الفقير المسحوق المحارَب بالجوع والحرمان، وقد خرجت كلمات الشاعر من بين سجايا اللحظة الشعوريّة صادقةً وعفوية ومشحونة بالإرث الحضاري والمشاعر الجيّاشة والحالمة وهو يلتحم التحاماً عضوياً بقضية شعبه معمّقاً مفهوم الانتماء ومنتقلاً، لا شعورياً، من همومه الذاتية إلى الجماعية، يخوض معركته مع الأنا والآخر وبين الهنا والهناك، مجسداً بكلماته صوتاً للمعذَبين الباحثين عن الحقيقة والخلاص، وهتافاً للروح المتوهجة ببوح القصائد، وشعره يحمل مفاهيم ورؤى مختلفة ومتعددة وأكثر ما يميز قصائد عبد الناصر صالح كما يقول شهاب محمد (2) أنها تأتي مزدحمة بالصور، غنية بخيال خصب وأمينة على الواقع، وهي بالإضافة لذلك، صادقة كل الصدق وبعيدة كل البُعد عن ما يمكن أن يُسمى ترهّلاً أو تكراراً أو إطالةً مملة، إنها بناءٌ قوي وسليم تؤدي فيه كل كلمة فعلها ودورها وأهميتها وتأخذ فيه القصيدة بُعداً دقيقاً ومدروساً بين الرمز والمباشرة... وإذا كان الشعر هو " الكشف عن عالمٍ يظلّ أبداً في حاجةٍ إلى الكشف " كما يقول رينيه شار، فهو أيضاً عملية ملاحقة للجهد النفسي وهو الحصان الجامح الذي يمتطيه الشاعر وهو نشيد الروح والفكر والخيال والفلسفة، وهو مهمة بحث عن الأشياء المفقودة في شرايين المكان المأساوي متراكم العجز، وهو الحرية بكل معانيها وتجلياتها، وهو أيضاً، فنٌّ غايته التعبير الجميل عن الذات في لحظة الكشف والرؤيا، يخاطب العقل ولا يخضع لقوانينه، ومهمّته الفريدة هي النفاذ فيما وراء الظواهر المتناقضة المُبهمة ليكشف، بالحدس والرؤيا، أسرار الوجود الحقيقي ووسيلته إلى ذلك اللغة، ولذلك فإن الشِّعر لغة، أيّ وليد مخيلة خلاّقة لا تعمل عملها الفنيّ إلاّ باللغة كما يرى يوسف الخال (3)، والشاعر الحقيقي من ينطلق من قواعد لغته كما ينطلق عبد الناصر في إطار حدود هذه اللغة النابعة من تراثنا الأدبي المتوارَث.
قصائد الديوان جراحٌ نازفة ومخضّبة بالدّم ومسكونة بالوجع الإنساني ونبرات الألم ورنّات الأسى والمعاناة في هذا العصر الأغبر المشتط، نكتشف من خلالها طريق آلام جديدة وهي تجسد عذابات " عوليس الفلسطيني "؛ حيث الحزن والمرارة، وهي تحمل أيضاً كل معاني الثورة والغضب والإصرار والأمل، والمسافة محترقة بين ما هو خاصّ وما هو عام، يتجلى وجدان الشاعر وهو يطلق قصائده في الهواء الطّلْق ويتركها على حالها تقول ما تشاء بلغة " سهلة وممتنعة " وشفّافة ومتدفّقة ومغلّفة بالرمزيّة، وهذا ملمحٌ آخر من ملامح قصائده، وهو بذلك يُرضي قلبه وعقله وعاطفته وذائقته لأنه يؤمن بأن الشعر هو العاطفة أولاً وأخيراً، وهو الإشراقة الفاعلة والفسحة الوضّاءة في ظلمة اللحظة الحضارية وهو الهواء المنعش من قيظ لا مفر منه، ويتساءل الشاعر كيف يرسم فوق جبينها "هي" زنبقةً تتفّرس وكيف يجدّد فيها انتصارَ الضّحية على الجلاّد في مثل هذه اللحظة الحضارية وبأية طريقة:
" هل صَرْخَةٌ أنتَ مكْتوبةٌ في نَسيج النَّوافذِ
أم أنتِ دوّامةٌ تَتَجَسّدُ،
في باحةِ المُدنِ المقْبلاتِ من اليَقْظَةِ البكْرِ
يَمْلأنَ بالبَرْقِ خارطةَ الوَحْدَةِ النّاقِصَةْ ؟".
ص119
يدفع عبد الناصر صالح بقصائده إلى آفاقٍ وجدانّية ومعرفيّة وهي تحلّق في فضاءات الحداثة وتخطو بصلابة على أرض صلبة، واثقة الخطوات وغنيّة بالموقف الشعري ولغتها الإيحائية.
" مرثيةٌ لفارس القصيدة " قصيدة زاخرة بالمعاني والصور الشعرية ومشاعر الوفاء والبراءة في رثاء الشاعر لوالده الشاعر، وهذه القصيدة ليست قصيدة رثاء عادية، بل قصيدة شوق ومناجاة، يفتح صفحات من سيرته الطيّبة العطرة مستذكراً والده وقد عاش مناضلاً ومقاتلاً ومطارَداً وشاعراً ومُعلّماً يعلّم الأشجار فاتحة البراعم وينقذ العمر الجميل من الضّياع وينثر الحنّاء فوق ربيع فلسطين المقتول بسيف الخيانات.. يبكي الشاعر أباه، مُكذّباً لحظة الموت الأولى، يوجّه أسئلة فاجعة وقد رحل فارس القصيدة:
" هذا دُخولك في احتفالاتِ الصُّعود،
ومهرجان اللّوز،
فاقرأ للسَّنابلِ قصّةَ الوطن الجريحِ
وللعناقيدِ النَّديَّةِ سورةَ التّكوين...". ص36
في القصيدة مرارة الفقد والخسارة وشعورٌ باليُتم، يبوح الشاعر بأحزانه من شجون وآهات بعد أن صار الموتُ حقيقة وأُسكِنَ الجسدُ المنفيّ في وجع التراب وجفَّ فيه الماء بعد أن كان جبلاً وعنيداً بذخيرته المعنويّة ومضرَّجاً بالقُرنفل:
" كم مَرَّةً سأموتُ بَعْدَكَ
كم سَيَقْتُلُني رَحيلُك،
قُمْ إليكَ
وقُمْ إليّْ.
قُمْ للقصيدةِ مَزّقَتْ أوراقَها الأُولى
نهاياتُ الفُصولْ ". ص38
ولا تختلف هذه القصيدة من ناحية المضمون والأسلوب كثيراً عن القصائد الأخرى في المجموعة.
يتفاعل الشاعر بصورة تلقائيّة مع قضايا شعبه المعذّب والمسحوق، ويتحول إلى بؤرة شديدة الحساسية تعبّر عن الألم الفلسطيني الطويل، ولكنها تتجاوزه نحو الأمل والحلم.. وتمتاز قصائده بالصدق والانفعال العميق والتوهّج، تسمو إلى أرض التجلّيات الإبداعيّة بأسلوب رقيق ومفعم بالإيحائية البعيدة عن الاجترار والمباشرة، " وتصبح اللغة عنده أداة كشف التجربة وبلورتها وأداة الرؤية العميقة التنبؤية التي تستكشف الذات والعالم من حولها.." (4)، وقصائد الشاعر لا تهادن موضوعها وتبحث عن الطزاجة والبكارة والاختلاف، وتحافظ على مكانة مميّزة في الشعر الفلسطيني الحديث وهي تحاكي واقعاً وتنتصر بإرادتها وعمقها الفلسطيني والعربي على الأوهام الصهيونيّة المدجّجة بالحقد والجريمة والتشويه، وفي ذلك تأكيد بأن الشعر أكثر إصراراً على حمل رسالة الشاعر الوطنية والتعبوية:
" وتسقط هيبةُ الغازينَ في وحل الحُفَرْ.
حَجَرٌ على لَهَبِ الرَّصاصِ قد انتَصَرْ
دَمُنا على الموتِ انتَصَرْ
دَمُنا تجلّى وانتَصَرْ ". ص83
عبد الناصر صالح، في هذا الديوان، يكرّس شعره لفلسطين، الأرض والإنسان والحلم والحقيقة، ويكشف من خلاله الكثير من الذكريات والعذابات، يغنّي فيه للحرية والفرح والميلاد ويمجّد الانتفاضة المعجزة التي صنعتها السواعد السمراء والنفوس الأبية. وقد عبّر الشاعر، أيضاً، عن واقع الأسرى ومعاناتهم داخل المعتقلات ويمكن أن يُصنَّف هذا الديوان بديوان السجون والمعتقلات؛ حيث الأحاسيس الصادقة والمعايشة الواقعية للأسرى وحياتهم اليومية خلف القضبان.
عبد الناصر صالح يرسم خارطة جديدة للشعر، يغذّيها من روحه، وهو شاعر متمرّس " في شعره الشّعر " وممتلك لأدواته ومكتنزاً باللغة، ويحافظ على عناصر القصيدة والخلق الشعري ويتقن المراوحة في نبرة الخطاب ( فهو ينقلنا من نبرة الحزن والتفجع إلى نبرة الحنين والأمل، ثم الغضب والانفعال، ثم السخرية والترفع عن خطايا عالم لا يرحم..)، وله صوته الخاص وإيقاعاته الخاصة وجنونه المحلّق في فضاءات الشعر، وهو شاعر صادق الأداء أولاً وقبلاً، وقد جاءت قصائد مجموعته " المجد ينحني أمامكم " بمضامينها الإبداعية المتميزة تحريضاً على الفعل الذي يكسر الواقع ( وهذا يؤكد مقولة أن الشّعر محرِّض غير بريء ) ويتلمّس الطريق نحو واقع جديد ويعكس واقعاً فلسطينياً معاشاً وهو يعبر عن طموحات وأحلام شاعر يعيش الواقع ويعيش التجربة مع شعبه منطلقاً إلى آفاق الوطن المُنتَظَر:
" وفي زَمَن الإنتفاضَة
يَنفَجرُ الأحمرُ القُرمزيُّ
ويبتديء الوطن المُنتَظَر ". ص129
بإحساس الشاعر يتنبأ عبد الناصر صالح بانتفاضة شعبه التي أعادته إلى الصدارة، ورؤيته تختلف وهو ينظر لهذه الانتفاضة الشعبية في عزها وتوهجها وهي تُحدث الانعطافة التاريخية للقضية الوطنية الفلسطينية وتكسر الواقع بإرادة أطفال الحجارة شاهدي العصر وشهداء الحقيقة الفلسطينية.
عبد الناصر صالح شاعر فلسطيني وعروبي أصيل من لدن تجربة شعرية غنيّة ومتألّقة، وما زال شعره يبشّر بالكثير، تكتبه القصيدة قبل أن يكتبها.
--------
(1) قول للشاعر د. عبد العزيز المقالح ـ صنعاء.
(2) شهاب محمد: شعراء فلسطينيون ج1، عناة للنشر والطباعة / رام الله 1998م.
(3) يوسف الخال: في كتابه الحداثة والشعر.
(4) قول للناقد د. خليل الشيخ ـ عمّان.


تم إضافته يوم الخميس 21/04/2011 م - الموافق 18-5-1432 هـ الساعة 10:59 مساءً
شوهد 1559 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 4.83/10 (1092 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved