خريطة المجلة الأحد 19 نوفمبر 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد العاشر
الزر المقطوع / قصة : لبنى ياسين

الزر المقطوع / قصة : لبنى ياسين
الزر المقطوع / قصة : لبنى ياسين
أتأمل الزر المقطوع لثوب الزفاف الأبيض المصلوب منذ الأزل في زاوية منسية لخيبة تأبى فراقي، لم يكن يومها مجرد زر فقد انتماءه إلى ذلك النسيج الأبيض الناصع المطرز بطريقة يدوية لتضفي عليه بهجة يوم باذخ ، بل كان بداية لسلسلة من الانقطاعات التي مرت بي وحولتني إلى شتات روح تتنفس الفقد وتهوي بها أوجاعها إلى قاع الحياة.
اثنتان وعشرون سنة عاشها الزر بعيداً عن ثوبه بانتظار إبرة تلم شتاته وتجمع بعثرة أيامه، لكن الإبرة كانت تتلوى في حضن أوجاع أبدية لأصابع لم تستطع أن تغفر لهذا الزر الأبيض تمرد انقطاعه.
سامحها الله ابنة لي لم ألدها، لماذا أعادتني إلى حضن ذكريات زر مقطوع؟؟!.

عندما رن جرس الباب في الصباح لم أكن أتخيل أنها هي- ابنته الجميلة- ذات العشرين ربيعا، تمد لي كفاً حريرياً ينبت الفرح بين أنامله بـِبطاقةِ دعوةٍ لحفل زفاف، والهوى يترامى من عينين ناعستين، وهي ترجوني بحروف تتمايل دلالاً وفرحاً أن أضفي إلى حفلٍ هي نجمته وشمسه بهجة حضوري، مسكينة صغيرتي ما درتْ بأن خسارة القلب الدامية كانت فوق احتمال أوردة الفرح حين وقف على مفترق وجعـين، ما كان أحدهما أقل أنيناً من الآخر فتداعى وفقد معنى البهجة، كدت أستوقفها لأحذرها من غدر زر أحمق تتداعى معه أفراح العمر وأمانيه فوق رأسها، لكنني لم أفعل، فقط عزمت على الذهاب إلى جدتها التي كانت مشروعا فاشلاً لقرابة تجعلها جدة لأطفال لم ألدهم، ولا أنا ولدت غيرهم، لأهنئها بزواج حفيدة لها كان يفترض أن تكون ابنة لي .
تعود بي ذاكرة الوجع إلى ذلك اليوم، يوم أن تهاوى ذلك الزر اللئيم من ثوب زفافي وأنا أجربه قبيل الزفاف بثلاثة أيام.. كان الثوب جميلاً كما ثوب أميرات الحكايات والأساطير، ناعماً كحلم عاشق ليلة لقاء أزليّ، ناصعاً كأحلام نسجتها على حوافِّ الفرح، وطرزتُ بها زوايا أمنياتي المبعثرة في انتظار ذلك اليوم، يومها شهقتْ جدتي وصرختْ: لقد قطعتِ الزر، ذلك فأل سيء.
ابتسمتُ وقلتُ لها: وماذا في ذلك سأخيطه بعد قليل ؟؟؟؟.. لكن ملامح الغضب لم تتلاشَ من على محيا جدتي رغم وعدي لها، وحدي لم أكن أؤمن بشؤم الأزرار المقطوعة، ولم أكن قد عرفت بعد مرارة أوردة الدم عندما تتقطع بسبب حفنة من المال.
مشيت مختالة بفستان الزفاف الأبيض، وأحلامي سحاب من الأمنيات أسمع عليه وقع خطواتي التي تستعرض جمال الثوب وصاحبته في آن واحد.. دخلت غرفتي، خلعته، علقته بعناية، ثم غلفته خوفاً على بياض ناصع لم أردْ أن يفقد بريقه بهفوة من غبار الغرفة، ووضعت الزر الأبيض الذي يشبه لؤلؤة أخرجت من محار الفرح في علبة صغيرة، وقد أرجأتُ خياطته إلى مساء ذلك اليوم، فما زال على عاتقي أن أرتدي ثوبا آخر وأرتب نفسي لعقد القران، ولم يتبق لحضور القاضي مع أخي وخطيبي إلا ساعة أو أقل قليلاً.
ارتديت ثوباً وردياً كما أحلامي، وتركت لشعري حرية الانفلات من قيوده ليغطي ظهري، رسمتُ عينيّ وشفتيّ، ورششتُ العطر على جسدي، ووقفتُ أمام المرآة أسألها: هل هناك من هي أجمل؟؟ ولم ترد مرآتي، فقد كان جلياً أنني كنت صاحبة الجلالة في مثل هذا اليوم .
كان خطيبي ابن جيراننا، لذلك لم يكن الأمر رسمياً بالقدر المتعارف عليه، دقتْ أمه جرس الباب، وركضتُ هاربة إلى غرفتي لئلا تراني قبل أن أضع لمسات الجمال الأخيرة مضيفة أناقة فرح باذخ إلى لوحة كونتها مشاعر السعادة على مظهر فتاة حالمة تحتفي بفارس أحلامها.
هذه المرة علق زر ثوبي الوردي وكاد ينقطع، وحمدتُ الله أنه لم يفعل، فجدتي لن تسامحني لو حصل ذلك للمرة الثانية في هذا اليوم، ومن يدري ربما تملكتها مشاعر التشاؤم وخربت تدابير الفرح بلون الغضب الخارج من كلماتها.
رن الجرس مرة أخرى، وجاء أخي وخطيبي عارف، و استعجلتني جدتي لأن أخي يريد التحدث معي في أمر هام بحضور خطيبي، أسرعت ميممة مكانهما، وأنا أجزم أنه يريد أن يسألني عن موافقتي كما هي العادة في مناسبة كهذه، وأفكر في طريقة تجنبني إحراج جواب لسؤال كهذا في حضرة العريس، وعندما دخلت عليهما كدت أقع من فرط التوتر والفرح والحياء والمشاعر المتجمعة في قلبي .
أشار أخي بيده أن اجلسي فجلست، قدم لي ورقة وهو يقول: هذه الورقة تنازل عن ميراثك عليك توقيعها الآن قبيل عقد القران، فمحلات أبي التجارية وأمواله التي قضى عمره بجمعها لا يمكن أن تذهب إلى غريب، هي لعائلتنا وستبقى كذلك ولا أظن أن عارف سوف يمانع .
صعقتني كلمات أخي، وبدا لي أن ما أعيشه في تلك اللحظات ما هو إلا كابوسٌ بغيض سوف أستفيق من مرارته على وقع الفرح، فتلك هي المرة الأولى التي يقدم فيها أخي على شيء كهذا.
نظرتُ إليه، فمد يده بالقلم، نظرتُ إلى عارف، فإذا بوجهه متكدر وقد تغيرت ملامح الفرح التي عرفتها على محياه ، ارتبكتْ أصابعي وسقط القلم مني .
التقطه أخي ثانية وقدمه لي قائلاً: هيا وقعيها لم يبقَ لدينا وقت كاف، سيحضر القاضي في أي لحظة.
باغتتني حركة عارف وهو يقف بقوة قائلاً: لا لا توقعي، لن أرضى بأن تتنازل زوجتي عن حقوقها، ثم أدار وجه الغاضب نحو أخي مضيفاً : أي حق تملكه لتحرمها من ميراثها؟؟!.
أجاب أخي وقد وقف بدوره : لم تصبح زوجتك بعد، ولن تصبح ما لم توقع التنازل .
أجاب عارف: ولن تصبح إن هي وقعته.
لم أقـوَ على الوقوف مثلهما، فاكتفيت برفع نظري إليهما، وجدت نفسي وقد ضاعت مساحة جسدي أمام عملاقين يحيطان بي من اليمين والشمال، ويناقشان حقوقي دون أن يسمعا لي صوتا، لم يعد أحدهما يلتفت إليّ وقد احتدم النقاش بينهما ،وكأنني تلاشيت خلف شفافية هواء لم يعد نقياً كما ينبغي وصرت كائناً غير مرئي، وبدآ يتبادلان الاتهامات بالطمع والانتهازية دون أن يلاحظا وجود بقايا إنسان بينهما .
تحولت في هذه اللحظة إلى نملة صغيرة كان في وسع أحدهما أن يدوسها برجله دون أن ينتبه إلى أنه حطم كائناً ما ، أي خيبة تليق بكائنين يتشاجران بدعوى مصلحتي ولا يلحظان حطاماً يكتب سطور نهايته في حضرة الانكسار؟؟!
وارتفعت أصواتهما أكثر، وما هي إلا لحظات حتى طرد أخي خطيبي في الوقت نفسه الذي كان فيه القاضي يدق الباب، فاعتذر له أخي لأن الزواج قد أُلغــي ، وعدت أشدُّ خطى وجعي إلى غرفتي في طريق خلته لن ينتهي قبل أن تنتهي دقائق عمري المتبقية.
ما بين استدارتين ظالمتين لزر خائن وخاتم مخلوع كان عليّ أن أحدد اتجاه خيبتي، كانت جملة واحدة قد انغرست في عقلي وحمـّلت فوضوية الهوى جريرة انكسارات الأحلام، أي فضيلة لحب ينتهي بقلب صاحبه خالي الوفاض ممن يحب لأجل حفنة من المال؟؟! أصبح لجملة ( لن تصبح زوجتي إن هي وقعت) وجع نقوش خطتها أنامل الخيبة على شريان قلب ينزف، فأقفلت باب الخوف على ضفاف الهوى وتركت صورته تتلاشى بين دخان الشك و نيران الخيبة.
بعدها، خطب عارف فتاة أخرى، وتزوج، وأنجب، بينما بقي شرط أخي المجحف عائقاً بيني وبين أي مشروع فرح، لم يكن من حقه الاستيلاء على ميراثي، ولم ينفع مرور السنين وأنا قعيدة البيت أتجرع فنجاناً من الخيبة كل صباح تفوح رائحته من أشلائي المبعثرة في تغيير رأيي، هل كان الأمر عناداً أم قناعة أم خوفاً من مستقبل مجهول يعيدني إلى كنف أخي فيتصدق عليّ بمالي وهو منّان، أو يرمي بي بعيداً عن ممتلكاته، دون أن يذكر أن أموالي آلت إليه مقابل حريتي؟؟ .
يا الله لماذا يصبح للفقد مرارة الفطام الأول كلما طـعـنـّـا في الحياة؟؟!
سامحك الله يا ابنتي..يا ابنته..أي جرح نكأت في قلبي صباح يوم مشرق كهذا؟؟!
أغلقتُ الباب دونها بعد أن اعتذرتْ عن الدخول مصطحبة فرحها وشبابها لتلم شتات أشخاص في احتفال بغرس أمانيها في رحم الحياة علها تثمر عن السعادة المرجوة في مناسبة كهذه، أشخاص أفقدتهم الدنيا صور بعضهم منذ زمن طويل في سلسلة لا تنتهي لانشغالاتهم بمطبات الحياة ووعورة مساراتها ومنعطفاتها اللا نهائية.
وحدي أنا لم تشغلني الحياة، بل تركتني أصارع فراغاً هائلا ً في كل تفصيل من تفاصيل حياتي, وتركت لي قلباً خالياً إلا من أوجاع مزمنة نسيتها أنامل الزمن على شغاف زواياه التي جمدها صقيع حاضر لا جديد فيه.
بعد أن ذهبتْ بفرحها داهمتني ذكريات عملتُ جاهدة على تركها لغبار الزمن يتعشق تفاصيلها المرمية في زاوية النسيان، وباغتني وجه عارف ينسل إليَّ من ضفاف العمر الهارب بينما كنت أمسح غبار الصمت عن مشارف خيبتي المدفونة تحت ألف حزن وحزن، وجهه الذي انسكب في أوردتي وتمدد على عرش الهوى حتى النواح، وجهه الذي دفنته تحت حدائق الحزن وغابات الخيبة التي تمددت ذات وجع في حناياي ، وصلبني على مفترق دامٍ لهزيمة داهمتْ أحلامي أجهش وجعاً، وجهه الذي كان يلوي ذراع النسيان كلما طعنتُ في الحياة مثـقـلة الخطى بذاكرة الفقد، أعادتني ابنته بزيارتها وبطاقة الدعوة لحفل الزفاف المتخم بالفرح لذلك الزر المشؤوم، فاتجهتُ إلى تلك الخزانة المقفلة على سنوات من الفقد، وأخرجتُ ثوب الزفاف المصلوب خلف الأبواب المواربة الضائعة بين النسيان والذكرى، وعزمتُ على إعادة الزر إلى مكانه، لكنني بدلاً من ذلك وضعت الخيط والإبرة والزر جانباً، وعدت وارتديته ثوب زفاف يفتقد زراً وفرحاً، ووقفت أمام المرآة أسألها : هل هناك من هي أجبن مني ؟؟
فأطرقت مرآتي خجلاً هذه المرة.
***
تم إضافته يوم الإثنين 30/05/2011 م - الموافق 28-6-1432 هـ الساعة 4:08 مساءً
شوهد 1553 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 4.02/10 (1018 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved