خريطة المجلة الأحد 19 نوفمبر 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد العاشر
الحاجز / قصة نبيل عودة

الحاجز / قصة نبيل عودة
تعكر الجو منذ بداية هذا اليوم ، عندما كان احمد في طريقه إلى عيادته ، اعتراه شعور من القنوط والتهيب الذي لم يعرف له سببا . حاول أن يعود بذاكرته إلى اللحظة التي فتح فيها عينيه هذا الصباح ... عله يجد جوابا لما يعتريه الآن وهو يقود سيارته..
ساعة استيقاظه هي نفس ساعة الاستيقاظ المعتادة منذ فتح عيادته ... حتى أيام الراحة يستيقظ تقريبا في نفس الوقت، مع فارق بسيط انه يتأخر في قلع البيجاما .. إلا إذا طلب لعيادة مريض ما .. ولكن منظر الشوارع المألوفة والمعروفة له منذ نعومة أظفاره يجعله قانطا ومتهيبا من شيء مجهول
اغتسل وارتدى ملابسه .. زوجته واصلت النوم كعادتها .. سخن الماء ، اعد كوب شاي بالنعناع ، ارتشفه ببطء وهو يسمع نشرة الأخبار ، رطب وجنتيه وعنقه ببعض الكولونيا .شد ربطة عنقه ، تناول حقيبته وخرج وزوجته لا تزال تغط بالنوم ، تفاصيل روتينية يكررها كل يوم .. إذن ما الباعث لشعور القنوط والتهيب ؟!
شغل محرك السيارة لعدة دقائق .. ثم انطلق في الاتجاه المعتاد الذي الفته عيناه.
******
الأحداث في القطاع انفجرت من جديد. عدد مجهول من القتلى وعشرات الجرحى . هذا ما فهمه احمد من المكالمة التلفونية، حيث طلبوه في المستشفى للمساعدة. هذا الطلب بحد ذاته يشير إلى العدد الكبير من الإصابات الصعبة .
بعد ذلك فهم الحادث بالتفصيل ، , بداية الحادث أن دورية عسكرية اعترضت مجموعة من التلاميذ المتوجهين للمدرسة ، وأمروهم بالتفرق وعدم السير الجماعي نحو المدرسة .. ويبدو أن التلاميذ لم يبلعوا هذا الاستفزاز هذه المرة فالتراكم يولد الانفجار ، هذا مفهوم ، احمد نفسه كاد ينفجر مرات أمام الحواجز . .. ولكنه يبلعها في اللحظة الأخيرة ، المؤكد أن التلاميذ لا يملكون ضوابط كالكبار . والمؤكد أيضا أن الانفجار سببه ليس الاستفزاز الوقح الجديد... إنما هي سلسلة متواصلة من الإهانات اليومية المتكررة .. أن تعيش تحت طقطقة الأعقاب الوحشية، أن تعيش طفولتك وشبابك أمام حواجز الجند ونظراتهم الحاقدة .. أن تعيش كل يوم في انتظار الفرج الذي لا يبدو انه قريب .. أن تعيش حالما بالفرح الإنساني ، بينما واقعك مليء بالترقب لرصاصة من فوهة بندقية يحملها جندي ما ، كل ذلك يتجمع لينفجر في لحظة ما بعنفوان لا ضابط له . ربما قاعدة الحياة صارت تختلف . ساعات الهدوء في القطاع والضفة هو الشذوذ .. بينما الانفجار يكاد يتحول إلى قاعدة.
هذه الأفكار راودت احمد خلال توجهه السريع إلى المستشفى.كانت تتنازعه شتى المشاعر والأحاسيس، ويحاول أن يضعها في إطار منطقي . كثير من المسائل لا يستطيع قبولها أي منطق . مثلا مسألة القتل اليومي .. القتل بمفهومه المباشر.. أن يطلق جندي ما رصاصة فيسقط فلسطيني . أو القتل بمفهومه الإنساني ، باستمرار الوضع القائم .الحياة تحت أعقاب البنادق وتحت أحذية الجنود ، ومواجهة عملية الإذلال والبطش اليومي ؟!القتل بمعناه المباشر قد يبدو أكثر إنسانية من مواصلة الحياة تحت حراب الجند وأحذيتهم .. القتل يعني نهاية المعاناة هل تكون عملية تخليص شعب من معاناته ، بقتله ، بتصفيته جسديا ؟!
قد تبدو هذه الفكرة إنسانية في هذا الزمن الرديء.. أم الزمن العربي لوحده الرديء في هذا العصر ؟! سأل نفسه واستطرد مفكرا :
- الدول العربية لا تحرك ساكنا لفضح الواقع المأساوي لشعب صار القتل حادثا يوميا في حياته .. حتى رد فعل بسيط معدوم ، مع أنهم يدعون أن فلسطين قضيتهم الأولى ؟!
شيء يثور في أعماقه ، يتمرد ،يتضخم ويكاد ينفجر. صراخ غاضب يشعر به محبوسا في صدره .يهزه من الداخل فيضغط على نفسه ويضغط . وتشده أفكاره مرة أخرى :
- يجب ألا نسمح بتحويل قتلنا إلى عادة .. إلى روتين يومي . الدول العربية .. لتذهب إلى الجحيم .. إنها لا تفعل سوى أن تهتم بدعم مجموعة من" زلمها" .. أن تكون من جماعة دولة ما لذلك ثمن تقبضه ، حتى الدين صار له ثمن . أن تطلق لحيتك ، وتتبع فئة معينة ، لذلك أجرة معينة، ليس عند ربك ، بل فئة لها مصلحة في ابتعادك عن مشاكل مجتمعك .صرنا نعيش في جحيم التفاهات ، وهي للحقيقة تتلاءم مع زمن تسيطر عليه قيم وأخلاق التفكير الإقطاعي ، ومثل ورموز عصر النفط ، إلا الفلسطيني ... لا ثمن له . الإنسان لا ثمن له !!
هل يفقد ثقته ؟!
كان منطلقا بسيارته نحو المستشفى يعبر الشوارع شبه الفارغة إلا من بقايا الحجارة المقذوفة ... وهنا وهناك لا تزال المناوشات مشتعلة .ودوريات تزعق في شتى الاتجاهات .والرصاص يعوي كالكلب . تارة يشتد عواؤه وتارة يخفت .. والدخان يتعالى من عدة نقاط في المدينة المتمردة...
ربما هذا التمرد هو ما يعطي لهذا الشعب هذه القدرة على الاستمرار وتحدي المعاناة .المعاناة قد تكون سببا للقنوط، الواقع المأساوي قد يكون سببا للقنوط ،انتظار ما هو أسوأ هو سبب أكيد للقنوط .. ومن المؤكد أن الانفجار يحمل في طياته الرفض للتفاهات التي نمارسها دون اقتناع ... نمارسها لأجل الثمن المدفوع.
يثلج الصدر ويخفف الواقع الاجتماعي أن الأجيال الجديدة تواصل التحدي ، رغم الليل الذي يحيكه من حولهم بعض ذوي القربى والأعداء، رغم تباين المواقع ، يواصلون التحدي في الشوارع ، رغم الجند المدججين بالسلاح .. يواصلون التحدي في الشوارع .. ويرفضون الصمت على مضاضة يؤلمهم الصمت الرسمي للأشقاء العرب ..ولا ينتظرون حسنة من احد . يدفعون دمهم ثمنا لصمودهم . استمرار الهيجان يخفف من عبء القنوط .. يتخيل الجثث الشابة المقتولة .. والأجساد المشوهة .. فيزداد احمد قنوطا وألما داخليا .
أمام الحاجز لم تنفع إشارة الطبيب الملصقة على السيارة ... انزلوه واجروا عليه تفتيشا وفحصا لأوراقه وسيارته ، بحثوا عن أسلحة يحملها ، ربما حجارة .. فتحوا حقيبته الطبية وافرغوا محتوياتها على مقعد سيارته .وجسوها بتأنٍ خوفا من إخفاء حجر أو ربما تعويذة مضادة للاحتلال . أصوات طلقات غزيرة .. وبعض الحجارة تكاد تصل للحاجز من الشوارع المحاذية .ومع زخات الحجارة يرعد اسم فلسطين بآلاف الحناجر .. مئات البالونات لونت بأعلام فلسطين طيرت في الفضاء .. أثارت عصبية الجنود فأمطروها بعشرات الطلقات .. ولكن السماء تمتلئ بأعداد متزايدة من البالونات الملونة بلون العلم الفلسطيني .لأول مرة منذ هذا الصباح يتحرر من قنوطه .
كم يود أن يقذف حجرا ، أن يركض مع آلاف الشباب .. وان يجهده العرق . وان يطير بالونا ملونا بالعلم الفلسطيني ، وان يصرخ بأعلى صوته باسم فلسطين يتلذذ وهو يسمع الصدى الرهيب لتساقط الحجارة وأصوات الطلقات وصرخات الجنود المفاجئين من هذا المطر المؤذي ... ينظر نحو الضابط ذو الأصابع المنتفخة .. الذي يلوك سيجارته بحقد ، ونظراته تحمل الكراهية خلقة ... ويتهادى في مشيته كأبطال الكاوبوي الأمريكيين... ويكز على أسنانه مع كل زخة فلسطين يطلقها الشباب مع رشقات الحجارة .أجل لماذا القنوط ؟!حبس ضحكة كادت تفلت منه عندما اعترته رغبة مجنونة أن يمد ذراعه اليمنى مبرزا إصبعه الأوسط نحو وجه الضابط ... وليكن ما يكون ،ولكنه زجر رغبته الطبيعية ،واكتفى أن يتزود من وجه الضابط المضحك المثار كلما دوى اسم فلسطين ، أقوى من الرصاص والعساكر ..
استغرق تفتيشه على الحاجز لدقائق قليلة ولكنها متوترة قاسية. وربما لأول مرة يعتريه شعور الفرح الممزوج بالرهبة قليلا. إحساس من القوة يتسرب إليه، وتأخذه أفكاره بعيدا ... قال لنفسه :
- نحن أقوى منهم ,,, هذا لا شك فيه ...أن تواجه قاهري كل العرب ببعض التلاميذ ، وبعناد لا يعرف نهاية ولا رادع ، وبإصرار على الحق لا يهتز ..
- سع ( سر بالعبرية )
أمره عسكري ، فانتشله من أفكاره. أراد أن يقول تودا رباه ( شكرا ) كما تعود أن يكون لطيفا ، وهو يعرف انه يقولها مجبرا مقهورا ..ولكن لسبب ما بدت له هذه المرة قذارة لا يستطيع التفوه بها .. وهو في مثل هذا الموقف هل يشكرهم لأنهم احتلوا وطنه ؟!هل يشكرهم لأنهم شردوا شعبه ؟! هل يشكرهم لأنهم يقتلون شعبه منذ أربعين عاما ؟! هل يشكرهم لأنهم يحولون حياة من بقي في الوطن من شعبه إلى جحيم ؟! وهل .. وهل ..
عشرات الأسئلة تنهال عليه ... ينظر إليهم نظرة كراهية ، شاعرا انه جزء من الشباب الذين يواجهون عساكر الاحتلال بالحجارة والأعلام الطائرة ، وبدوي اسم فلسطين الرهيب الوقع على أسماعهم ، والأقوى من كل جبروت الاحتلال المرئية والمخفية .
لا ، لن يخيفوا شعبا يتمسك بوطنه !
شغل موتور السيارة .. ألقى نظرة على الكاوبوي الثخين ، ذي النظرة التي تحمل الكراهية خلقة .. وبدأ يتحرك نحو الأمام .. حين أجفلته ضربة الحجارة.. وأصوات طلقات نارية وقنابل غاز .. فتحول الحاجز إلى حيص بيص .. والأرض امتلأت بالحجارة وزجاج القناني .. وبزجاج سيارته والسيارات العسكرية .تسمر في مكانه ظانا للوهلة الأولى أن عساكر الحاجز يهاجمونه ..التفت بشيء من الخوف نحو العساكر ، فشاهد الكاوبوي منبطحا في منتصف الشارع ينزف دما ، ويكاد يكون بلا حراك ...احتار أن ينطلق بسيارته مبتعدا أم يقدم مساعدة ما لهذا الملقى بلا حول ينزف دما . كان زجاج سيارته الخلفي قد تحطم تماما ، وتركت الحجارة معالمها الواضحة على جسم السيارة . واستمر احمد في حيرته :
- هل أسعف ذلك الكاوبوي الثخين ؟!
تردد مرة أخرى هذا السؤال، ورد على نفسه :
- انه عدو حاقد..
- انه مجرد إنسان ينزف ..
- أنت ضعيف أمام منظر الدم البشري ؟
- اكرهه كعدو .. لا جدال في ذلك ، ولكنه ينزف؟
- ليذهب إلى الجحيم .
- ليس ذنبه انه وحش . مساعدة إنسانية قد تغيره .
- وهل يتحول الذئب إلى شاة ؟
- لا تخلط.
- التلاميذ الجرحى بالشوارع .الدم المسفوك في المخيمات .أحذيتهم التي تدوس كرامتنا كل يوم .. أطفالنا المقتولون بلا رحمة ..
- الوقت لا يسمح بالجدال .. أسعفه ثم نرى .
- هل كانوا هم يسعفوني لو كنت أنا المصاب ؟
- أنت طبيب والطب مهنة إنسانية!
- ولكني فلسطيني .. والحديث هنا عن عدو ..وليس مجرد عدو .أربعون عاما ونحن نعاني مرارة الضياع والتشرد، وما زلنا !!
- كفى كفى !! سنعالج قضية فلسطين فيما بعد ، انه ينزف ولا تنسى انه بشر مثلنا .إنسان !!
- إنسان.. ؟ كم يضحكني هذا الوصف .
- الوقت لا يسمح للسخرية .أنقذ الإنسان الذي فيه ..
- لو كان فيه بقية إنسان لرفض الاحتلال . لرفض أن يمارس العنف ضد شعب مشرد اعزل ؟
- ليس ذنبه...
- وهل ذنبنا أننا نطالب بحقنا ؟
- لا تفقد إنسانيتك .تذكر أن قوتنا في إنسانيتنا .
- أعرف .. ولكني لا استطيع أن أنسى انه عدو شرس ، لا يرحمنا ، وما يحدث الآن يثبت ما أقول .
- أنت طبيب وهو مجرد جندي مأمور..
- بأي وجه سألقى زوجتي .بأي يدين سأرفع ابني .ماذا أقول لجيراني .ماذا أقول لمن ثكلوا عزيزا عليهم . ؟
- إنسانيتنا هي قوتنا ، إذا فقدناها فقدنا مبرر وجودنا، فقدنا مبرر دولتنا .
- وهل يصح لهم ما لا يصح لنا ؟
- لا تأخذ القطيع بجريرة الراعي .
- الإنسانية الزائدة تتحول إلى هبل !
- نتجادل فيما بعد .. أنت طبيب ، وهو ملقى ينزف دما ، لدمه نفس اللون ، لجراحه نفس الآلام ..
- اعرف ذلك .. واعرف أكثر انه عدو لا يرحم . يضحكه لون دمي . جراحي تزيد شراسته . عذابي يثير هزءه..وفلسطينيتي تثير أدنى مشاعر السادية في نفسه.
- الجدال الآن عقيم..تبقى حقيقة واحدة كبيرة ، لن نسمح لأحد أن يسرق منا إنسانيتنا ..واثبت ذلك الآن..أسعفه !!
فتح احمد باب سيارته ،ونظر إلى الكاوبوي الثخين الملقى بلا حركة منذ لحظات ، كانت آلاف العوامل المتناقضة تصطرع في نفسه ، تحرك مكرها نحو الإنسان الملقى .. فحصه فحصا سريعا ، وفوجئ أن نبضه غير محسوس .
دوي الرصاص في أذنيه والحجارة تتساقط حوله ، وهو يجري تنفسا اصطناعيا للضابط الملقى .. إنسان .. عدو .. تشربكت المفاهيم في دماغه ، ولم يعد يفكر إلا بأنه يواجه صراعا ضد الموت ، وعليه أن ينتصر للحياة ضد الموت ،كان يضغط عدة ضغطات قوية على صدر الضابط .. ثم يعطيه نفسا من الفم للفم .ويعاود الضغط الرتيب ، وإعطاء النفس ، والجنود حوله يطلقون النار بلا وازع ..وهو ، حين تعاوده الأفكار يشعر بالحيرة ، أو الضياع في حيرته وتناقضاته. لا يعرف .. هل يعبر بذلك عن إنسانيته ؟ .. أم عن هزيمته كانسان ؟.. ويكاد يتيقن انه يواجه انشطارا في شخصيته ، بين فلسطينيته ومهنته . لأول مرة يعتريه شعور القرف من مهنته . لماذا يسمونها مهنة إنسانية ؟ هل ما يقوم به هو عمل إنساني ؟ أم هزيمة إنسانية ؟ ومع ذلك يقاتل لإعادة النبض والحياة لهذا الضابط ذي النظرات الحاقدة خلقة . يرتسم في خياله ابنه ، يحاول أن يرفعه بيديه فيهرب الطفل رافضا اليدين اللتين أنقذتا عدوا حتى زوجته الهادئة ترفض أن يضمها بذراعيه .. يشعر بدمعتين في مقلتيه .. يواصل الضغط بعناد .. محاولا التخلص من أفكاره ، مبتعدا عن مشاعره المتضاربة ، متناسيا تناقضاته وعذاباته انه يساعد عدوا بينما عشرات أبناء شعبه ملقون ينزفون دما .ليس الآن وقت هذه الأفكار . ونبض الضابط لا يتحسن .. فيواصل الضغط الرتيب على الصدر وإعطاء التنفس فما لفم . يفحص حدقتي العينين ، ويواصل القتال ضد الموت .كم تمنى قبل لحظات أن يمد كفه بإصبعه الأوسط في وجه الضابط الملقى الآن بلا حول .. وها هو يقاتل لإعادته للحياة ، ماذا يقول لجارته التي فقدت ابنها قبل أسبوعين ؟ماذا يقول لزملائه ومعارفه ؟ هل يفتخر انه أنقذ عدوا ؟
شيء من الهدوء ساد حوله ، وركض نحوه احد الجنود مستفسرا إن كان يستطيع أن يساعده بشيء.. طلب منه شيئا مرتفعا ليضعه تحت الرقبة .. وما هي إلا لحظات حتى كانت بطانية مطوية تضع وراء رقبة الضابط ..
ليتدلى رأسه إلى الخلف أكثر .. واصل احمد الضغط الرتيب بعناد اشد ليشل كل صراعاته الفكرية مع نفسه ، طاردا التخيلات المقلقة ،مجهدا نفسه بعناد لإعادة التنفس إلى الشخص المسجى على الإسفلت . لا يعرف كم استغرقه من وقت ، لكنه كان في منتهى درجات الإجهاد .. ولا يستطيع أن يحكم على نتيجة تصرفه .. ويعرف تماما انه سيتعذب ويتصارع مع نفسه ، وصلت سيارة إسعاف عسكرية ، فشكروه ، يا للمهزلة ،يشكرونه على أمر هو نفسه لا يستطيع إدراك صوابه ، شعر أن القنوط يعاوده من جديد ، يحاول أن يطمئن نفسه .. فلا يدري كيف يطمئنها .. فتعاوده الأفكار المتباينة .. فلا يكتشف إلا وهو في المستشفى فيغرق في عمله مكتشفا أن الإجهاد والإرهاق أفضل طريقة لراحة الدماغ .
******
تلك الحادثة عذبته.. فخبر ما فعله مع الضابط قد انتشر، صحيح أن ابنه وزوجته بقيا على نفس الحب والتعلق، حتى جارته الثكلى تبتسم له وتتمنى له كل خير. ينظر بوجوه الناس ، فلا يجد الملامة ، إنما الحب الذي تعود عليه , لشد ما كان يجهل حقيقة شعبه ، ولشد ما يزداد حبه لهذا الشعب أن تكون طيبا لهذه الدرجة ، أن تكون متسامحا لهذا الحد ، ربما في ذلك بعض التهلكة ربما سبب ضياعنا كل هذا العمر .... أو يكون سبب تحكم الأرذال برقابنا ، ناتج عن طيبتنا وتسامحنا ؟ الحرب خدعة ولكنهم يلعبونها واضحة كضوء الشمس في الظهيرة .
أيام وأحداث كثيرة مضت ، والهدوء في السنة الأخيرة بات شبه نادر ولكن شعبه يواصل الحياة بعناد ، والنساء يواصلن الإنجاب ، والشوارع ملأى بالصغار ، والشهداء يكرمون بشتى الوسائل ، .. أسماؤهم تطلق على الخلق الجديد ،والأزقة تسمى بأسمائهم ، والمواقع تسمى بأسمائهم ، عالم كامل ولد ويولد عبر الصمود . قيم جديدة تصارع العفونة المترسبة . تصارع الضياع تصارع من يدفع ثمنا للقيم البشرية ..
ولكن احمد رغم ما مر عليه لا يستطيع أن يضع ما فعله في إطار واضح مقبول . بقي شيء غريب يستفزه كلما اختلى إلى نفسه من مشاغله . يستفزه ويعيده إلى صراعاته الفكرية . يحاول أن يفلسف تصرفه اعتمادا على تقبل الناس . ولكن شيئا يتمرد في داخله ويرفض عندما يقرر بينه وبين نفسه انه اخطأ ، تثور في نفسه عوامل مضادة تثبت له انه تصرف كطبيب وإنسان . ما كان من المعقول أن يتخلى عن إنسانيته . يلتبس عليه الموقف ويؤرقه ..
ربما هناك دافع مجهول أورده هذا الموقف ؟ يعاود محاورة نفسه . ثم يغرق بالعمل .
صار يكثر من التأمل والتفكير ، ولا ينسى حادثته إلا أحيانا ، خاصة عندما يغرق بملاعبة ابنه الصغير .
ضحكات الطفل العذبة تنسيه صراعاته الفكرية . ترى هل عند الضابط ارتباطات عائلية مثله ؟ هل له طفل كهذا ، يضحك بعذوبة ، ويدخل السعادة لصدر والديه ؟ وهل تبقى الكراهية في نظرات الضابط وهو يلاعب طفله ؟!
في عصر احد الأيام انطلق احمد ترافقه زوجته في طريق العودة إلى البيت ، يحملان بالسيارة ألعابا وحلويات ، فاليوم عيد ميلاد الصغير .. لذا أنهى احمد عمله باكرا، ورافق زوجته للتبضع ، وها هما الآن في طريق العودة إلى البيت . يستمع احمد من زوجته لنوادر الصغير ، ويبتسم ناسيا ما يعذبه من أفكار ، سارحا في عالم الطفولة الجميل ،وزوجته اللبقة ، وصاحبه الخيال الواسع ، تعرف كيف تنقل له الحديث بتفاصيله ، بحيث يبدو وكأنه يحدث الآن أمامه .
اقتربوا من احد الحواجز العسكرية المنتشرة كالسرطان في الشوارع . فلمح ضابطا أثار انتباهه .وسرعان ما اكتشف انه الضابط نفسه ، الكاوبوي المنتفخ ، ذو النظرات التي تحمل الكراهية خلقة .
تسمرت عيناه فوق وجهه .. أكيد هو ، نظراته لم تتغير ، السيجارة يلوكها ، وأسنانه صفراء ..لا يعرف إن كان يسعده ذلك أم يخجله . الضابط يتجاهل نظراته ، ويعطي إشارة السماح بالمرور دون تفتيش ،يبدو انه اعتراف بالجميل .. ولكنه جميل مرفوض . يريد أن يفتشوه كما يفتشون غيره . يرفض هذا الشكر والاعتراف بالجميل . لم ينقذه لأنه ضابط ، بل لأنه إنسان .آه .. ما أسخف هذا التعبير أحيانا . أصر العسكري عليه أن يواصل السير اعترته للحظة فكرة مضحكة في غرابتها .. يطلقون عليه النار ، ويعلن الناطق العسكري أن سيارة رفضت الامتثال للأمر بالتوقف عند الحاجز .. فأطلقت عليها النار !! هل يمكن أن يكون الاعتراف بالجميل بمثل هذا الشكل الحاقد ؟ عقله يعجز عن تصور ذلك ألقى نظرة أخرى عبر المرآة على الضابط ، فشاهد كرشه الممتلئ والمدكوك داخل البنطال العسكري عنوة. واصل ابتعاده عن الحاجز وهو يوضح لزوجته أن الضابط إياه هو نفس الضابط الذي أسعفه وأنقذه من موت مؤكد . وحاول أن يعترف أمامها بحقيقة ما يتنازعه من مشاعر وأفكار حول تصرفه .. لقد صدمته رؤية الضابط و أطارت من رأسه نشوة الحديث عن الصغير ونوادره ، ووجد نفسه مضطرا أن يوضح لأقرب الناس إليه حقيقة مشاعره مما حدث ... عله بذلك يتخلص مرة والى الأبد من عذابه وتناقض مشاعره وضغط أفكاره . فجأة اهتز كل جسده .. ارتعد من أصوات طلقات حادة تخترق زجاج سيارته ، داس على الفرامل هاربا في الوقت نفسه لأقصى اليمين ، ملتفتا في الوقت نفسه نحو مصدر النار . كان الضابط إياه يقف أمام الحاجز ، شاهرا مسدسه ومنظره يوحي بالوحشية .. أثار انتباهه عدم رد فعل زوجته لما يحدث .. ربما أطلقت في بداية الحدث صوتا ما .. لا يذكر .. التفت إليها وصعق .. توسعت حدقتا عينيه لمرأى الدم المتفجر من رأس زوجته ... تنازعته شتى صنوف الألم والحقد ، يرفع ابنه الصغير بين يديه ، فيبصق الصغير بوجهه .يحاول أن يضم زوجته فيصده دمها المتفجر ..يبحث عن صوته ليطلق صرخة ، فلا يخرج من فمه إلا لهاث متقطع ، تخرس الكلمات ، وطفله يركض وراء نعش ينادي بأعلى صوته : ماما . لغم ينفجر بالصغير فيرتفع عمود دخان .. وحين يأخذ صوت الانفجار والدخان بالتلاشي .. يبحث عن طفله فلا يجد إلا بقايا قدم بحذاء طفولي ممزق . يرتمي عاجزا فوق مقود السيارة ، متخبطا في موقفه .. يخبط رأسه بالمقود حتى يشعر بالألم والدم يتفجر من رأسه .ينظر نحو زوجته المقتولة.. وفجأة يعود إليه صوته فيصرخ بأقوى ما يستطيع ... يشغل موتور السيارة ، ويأخذ المقود إلى أقصى اليسار .ينطلق بسيارته مشتت الذهن ودمه يسح على وجهه .. نظراته مسمرة نحو الحاجز .. والألم يكاد يمزقه من الداخل .. والضابط الكاوبوي أمامه .. صلعته أمامه .صدى الأصوات تتكرر في ذهنه ..ساق في حذاء ممزق .. طفله يضحك .ومع ضحكاته يتدفق الدم .تعابيرعقيمة تتصارع في ذهنه .. زوجته لا تزال تبتسم .. وكأنما تقول له هذا ما جنيته عليّ .يضغط برجله على دواسة الوقود .. حتى يجعلها تلامس أرضية السيارة .يداه تتسمران فوق المقود .ونظراته تتمغنط فوق صلعة الضابط.. الكاوبوي الذي يلوك سجائره .. النظرات التي تحمل الكراهية خلقة ..
تم إضافته يوم الإثنين 30/05/2011 م - الموافق 28-6-1432 هـ الساعة 4:11 مساءً
شوهد 1369 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 4.85/10 (1070 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved