خريطة المجلة الإثنين 24 يوليو 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر طلعت سقيرق
الشعر الفلسطيني المقاوم في جيله الثاني ـــ بقلم الشاعر : خليل خلايلي

الشعر الفلسطيني المقاوم في جيله الثاني ـــ بقلم الشاعر : خليل خلايلي
الشعر الفلسطيني المقاوم في جيله الثاني ـــ بقلم الشاعر : خليل خلايلي
من الكتب القيمة التي صدرت مؤخراً عن (اتحاد الكتاب العرب) في سورية دراسة مؤثرة بعنوان (الشعر الفلسطيني المقاوم –في جيله الثاني) للشاعر والأديب الفلسطيني (طلعت سقيرق).

والمؤلف شاعر معروف، تخرج في كلية الآداب بجامعة دمشق عام 1979م. وحصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، وعمل منذ تخرجه في الصحافة الأدبية، وقد صدر له العديد من دواوين الشعر، والمجموعات القصصية القصيرة جداً، إضافة إلى أغانيه الوطنية الفلسطينية باللغة المحكية والتي لقيت رواجاً واستحساناً من قبل الفرق الفلسطينية، فلحنت وأنشدت وصدحت بألحانها وكلماتها الإذاعات العربية في طول الوطن العربي وعرضه حتى غدت أهازيج عذبة على كل لهاة.

وإذا كان (طلعت سقيرق) قد ولد وعاش في (دمشق) بعيداً عن أرض فلسطين موطن آبائه وأجداده، حيث تنحدر أصول الأسرة من مدينة (حيفا) عروس المتوسط، إلا أنه نذر حياته لهذا الأوار المتوهج ولتلك الثورة الجامحة التي اجتاحت أرض فلسطين المحتلة عام (1987)م، والتي أطلق عليها اسم (الانتفاضة) أو (ثورة الحجارة) والتي كان وقودها أطفال بعمر الزهور، حملتهم أجنحة ملائكة، وتهاووا بأجنحتهم الغضة تلك كما يتهاوى الفراش على اللهب المقدس، لهب النار الخالدة التي سيظل شعبنا وقودها إلى أن تتحرر الأرض، وتعود لها حريتها المقدسة، وشعبها الأبي المشرد، صاحب الحق، مهما تكالبت عليه قوى الشر والطغيان.

تقع الدراسة في (189) صفحة من الحجم الكبير. وتكلمت بوعي وصدق عن الشعر الفلسطيني المقاوم، الذي ارتفعت أصواته بعد عام 1967م.

بعد أن عمَّ الخطب واحتلت أرض فلسطين بكاملها، ووقع ما تبقى من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في براثن الصهاينة، إضافة إلى أولئك الذين كانوا قد وقعوا في غيابة الأسر منذ عام 1948م. لقد استثنى الشاعر (طلعت سقيرق) الحديث عن الجيل الأول من شعراء المقاومة كمحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وحنا أبو حنا، وسالم جبران وغيرهم. لأن أولئك الشعراء لقوا حفاوة كبيرة سواء من الناشرين في البلاد العربية، أو من الدارسين والنقاد، فذاعت شهرتهم وعلا صيتهم في كل مكان من أنحاء الوطن العربي الكبير، وأصبح شعرهم مألوفاً لدى القراء من جميع الأعمار.

ولذا قصر الشاعر دراسته على الجيل الثاني من الشعراء الذي جاؤوا في أعقاب أولئك، ونموا في ظلهم واتكؤوا عليهم، حتى أصبحوا بمثابة الرواد الأوائل لشعر المقاومة، واستطاعوا من جراء الأضواء المسلطة عليهم من حجب شعراء الجيل الثاني، وتركهم في الظل إلى أمدٍ ليس بالقصير.

وهذا ما شعر به الشعراء الأوائل أنفسهم، فجعل (محمود درويش) يصرخ بملء فمه: "أنقذونا من هذا الحب القاسي". أو يقول: "لسنا أهلاً للتقديس في زمان لا يجوز فيه التقديس. "أو قوله: "إن وتيرة الحب قد أوصلت بعض المراقبين في العالم العربي إلى محاولة وضع شعرائنا ليس في مكان أوسع منهم فقط، وإنما إلى محاولة وضعهم على امتداد مساحة الشعر العربي المعاصر بحيث يغطونها كلها".

وجاء (طلعت سقيرق) ليرى أن الشعر المقاوم يحتل مساحة أكبر من أن تكون وقفاً على عدد معين من الشعراء، ولذا كانت هذه الدراسة الشاملة، التي أعادت الحق إلى ذويه، من شعراء الجيل الثاني، الذين كادت شهرة روادهم أن تطمسهم إلى الأبد.

ولذا فقد بذل مؤلف الكتاب جهداً كبيراً بحق، وظل طيلة عشر سنوات يتابع هذا الشعر في مظانه.. إذ بدأت رحلته مع هذا الشعر منذ عام 1979م. حيث تعرف في ذلك العام إلى أصوات شعرية، لم يكن على معرفة بها من قبل. وهذا ما جعله شديد الميل إلى متابعة ذلك الموضوع للتعرف على المزيد. واكتشفت فيما بعد أن هناك أسماء كثيرة تساهم في مسيرة الشعر الفلسطيني، وإن كنا لا نعرف عنها شيئاً.

يقول (طلعت سقيرق): "منذ عام 1979م. بدأت ومن خلال زيارات متعددة ومتواصلة لمؤسسة الأرض الفلسطينية بدمشق، أعمل على نقل كل قصيدة كنت أقرؤها في صحيفة (الاتحاد) أو في مجلة (الجديد) الصادرتين في مدينة (حيفا) المحتلة، وكنت أتعامل مع كل قصيدة بفرح وشوق لأنها تحمل الجدة والإضافة بهذا الشكل أو ذاك.. كنت أنقل بخط يدي دون كلل أو ملل وكانت الأوراق تزداد شيئاً فشيئاً، بعدها أخذت ومن خلال معايشة كل قصيدة، في التعرف إلى هذا الشاعر أو ذاك، وشعرت أنني أقيم صداقة خاصة مع كل واحد منهم، كانت القصيدة يداً تستطيع أن تمتد لتصافح وتقول بعمق التواصل، وكانت المفردات قلباً يستطيع أن ينبض ليعبر بصدق عن مشاعر صاحبه، ولشدة إحساسي بالقرب من هؤلاء الشعراء، آلمني كثيراً موت الشاعر "هايل عساقلة" إثر مرض عضال، وكأنني أعرفه معرفة شخصية حميمة.

لم تكن العلاقة علاقة دارس شعراء يتعرف شعرهم من خلال قراءة الصحف والمجلات، وكانت علاقة تحمل الكثير من المعاني النابضة بحب الوطن "واستمر (طلعت) على جهده ذاك، حتى تجمع لديه عدد كبير من القصائد، التي صاغ حولها مقالات كثيرة، الواحدة تلو الأخرى، وهداه تفكيره أخيراً إلى جمع كل ذلك في كتاب ليستريح جميع أولئك الشعراء في ظلاله إلى الأبد، فكان هذا الكتاب.

رتب المؤلف كتابه في ثلاثة أبواب:

1-الباب الأول: وهو بعنوان "أقانيم الثبات" تحدث المؤلف في فصوله الثلاثة عن موضوعة الأرض ومستويات التداخل، ثم عن الشخصية الفلسطينية وملامحها في القصيدة، ثم عن الدخول في مسافة الحلم.

2-الباب الثاني: وجعله بعنوان "الانتفاضة وانعكاساتها" وقد تحدث فيه عن تعامل هؤلاء الشعراء عن موضوعة الفعل المتوهج عطاءً في الوطن المحتل، وقسمه إلى فصلين:

أولهما: الانتفاضة وصورة التوهج، وثانيهما: الانتفاضة والشخصية القصصية في الشعر، وهو ما شكل كما –يقول المؤلف –ملمحاً هاماً من ملامح القصيدة عند شعراء الجيل الثاني.

3-الباب الثالث: وجعله تحت عنوان "ملامح فنية" وتحدّث في فصلين عن المعجم الشعري ومستويات المفردة، والرسم بألوان الطبيعة ودفء المشاعر، وهو ما شكل برأي المؤلف دراسة حاولت أن تنظر إلى الملامح الفنية بعيداً عن أية صورة تقليدية سابقة. كما ألحق بالدراسة ملحقين هامين:

قدم في الملحق الأول تعريفاً بالأسماء الواردة في فصول الكتاب، بقدر ما توافر له من معلومات، فكان الملحق معجماً مستقلاً ضمّ أكثر من أربعين ترجمة قصيرة لشعراء الجيل الثاني من شعراء المقاومة.

أما الملحق الثاني فخصّصه المؤلف لنماذج شعرية لبعض أولئك الشعراء الذين دارت الدراسة حولهم.

عندما وصلتني الدراسة وضمتها يداي، رحت أمشي أدراجي عائداً إلى منزلي، وأنا أشعر بأن يديّ تمسكان بكنز حقيقي، كنز طال شوقي إليه، فالشعر هنا ليس كأي شعر، بل هو الشعر الذي نبت في حواكير الجليل، وعلى مطلات الكرمل ومنحنيات الجرمق، وفي سهول فلسطين الفواحة، وفي تلك البقع المقدسة التي غادرتها صبياً يافعاً منذ سبع وأربعين سنة، ومازلت أراها في أحلامي ليلة إثر ليلة، والتي ما داهمني خطب أو تكالبت على المصائب إلا ووجدت في حناياها موئلاً وملاذاً ولو في الأحلام. إنها أرضي التي هي ليست إلا صدر أمي الحنون التي كثيراً ما كنت آوي إلى حضنها متعباً أو خائفاً أو جائعاً، فأغتدي مما تجود به من خيرات ومحقق لي ما أبتغي من طمأنينة وراحة نفس، وترفع هامتي بالكبرياء، تلك الكبرياء التي افتقدتها عندما عشت على تراب الغربة.

وصلت المنزل وأخذت بالقراءة، وغصت في أعماق الكتاب فإذا بي أقع في لجة طهور، فجعلت أغتسل بها وأتطهر، فقد أعادتني إلى أحلام طفولتي المتوهجة بالحب والحنان والبراءة والطمأنينة.

أنا الآن أدرج على أرضٍ أعرفها تماماً، فهي ما زالت تعيش في ذاكرتي ومخيلتي وهيهات أن تنمحي من ذاكرتي.. وهيهات لي أن أنسى لذاذاتها وأنا مازلت أتمتع برحلتي الخيالية إليها آناً بعد آن.

هاهو ذا الجليل بجلاله وعظمته وروعته، وذاك هو الجرمق بجبروته وكبريائه وتلك هي الأرض المقدسة التي درجت عليها صبياً تتراءى لي وكأنها جنان الخلد، تلك هي (حيفا) وشاطئها الفضي، وتلك هي (عكا) قاهرة الغزاة وداحرة (نابليون) وتلك هي (جسكالا) تتألق كنرجسة برية، وهاهي ذي القرى تتراءى كالنجوم الزاهرة على مدى البصر، تتلألأ بضياء لا أحلى ولا أجمل.

وهأنذا أشتمُّ عبير النفل وأريج الأقحوان والحبق والخزامى، فأرتمي على الأرض أشم صدرها الحبيب، وأشتمُّ تربها العجيب، فتفيض الدموع في عيني، وتسيل على خدّي حارّة حارّة.

وأعود إلى حلمي فأرى شعراء المقاومة الذين أقرأ عنهم يتجمعّون ويعدون حفلاً خاصاً لاستقبالي، وأنا العائد إليهم بعد غياب قسري طويل، قسري لأنه كان فوق طاقتي ودون إرادتي.

كانت وجوههم تشيح عني تتهمني بالهرب، وكان لهم الحق في ذلك، ولكنهم ليتهم عرفوا مقدار ما عانيت من آلام ومشاق خلال غيابي عنهم، ولكانوا غفروا لي خطيئتي ونسوا آثامي وتجاوزوا عن ذنبي.

وكان أول من سارع إلى استقبالي ومعانقتي الشاعر (سليمان دغش) مواطني في الجليل، وابن قرية "المغار" الصامدة كقلعة صخرية.

كان ما يزال على عهده يرتدي ملابسنا الوطنية التي كنا نرتديها أيام كنا صغاراً ندرج على أرض الجليل، هاهو ذا ينتحي ناحية من المرج ويستلقي على الأرض الخضراء وينشد بصوت جميل حنون:

مخدتي زهر

وفرشتي حشائش برية

والبدر قنديل السمر

وأنت لي أغنية

إن جعت آكل التراب

وأمضغ الحجر

وإن عطشت أوقف السحاب

وأنزل المطر

***

لي الأرض والكروم

ربيتها على يدي

إن شحت الغيوم

سقيتها عيني

***

أنا بهثت في ضميرها البذور

لتولد الأطفال والسنابل

أنا وفجرت الصخور

جداولاً.. جداول

***

أرضي أنا أعرفها

جبلت من ترابها الأصيل

من شامة في خدها الجميل

خضراء

اسمها الجليل

***

أصابعي شجر

ومهجتي صخرية

وأنت لي قدر

يا أرض والهوية

صفقت له بحرارة وهتفت من أعماقي: بوركت يا أخا العرب وبوركت أرضك ونعماً ثباتك وصمودك وجعلت أقترب من البقعة التي افترشها فمدّ لي يده مشيراً أن أقعد، فقعدت.

كان يتلفت حوله بين الحين والحين، فشعرت أنه على موعدٍ مع حبيبته أو مع بعض لصحاب، فاستأذنت وهممت بالنهوض، فإذا به يتشبث بي ويشدني، ويفهمني بأنه ينتظر عدداً من رفاق الدرب الطويل وكلهم من الشعراء، وقد حان موعد وصولهم.

وفي الحال تراءى لنا خيال شخص من بعيد، فأحدَّ نظره واضعاً كفه فوق عينه اليمنى وقال: هاهو قد جاء. قلت: من؟ قال: أحد أفراد خليتنا المقاومة والتي سيحضر رجالها كلهم في هذه اللحظة وستكون سهرتنا اليوم شعرية، نقول فيها ما يهدئ روعك، ويبل شوقك ويشفي غليلك، ويطمئن نفسك فأهلاً بك ومرحباً.
وكان أول الوافدين الشاعر (هايل عساقلة) ثم تلاه الشاعر (منيب فهد الحاج) و(عمر محاميد) و(خالد عوض) ثم (نزيه حسون).
كانت الشمس تميل إلى الغروب، وقد غمرت الأفق بحمرة قانية، ذكرتني بالدماء التي سفحت ظلماً وغدراً على تلك البطاح، وهبت نسمات بليلة آتية من الشمال، كانت جبال الجليل تموج بكبرياء، واصطفقت أشجارها بحنان، ورن صوت شبابة راع من بعيد، فزفت للغروب الحزين أعذب الألحان، في حين كانت صبية تلوح عن بعدٍ ممسكة منجلاً، وتحمل على رأسها حزمة من حشائش خضراء لخرافها الذين كانوا ينتظرون عودتها على شوق، كان صوتها الجميل ينطلق بين الحين والحين ببيت عتاباً فتنصت لها التلال والوهاد، ويحمل النسيم العليل تموجات صوتها العذب إلى آذاننا شهياً كسمفونية خالدة.
أنصت الجميع وكنت أكثرهم إنصاتاً، وبقينا في جلال صمتنا ذاك إلى أن توارت الصبية عن أنظارنا، وغابت في ظلال أشجار الزنزلخت التي تظل الطريق.
وقف (هايل عساقلة) وألقى كلمة ترحيبية مقتضبة، ثم أنشد بصوت حنون متوهج، كان يلتقط أنفاسه بين الحين والحين، وتظهر على محياه آثار التعب، لم كن أعرف أن السلطان كان يعيث في أحشائه.
ذي فلسطين التي نعبدها
سواها جنة لا نعبد
كل نجم في سماها قبلة
كل شبر في ثراها عسجد
بنيت من أضلعي ساحاتها
وعلى الصدر تعالى المسجد
وتخونه ذاكرته فإذا به ينتقل إلى أبيات أخرى فيقول:
وتنمو الدوالي على راحتي
وظل الدوالي على منكبي
وتشدو العصافير صبحاً وعصراً
ويعصف سهل الثرى المعشب
يصفق له الجميع بحرارة، ويثنون عليه بألفاظٍ مشجعة، مثل: أحسنت أبا الهول أحسنت وسلمت.
بعده وقف (منيب فهد الحاج) بقامته الفارعة، وأنشد بثقة في النفس كبيرة فقال:
هنا باقون لن نرحل
سنبقى فوق هذي الأرض
نحيا لا نفارقها
ففوق ترابها أجدادنا درجوا
وغذوها بدمهم
فهل نرحل؟
سنبقى فوق هذي الأرض نزرعها
ونحميها بأضلعنا
ونعشقها
لتبقى حبنا الأمثل
هنا باقون لن نرحل.
شعرت بالخزي في أعماقي، وأحسست بأنه يعنيني ويغمز من طرفي، أنا المذنب الذي رحل تاركاً خلفه جنته وأرضه، فشرقت بريقي وتوردت وجنتاي خجلاً، فصرخت من أعماقي: ليتني مت قبل ذاك الرحيل يا رفاق.
عاد (منيب) إلى الإنشاد:
صامد كالطود شعبي
صامد يأبى المذلّة والهوان
راسخ كالسنديان
مثل زيتون الجليل
ارتاحت نفسي لنغمته الحزينة، فشعرت بأن كل أشجار زيتون الجليل، ترحب بي وتحتفي بمقدمي، وتمد فروعها لتظللني وتحميني، فهدأت نفسي، وشعرت بأنني بين أهلي وإخواني، وغاضت شجون فعلتي الشنيعة في أعماق النسيان. وهنا جاء دور الشاعر (عمر محاميد) بن (أم الفحم) البار وجعل ينشد:
كان في الأرض سنابل
كان حقل يمتد حتى ابتعاد الشفق
كان في الحقل طيور
أشجار وشمس
كانت حول الشمس نجوم وأحلام
عروس، ودوال
عرفت الامتداد نحو الشمس والوطن المغنى
حالت بين الحلم والأرض الخصيبة
قبضة الريح وأسباب الرحيل
لم التفتّ إلى الزحافات الواردة في بعض أبياته، وغابت تلك الأغلاط في غمرة الحلم اللذيذ.
ثم وقف الشاعر (نزيه حسون) ليذكرنا بالليالي السود عندما أنشد قصيدته (تواقيع على قيثارة الأرض).
في زنازين اعتقالي
رغم سجاني وسجني
يزهر الزيتون في زندي المقيد
وعلى جدران قلبي
كل زيتون بلادي
كل زهر في رباها يتجدد
مهما يا سجان تقسو
سيذوب القلب عشقاً، وستبقى الأرض معبد.
عندما انفضت سهرتنا الرائعة تلك، كان القمر يعتلي قبة السماء بهدوء عجيب ويرسل أشعته نحونا بحنوٍ ومودة، إنه قمر فلسطين الذي لا يبدو كالأقمار العادية، بل يبدو كأم فلسطينية جميلة، تبدو عليها سيماء الحزن، فتعصب رأسها بمنديل أحمر في حين تتدلى خصلات شعرها الكستنائي على فوديها وتتراءى في نظراتها أسمى آيات الحنان والحزن، أي نعم، الحزن الذي يغمر الدهور. نهضنا بتؤدة، ومشينا على طريق ترابية، تجنباً لدوريات العدو المؤللة وتلافياً لطلقات رصاصهم الغادر، وما هي إلا ساعة أو بعض الساعة حتى كنا على أبواب قرية (المغار) قرية مضيفنا (هايل عساقلة). انتبهت من ذهولي فإذا بي أستيقظ من حلم يقظة مديد –عشت معه لحظة لا أحلى ولا أجمل. فحاولت العودة إلى الحلم، ولكن هيهات فقد أفلت مني متوارياً عن مخيلتي ولم يبق بين يدي إلا الكتاب كتاب (طلعت سقيرق)... الشعر الفلسطيني المقاوم في جيله الثاني. الذي حقق لي كل تلك المتع البريئة وذلك الحلم اللذيذ.
أهمية الكتاب:
تتمحور أهمية الكتاب حول قضيتين مهمتين لا بُدَّ لكل كتاب مهم أن يتضمنها:
الأولى: هي مضمون الكتاب
والثانية: أسلوب الكتاب وصياغته.
1-أما من حيث المضمون: فالكتاب يدور حول المقاومة التي هي قدرنا نحن الفلسطينيين، والتي أصبحت صفة تلازمنا مادمنا أحياء، ومادامت المقاومة قدراً لنا، فلا بد والحالة هذه إلا أن نرفدها بكل طاقتنا وفعالياتنا وإبداعاتنا الفنية والشعرية. إضافة إلى دمائنا الزكية التي بذلناها بسخاء وسنظل نبذلها إلى ما شاء الله أن نبذل، حتى يتحرر وطننا ويعود إلى أصحابه الأصليين ولذا فليس عجيباً أن نرى أنّه ما أن يغلق ضريح على جثمان شهيد حتى يتمخض رحم عن طفل يرث عبء ما لم يستطيع الشهداء أن يفعلوه ليفعله هو والأجيال اللاحقة.
إذن المعركة مستمرة إلى النهاية ويخالها الناظر فيها سرمدية، وقودها الناس والحجارة إلى أن يتحقق النصر الأكيد في نهاية الدرب المديد، الدرب الذي لم يكن مفروشاً بالزهور، لأنه طريق حرية، ومن المؤكد أنه سيكون مفروشاً بالأشواك والألغام ولا بد لمن يسير عليه أن يكون مسلحاً بالوعي العلم والأثرة وحب الشهادة، التي أصبحت سمتنا منذ قرن من الزمان أو يزيد.
ومضمون الكتاب كان جديداً كل الجدة على القارئ العربي لأنه يدور حول إبداعات شعرية لشعراء كانوا –على الأقل –بالنسبة لنا مغمورين، لأنهم ولدوا وعاشوا وكبروا في ظل الاحتلال، الذي فرض حولهم ستاراً حديدياً جعل من الصعب على أدبهم أن يصل إلينا إلا في أضيق الحدود...
ولذا فقد طربنا له عندما وصلنا عبر تلك الحدود الضيقة لأنه جديد علينا وحبيب إلينا، وكيف لا وهو نتاج فلذات أكبادنا الذين عاشوا في ظل حكم بغيض مكروه من الأعماق لغطرسته وطغيانه وجبروته.. كان هذا الشعر الآتي من أرضنا التي طال شوقنا إليها، وطال عناؤنا ومعاناتنا كنسمات بليلة مضمخة بعبير الوطن، مما جعلنا نستقبله بأرواحنا قبل أن نستقبله بشفاهنا وألسنتنا.
آه أيها الأحباء، كم يعترينا الخجل، عندما نتذكر أننا تركناكم صغاراً بين أرجل خيل الصهاينة، دون أن نقدم لكم أية معونة، لأننا لم نكن قادرين على أن نفعل شيئاً، بعد الهزيمة المّرة التي طرحتنا خارج حدود الوطن الحبيب.
الأسلوب:
وإذا كان المضمون جديداً ومحبباً للنفس، فقد جاء الأسلوب رائعاً يخلب اللب ويبهر النفس، وبدا الأستاذ طلعت متمكناً لآخر حدود التمكن، فإضافة إلى الصياغة الجميلة المتضمنة روحاً وعبارة شاعريتين، فقد بدا أيضاً أن الأستاذ (طلعت) يملك عقلاً منظماً وواعياً يناقش ويحلل بذكاء وألمعية ولا يترك ثغرة أو فراغاً، بل يستنفذ القول في موضوعه بثقة ما بعدها ثقة، وهو يعالج موضوعه بحدب وحميمية صادقة وبحنو عجيب، ولا غرو في ذلك فأولئك الشعراء الذين كتب عنهم هم لداته، والذين كان من الممكن، أن يكونوا رفاق صباه، وأبناء حارته، وزملاء مدرسته، ورفاق جامعته وأصدقاء عمله لو مشت التقادير على غير المسار الذي سارته.
والحقيقة أن (طلعت) رغم أسلوبه العذب والسهل الممتنع والذي ينصب كشلال رائق من علو باتجاه الهدف، فإنه لا يرسل الكلام على عواهنه، بل يقيده بعقل راجح وبفكر منطقي وكثيراً –بل في كل الأحوال –يناقش الفكرة متكئاً على فكر متوهج ولا يركض وراء الأوهام والخيال.
لقد كان (طلعت سقيرق) أستاذاً كبيراً في فكره وأسلوبه معاً، وأشعرنا بجلال الموضوع وجماليته وحساسيته، حتى جعلنا نلاحق نتف المعلومات الصغيرة التي اقتنصها من هنا وهناك بشوق كبير. كم كنت أتمنى لو انفتحت مغاليق المعرفة عن هؤلاء الشعراء الذين احتلوا مكانة ساحرة في ذهني، وأصبحنا قادرين على معرفة كل شيء عنهم، ولكن ليس بيدنا ولا بيد المؤلف أية حيلة.
على أن المؤلف استطاع بحق أن يقدم لنا دراسة راقية ومهمة شكلاً ومضموناً، حتى أنني عندما انتهيت من قراءتها، تمنيت لها أن لا تنتهي لأنني أحسست بأنني لم أحصل من النبع إلا على وشل لا يروي ظمأ ولا ينقع غلة.
ويظل العمل رائعاً يهنأ المؤلف عليه، لأنه بذل جهداً حميداً مضنياً حتى أتحفنا بكتاب رائع جميل، عطر أشواقنا بأريج زهرات فاغيات نبتن هناك تحت سماء فلسطين.
· مجلة الموقف الأدبي / اتحاد الكتاب العرب .. العدد291-السنة الخامسة * والعشرون- تموز -1995م‎- ‎صفر‎1416‎هـ
تم إضافته يوم الأحد 28/10/2012 م - الموافق 13-12-1433 هـ الساعة 4:00 صباحاً
شوهد 1523 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 6.13/10 (1227 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved