خريطة المجلة الخميس 30 مارس 2017م

مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري)  «^»   دعاء و رجاء ... د. رجاء بنحيدا  «^»  إسـراء .. شعر: صبحي ياسين  «^»  في النقد الأدبي الحديث د.مرتضى بابكر الفاضلابي  «^»  اعشقي مقاوِماً .. بقلم فاطمة البشر  «^»  قـــــــف.. ق.ق.ج. بقلم: المصطفى حرموش  «^»  (((مُمَرَّدَةُ الْبُعْدَيْنِ))) شعر: عادل سلطاني  «^»  على دفّة الأحْلامِ.. شعر: ختام حمودة  «^»  همـس الأمس .. بقلم عروبة شنكان جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
على ورق الورد
الجمال و الجلال في أدب و فكر الإبراهيمي / العربي عبدالقادر

الجمال و الجلال في أدب و فكر الإبراهيمي / العربي عبدالقادر
الجمال و الجلال في أدب و فكر الإبراهيمي / العربي عبدالقادر
الجمال والجلال في تجربة محمد البشير الإبراهيمي الخطابية
العلامة الأديب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وجه بارز من وجوه البلاغة والأدب في الثقافة الجزائرية ورمز شامخ من رموزها ، وأحد أشهر الكتاب الجزائريين المحدثين دخل معترك الجهاد في فترة من أحرج فترات التاريخ الجزائري ، فقد وظف الإبراهيمي موهبته الأدبية الفذة وبيانه العالي وقلمه السيّال في مواجهة ظلم الإستدمار الفرنسي وفضح جرائمه ونقض شبهاته والتشهير بمظالمه وظل طوال عقود غُصّة في حلق الاحتلال لا تلين له قناة ولا يكل له جهد، ونهدف في هذه العجالة إلى نفض بعض النسيان عن فكر وأدب وبلاغة هذا العَلم الذي كان فلتة من فلتات الزمان قلما يجود بها في عصرنا الحاضر ، حين اخترت "الجمال والجلال في تجربة الإبراهيمي الخطابية " لم أكن أحسِبُ أني أركب مركبا صعبا وأغوص في بحر لجّي مترا حب الشواطئ متسع الآفاق عميق الأغوار ، لقد صال وجال الإبراهيمي في فنون شتى ولعل الفن الذي بلغ فيه شأنا عظيما هو "الخطابة"، فقد كان رحمه الله خطيبا مفوها وفارسا في العربية لا يشق له غبار ، فخطبه ابتكر فيها وجدّد فجاءت بمضمونها وأسلوبها لونا أدبيا متطورا خرج بهذا الفن عن الطابع التقليدي الجامد ، بما تناوله من موضوعات حية وقضايا معاصرة جمع فيها بين المعطيات الدينية ومقتضيات التوعية بها وبين حقائق الواقع المعيش بظروفه ومعاناته وكذا بين التطلع لآفاق المستقبل ، فكيف تجلى الجمال والجلال في خطبه؟ و ما أبرز سمات أسلوبه ؟ وما مظاهر الجِدّة في أدبه عموما؟.
مفهوم الجمال :
نظرية المحاكاة عند أرسطو تعتمد مفهوم الجمال الطبيعي المجسد في الظواهر والأشياء والكون أولا، ومفهوم التناسب الذي يتركب من نظام الأشياء الكثير في ذلك كله ثانيا(1)، فالجميل يظهر في الشكل من جهة التناسب والتناظر والتوافق والتوازن والدقة والوضوح، و ما يقدمه من إيحاء اللذة والمتعة التي تستلذ ها النفس عن طريق الحواس ، وربما ابتعد أفلاطون قليلا عنه فحينما جعل الإنسان مقياسا أعلى للجمال والكمال والبهاء ؛ فإنّ الموضوعات الموصوفة بالجمال عنده ليست جميلة جمالا مطلقا وإنما تتصف به عندما تكون في موضعها المناسب أماّ إذا وقعت في موضع غير مناسب لها فهي قبيحة مما يبعد ها عن الجمال المطلق وهو القائل بتغلغل القوى الإلهية في الإنسان(2)؛ فهو يصر على مفهوم التناسب والتناظر والتوافق ليأتي الشكل حسنا متأنقا" أنيقا "لا قبيحا مزريا ، فانتصر بهذا للجمال في الشكل وليس للمضمون شأن في قسماته علما بأن الأحكام الجمالية تتعلق بالوظيفة وما تمثله من قيم جمالية فإذا بلغ الجميل حد الروعة والبهاء المطلق صار جليلا ، وبهذا يلاقي "ديمقريط" الذي رأى أن الجمال لعناصر التناسب التي تثير اللذة والمتعة؛ فمتعة المضمون ربما تكون أعلى من لذة الشكل لهذا قال:"يجب ألا نسعى إلى كل لذة ، يجب أن نسعى إلى اللذة المتعلقة بالجميل فقط" ،لقد وقع الاختلاف عند العرب القدماء من النقاد والبلاغيين حول موضوعات الجمال وكذلك وقع عند الغربيين المحدثين الذين عنوا عناية كبيرة بالنظرية الجمالية ، فمنهم من انتصر للجمال في الشكل وحده ومنهم من جعله في الشكل والمضمون وفي الحالتين أهملوا ما قدّمه العرب من نظرات رائعة لمفهوم الجمال حتى صار لديهم نظرية نقدية جمالية ، فالغربيون يُصِرّون على عدم الاعتراف بالآخر ثم جاء عدد من العرب المحدثين ليأخذوا من الغرب كل ما يتعلق بالنظرة الجمالية وهم ينظرون إلى النقاد العرب القدامى وبلاغييهم باستحياء إن لم تكن نظرتهم نظرة ازدراء " فكيف نظر أجدادنا لمفهوم الجمال ؟.
فهذا الجاحظ (ت255هـ) وهو من أبرز العرب الذين انتصروا للفظ "الشكل الفني للنص " على المعنى "مضمون النص" فاللفظ والتركيب هما اللذان يميزان جودة النص من رداءته لأن " المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وفي صحة الطبع وجودة السبك"(3)
جاء أبو بكر الصولي (ت335 هـ) فتعلق بالشكل وأبعد المفهوم الأخلاقي من العناصر الجمالية التي حددها الجاحظ للنظرية الجمالية ، وهي العناصر عينها التي تقوم عليها النظرية الغربية المحدثة فقال " ما ظننت أنّ كُفرا ينقص من شعر ولا أن إيمانا يزيد فيه"(4) هناك نقاد وبلاغيون عرب انتصروا للشكل والمضمون معا ورأوا أن الجمال يتكامل فيما بينهما على اعتبار أنّ كلا منهما يؤثر في الآخر ، ولذلك يأتي الحُسن والبهاء على درجات وأعلاها " ضرب حَسُنَ لفظه و جاد معناه "كما ذهب إليه ابن قتيبة (ت276هـ) في نظريته الجمالية وأدناه "ضَربٌ تأخّر معناه وتأخر لفظه" وبهذا يبحث عن طبيعة الجميل(5)، فقد نفذ ابن قتيبة بعد الجاحظ إلى مفهوم النظرية الجمالية باعتبارها نظرية نقدية يفهم الكلام والفن في ضوء مقاييسها وعناصرها ، ولكنه لم يفصِل الشكل عن المضمون، وكذا رأينا الجمال عند ابن طباطبا ( ت322هــ) حين جعل الحواس أداة الناقد الجمالي لمعرفة الشكل أردفه بالحديث عن المعنى أو المضمون فقال (والعلة في قبول الفهم الناقد للشعر الحسن الذي يرد عليه ونفيه للقبيح منه واهتزازه لما يقبله وتكرّهه لما ينفيه أن لك حاسة من حواس البدن إنما تتقبل ما يتصل بها , مما طبعت له إذا كان ورودها عليها ورودا لطيفا باعتدال لا جور فيه وبموافقة لامضادة معها فالعين تألف المنظر الحسن وتقذى بالمنظر القبيح الكريه , والأنف يقبل المشم الطيب ويتأذى بالنتن الخبيث , والفم يلتذ بالمذاق الحلو ويمج البشع المر, والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لاروح فيه)(6).
أسر الجرجاني (ت471 هـ) على الجمال في الشكل والمضمون كالعديد من النقاد والبلاغيين والفلاسفة من العرب ثم تبعهم في ذلك اللغويون , فالجمال عند بن سيدة هو الحسن يكون في الفعل والخلق معا وقد جَمُلَ الرجل جمالا فهو جميل وجُمال فإذا قلنا ( جمّله وتجمّل، زيّنه وتزيّن) فقد دخل في التجمل وهو التزين؛ أي أنه ليس جميلا بطبعه أو أنه ناقص الجمال فتكلف الجمال ليصبح جميلا(7).
فالجمال يقع على الصور والمعاني عند كثير من العرب وإدراكه إدراك نسبي بين الناس من جهة صحة الحواس وحسن تميزها ودقة الفهم وعمق إدراكه على اعتبار أن الجمال إنما هو بهاء التناسب وجودته في الشكل والمضمون ، ثم غدا نظرية جمالية نقدية لدى أجدادنا لتمييز الغث من السمين(8).
إنّ للغربيين قصب السبق في تناول النظرية الجمالية منا نحن العرب فمنهم من انتصر للشكل ومنهم من انتصر للمضمون ولكن أغلب أصحاب النظرية لا يقيمون اعتبارا للمضمون ولا للوظيفة ولا للأخلاق أيا كان النتاج الإبداعي تاريخيا أم معاصرا نفسيا أم اجتماعيا فكريا أم فلسفيا ودينيا أم خلقيا ، إنّ هؤلاء ينظرون إلى الموضوع الجمالي من جهة نظر جمالية صرفة تتحقق في مكوناته أو ما أطلق عليه العناصر الجمالية(9)، فالنظرية الجمالية عند هؤلاء ترفض أي معايير خلقية للحكم على الفن الجميل أو الأدب الجميل ، ومعايير الجمال والحكم عليه تستنبط من طبيعة الموضوع ( أي من شكله ) سواء كان في الإنسان أم الكون أم الأشياء أم الظواهر، ومن ثم يحكم عليها بالحكم النقدي الجمالي من مثل ( فاتنة ، رائعة ، بديعة ، بهيجة ، لطيفة ، ...) أو العكس إذا كانت قبيحة .
وهذا الحكم مستمد من اكتساب الموضوع الجمالي لعناصر الجمال الكامنة في الموضوع من جهة الشكل كالدقة والجودة والتناسب والإتقان والتوافق والإيقاع المنسجم مع التراكيب والألفاظ والصور الموحية الموشّاة ، لهذا يعرِّفُ "كروتشه" الجمال بقوله : " هو التعبير الناجح أما القبيح فهو ما كان غير جمالي أو غير تعبيري "(10).
ثم جرى عدد من العرب المحدثين وراء هذا المفهوم الجمالي ورأوا أنّ البحث عن غاية الفن أو الأدب لأَمرٌ مُضحِكٌ عند علماء الجمال ، فالصدق والأخلاق عامة لا يبحث عنها في الأشياء وغيرها إلا الأنبياء(11).
فالجمال لا يكمن إلا في الشكل ولا شيء غيره ولا اعتبار للمضمون من جهة القيمة الجمالية(12).
الفرق بين مصطلحات الجمال :
لا مِراء في أنّ الاختلاف حول موضوع الجمال ظل مستمرا عند الغربيين والعرب المحدثين مثلما كان عند اليونان والعرب القدامى ولمّا تعلّق الغربيون بالنظرية الجمالية فإنّ كثيرين منهم جعلوها في عناصرها كلها ضامه للشكل والمضمون معا من دون أن يربطوا بينها وبين مفهوم "الجميل" كما ذهب إليه "ديمقريط" من قبلُ ، فهم يرون أنّ هناك علاقة وطيدة بين الجمال والمضمون في الأشياء والظواهر والكون والإنسان ، ومن ثم تصبح وظيفة كل موضوع وظيفة جمالية من نوع ما ، يقول ميكال ديفرين " جماليا ليست المادة في الأثر مادة بناء وحسب مثلما هو الشأن بالنسبة للحرفي ولكنها حامل للحسي ، إنها هاهنا للظهور وتكوين موضوع للتأمل لا موضوعا للاستعمال"(13)
ثم يعرف "ولتر ،ت،ستيس" الجمال قائلا: "الجمال هو امتزاج مضمون عقلي مؤلف من تصورات تجريبية غير إدراكية مع مجال إدراكي بطريقة تجعل هذا المضمون العقلي وهذا المجال الإدراكي لا يمكن أن يتميزا أحدهما من الآخر"(14)
فإدراك الجمال في أي موضوع كان يستدعي من المتلقي حساسية مرهفة وحدسا دقيقا وفهما شموليا كبيرا لتصبح القيمة الحقيقية للجمال هو الجمال نفسه ، ولكن الجمال ليس أحادي الاتجاه ، وللشكل دون شك سحره وجاذبيته التي تشد القلوب وتأخذ بالألباب باعتبار ما يتسم به من بهاء وصفاء وتناسق وتناسب وتناغم وانسجام ودقة وتأثير في أي موضوع ، فلكل شكل مضمون ولكل مضمون وظيفة وهدف ، وإن كان الشكل في ذاته يحمل وظيفة جمالية وهدفا جماليا فإننا لا نقلل من قيمة الشكل الجميل ؛ لأنّ كلاًّ منّا يسعى جاهدا إلى تحميل الأفعال والمظاهر إن كانت فاقدة الجمال ، ويسعى إلى تكميل عناصرها الجمالية إن كانت ناقصة لها، ولكننا لا نفصل ذلك عن المضمون ثم عن الوظيفة والهدف ؛ فالشكل الجميل يرتقي بالنفس إلى رحاب الصفاء والنقاء ويحلق بها في فضاءات أثيرية كثيرة ومتنوعة ، ولكنه لا يؤسس إلا اللذة المؤقتة التي تزول مع زوال الدهشة ، ثم مع امتداد الإلفة والتعود على رؤيته، أمّا إذا كان الجمال في الشكل والمضمون فإنه يحلّقُ بالنفس في حقول اللذة والمتعة والفائدة معا، ويطوف بها في ملكوت الجميل الذي يحتاج من الإنسان في ارتقاء مراتبه الجمالية العليا إلى قدرات ذاتية حسية وحدسية وعقلية ومعرفية كبيرة ومتنوعة ، فمنظر التفاحة يُحَرِّكُ لدينا نوازع جمالية حسية لذيذة وممتعة لكن هذه اللذة الكبرى تتحقق بمعرفة وظيفتها وخصائصها المفيدة ، فيغدو الجمال مظهرا أو جوهرا فما قيمة الجمال الخارجي لهذه التفاحة إذا كان داخلها فاسدا ؟! فالجمال الحقيقي هو الذي يشمل الشكل والمضمون معا وكل يقوم بوظيفته الخاصة به ؛ فالجمال الطبيعي يُدرًكُ عادة بالحواس وحدها ويرتقي بذوق المتلقي ويزيد من رهافة حِسّهِ ويعمق قوة حدسه ، بَيدَ أنّ هذه الحواس إنما هي منافذ العقل المدرك للجمال المحسوس في أي موضوع من موضوعاته الإبداعية أو الطبيعية في الإنسان والظواهر والأشياء والكون ، فإدراك الجمال المحسوس يحتاج إلى التجربة والثقافة والعقل في الوقت الذي يرتبط بالحواس الواعية المتأملة وفقا لقوله تعالى : ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الحج/46 ، وقوله تعالى :﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ الحاقة /12 ، وقوله تعالى :﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ القلم /05 .
وقد ذهب " آن سوريو " إلى أنّ المقولة الجمالية تجمع بين النموذج الانطباعي الانفعالي والتنظيم الموضوعي الداخلي لعناصر العمل الفني والمكونة لمجموع المتطلبات ، مما يسمح بأن تقام عليه أحكام قيمة .(15)
ولذا تصبح القيم الخلقية والدينية أحد أجزاء علم الجمال وإن لم تدخل في معايير الحكم على جمالية الموضوع ولمّا ساوى النبي صلى الله عليه وسلم بين جمال الشكل والمضمون في الزواج مال إلى المضمون لقوله : ( تُنكحُ المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين ترِبت يداك ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( الجمال في الرجل اللسان ) ثم فسّره بحديث آخر فقال : ( الجمال صوابُ القول بالحق والكمال حُسنُ الفِعال بالصدق ) .
مما سبق ذكره نستطيع أن نقول أنّ الجمال يحوز مفهوم الجميل لاكتسابه صفة البهاء والكمال والتمام ، والإكمال من الكمال يكون لإزالة نقصان الجوهر والأصل ، إننا نقف من الجمال باعتبار ما يقدمه من لذة وإمتاع في الشكل وبما يقدمه من وظائف وأهداف في المضمون و بهما معا يتعلق الجميل فالخصائص الجمالية التي يوفرها الشكل والمضمون لا يمكن أن يوفرها الشكل وحده ، ولما كان كل فن يوصف بأنه جميل فإنّ الجمال يرتقي في مراتبه ليصل إلى مرتبة الجميل ، وإذا سما فبلغ درجة الكمال والتمام وُصِفَ بالجليل ؛ فالجليل في الجمال هو المثل الأعلى لكنه دون الجلال في صفات الجمال ، فبعض النقاد والفلاسفة العرب لم يروا مفهوم الجمال شكلا منفصلا عن المضمون ؛ فالمضمون عندهم يُعدّ الحالة الروحية والنفسية للشكل وللكلام جسد وروح كالإنسان كما قال ابن طباطبا:"وللنفس كلمات روحانية من جنس ذاتها"، أما الجليل المطلق فهو راجع إلى الكمال في الذات والصفات(16)، فكلما ارتقى الإنسان في إدراك الجمال في الشكل والمضمون ازداد اقترابا من مرتبة الجليل في الحسن الذي يشمل الإنسان والظواهر والفن ؛ أي كلما ازداد قربا من درجة الإتقان ازداد قربا من مرتبة الجليل ؛ والجليل من الأفكار مما يتصف بأنه خارق للعادة ، بحيث يصبح قادرا على إثارة المشاعر والعواطف وتحريك العقول من مرابضها لأن الجمال هو الحقيقة والحقيقة هي الجمال .
*تحليل نص "تحية غائب كالآيب" (17)
حيِّ الجزائر عنّي يا صبا ... واحمل إليها مني سلاما تُباري لطافته لطافتك ، وتُساري إطافته إطافتك ، فقديما حمّلك الكرام الأوفياء مثل هذه التحية إلى من يكرُم عليهم ، أو ما يُكرمُ عليهم ، فحملتها رَوحًا ، وأدّيتها بَوحًا ، وأعلنتها شذًى وفوحًا ، وكنت بريد الأرواح إلى الأرواح ، بألفاظ غير مكتوبة ، ومعانٍ غير مكذوبة ، وقديما أفضى إليك الشعراء بشجونهم وائتمنوك على جدهم ومجونهم ، فاحتملت غَثًّّا وسمينًا ، وكنت على الأسرار أمينا ، فكأنك كنت لهم محطة إرسال واستقبال معا ، يُحَمِّلونك الرسائل تخيّلا ، ويتلقون أجوبتها إحساسا ، وما عرف واشٍ ولا شعر رقيب ، وما كنت لديهم الثقة الأثير ، إلا لأنك " ابن الأثير " وكأنّ محطات الحقيقة اليوم وُضِعَت بإشارتك وتأثرت بأثارتك ، وكأنَّ شأنك وشأنهم في ذلك إرهاص بحقيقة حوّموا عليها ولم يردوا ، وجمجموا عنها ولم يفصحوا ، وادّخر الله تحقيقها لهذا الزمان ، ولا عجب فكل حقيقة مبدأها خيال .
لي إليك وسيلة مرعية المتات بما أسلف أوائلي فيك من مدح ، وبما أذاعوا لك من فضل، وبما رفعوا لك من ذكر ، فالذي تؤدّيه عني اليوم هو " ثمن الإعلان " ورثتُه عن سلف ، ولم يُسقِط حقي فيه تقادم الزمان ، أنت يا صبا ريح ، وكأنّ فيك قطعةً من كل روح ، يجد فيك كل غريب أُنسا ، وكل حبيب سلوى وكل مكروب تنفيسا ، خلال كلها جلال وما ذلك الروح الذي يجده الواله في أنفاسك ، إلا أنفاس المحبين تمتزج بأنفاسك ، فيجدونها بردا على الأكباد وبشاشة في الأسارير ورضىً في السرائر ، فلعمرك ... لئن كان في الرياح لواقح للأشجار ففيك لقاح النفوس ، ولئن كان فيها ما يُحرِقُ الورق ، ففيك ما يطفئ الحُرَق...أيها الوطن الحبيب: أما الشوق إليك فحدث عنه ولا حرج ، وأما فراقك فشدة يعقبها الفرج ، وأما الحديث عليك فأزهار تضوّع منها الأريج وأما ما رفعت ُ من ذكرك فسل من دبّ ودرج وأما الانصراف عنك فإرجاف بالغيّ لم يجاوز صاحبه اللوى والمنعرج ، وأما الأوبة فما زلتُ أسمع الواجب يهتف بي: أن يا بشير ، إذا قضيت المناسك فَعَجِّل الأوبة إلى ناسك ... وسلام عليك يوم لقيت من "عقبة " وصحبه بِرًًّا ، فكنت شامخا مشمخرّا ويوم لقيت من " بيجو" وحزبه شرًّا ، فسلمت مضطرا، وأمسيت عابسا مكفهرا وللانتقام مُسِرّا ً ، وسلام عليك يوم تصبح حرًّا متهللا مفترا معتزا بالله لا مغترا ، ومعذرة إليك إذا كنت ارتخيت ثم انتخيت ، فإنما هي نخوة الأُباة الأشاوس ، يدفعون بها وساوس الصدور ن ويدفعون بها في صدور الوساوس".
فالإبراهيمي في نصه هذا يمثل قمة من قمم العرفان في تاريخ الجزائر المسلمة ؛ والعرفان نعني به التوجه الإسلامي الأصيل الذي اهتم بالناس " كل الجزائريين" فكان مُمَيَّزًا في كرامته وعزته وشخصيته ؛ فتحرّك لتحرير العقل من عبوديته وشهواته ، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبد ، ومذهب العرفان نشأ في أحضان مدرسة الناس بعيدا عن توجهات السلاطين ، استمر يربيهم ويرفعهم ويسمو بهم ويصونهم من السقوط والهزيمة والاستسلام للواقع الفاسد ن والعارفون بالله على مر التاريخ ولاؤهم دائما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قول ابن عربي يرويه عنه القاضي نور الله في كتابه " مجالس المؤمنين "
على رغم أهل البُعد يورثني الـقربى *** رأيت ولائي آل طـه وسيلــة
فالعرفان منهج الإبراهيمي الصحيح هذا ما وصلت إليه وأدركته من خلال نصه هذا ؛ لأنه كان مع الناس والدعوة إلى الارتباط بالله هي دعوة للتحرر من العبودية لما سِوى الله هي دعوة إلى الترفع عن السلطة والجاه ، فيستشعر القارئ لهذا النص عزته في كنف الله بخطابه للوطن مصداقا لقوله تعالى :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ فاطر/10 .
هذه العزة هي التي جعلت من الإبراهيمي مُدافعا عن وطنه كما دافع عنه أسلافه فكانت رسالة الشوق الذي حمله داخل هذه النفس البشرية ، التي تمثل جانب الطين والصلصال والحمأ المسنون ن تقف دائما أمام تجلي نفخة رب العالمين في هذا الموجود البشري ؛ لأنه يعرف جيدا قيمة هذه الروح التي تسري في بدنه فربط عِشق البلاد برب العباد ، لأن الذات التي تعشق ذاتها لا ترى الحقيقة لأنّ التفكير يكون راسفا تحت ركام الذات المستفحلة .
هكذا هو الإبراهيمي كان عاشقا فأبدع في هذا النص وفي غيره ، أبدع كأديب ورجل سياسة ومنطقي وعالم دين وصاحب تجارب فريدة من نوعها ، فالإبراهيمي أكرمه الله بالفكر الجوّال واللسان القوّال والقلم السيّال وقد وصفه الإمام عبد الحميد ابن باديس بأنه كاتب نابغ ومحاضر عبقري وداهية هادئ ، فقد تنوعت مواهب الإبراهيمي فتعدّد لتنوعها نشاطه وتميز فيه وامتاز ، فعندما تراه في ميدان ظننت أنه لا يحسن غيره ن وعندما تشاهده في عمل خِلتَ أنه لا يتقن سواه ن وعندما يتحدث في موضوع حسِبتَ أنه لا يعرف ما عداه ، فهو عالم في الدين نحرير، وهو مربٍّ خبير ، ورائد اجتماعي قدير وزعيم بالقيادة جدير ، وشاعر وأديب كبير وقد أتى في كل هذا بالكثير الكثير ، فقد تحركت أفكاره للناس على هذه الأرض فخاطبهم بما يفهمون ، لأنه يحبهم ، يجِلُّهم ؛ لأنّ فيهم من رب العالمين الذي تنتهي إليه كل حالات الحضرة الإلهية من جلال وجمال يبدأ بالوطن لينتهي إلى خالق الكون ، هكذا كان خالدا في نصه هذا وما هذا الخلود إلا أثرا فنيا جماليا نستشف منه درجة الوعي لذات تعشق هذا الوطن ، فدخل إلى ساحة العِرفان بكل تجلياتها ، لأنّ المعرفة قد نصل إليها بالعقل أو بالوُجدان لكن عندما تكون بهما حدسا وإشراقا وتجليا أثناء كتابة النص هي سِمة الأدباء الذين يحملون مشروع قضية ، فالأديب الممتاز يخرج من ذاتية الطين إلى عمق هذا الكون مع اختلاف درجة العشق حسب مستوى هذا الأديب أو ذاك .
فالأديب عارف والإبراهيمي كذلك يقول : "... وأَحمِل إليها" الجزائر "مني سلامته تباري لطافته لطافتك، وتساري إطافته إطافتك ..."، اللطف قمة العرفان للمكان ووهجٌ يعكس الشوق إلى الأرض لأنها المنتهى ولأنها نهاية النهايات ، ولأنّ البوح هو سر علاقته بخالق الكون ، جَعَلَتهُ في لحظة شاعرية يرتبط بعالم أسمى أو يرتفع عن العالم المادي المحدود ويقول أيضا :"...فحملتها روحا وأديتها بوحا وأعلنتها شذى وفوحا ، وكنت بريد الأرواح إلى الأرواح بألفاظ غير مكتوبة، ومعاني غير مكذوبة وقديما أفضى إليك الشعراء بشجونهم
المتأمل في هذه الكلمات يرى في تجربته تفردا وأحاسيس وانفعالات ندرك من خلالها مفهوم الفناء المطلق ، بما في النفس من مشاعر لأنها لا تعبر عن الحياة العادية بل هي إشراق ورفرفة وانسياب يعرُجُ إلى عوالم أخرى ، ونستطيع أن نفهم سبب ديمومة هذه النصوص لأنها لغة الشعر عند العُرَفاءِ " العارفين بالله" ولأنّ اللغة العادية لا تستطيع أن تعبِّر عن هذا الوَهَجِ ، لأنّ فيها موسيقى وخيال وظِلال لكي تستطيع أن تنقل الشحنة العاطفية المتراكمة في نفس الإبراهيمي وتصل بكل أمانة ودون زيف ، فتلامس شِغَافَ أرواح الناس لتحببهم في هذا الوطن الجزائري .
فالجلال والجمال هما مفهومان متلازمان في بوح النص الإبراهيمي ؛ فالجلال هو مظهر الغَلَبَةِ والقَهر والقُدرَةِ يقول الإبراهيمي : " وبما رفعوا لك من ذكر فالذي يؤديه عني اليوم هو ثمن الإعلان وروته عن السلف ولم يسقط حقي في تقادم الزمن ...." ، لما حظيت به من قهر وقدرة وكذلك من لطف ورحمة ، وهو يرى في هذا الوطن قوة الإمكان بما كان وبما هو كائن ليفتح لنا المجال لنكون كما كان يرغب أن نكون ، وفعلا كان ذلك من عقل ووجدان يستشف من خلاله عالم الشهادة ليقرأ واقع الحال ويعكس له واقع المآل ، لأنّ القبح لا مكان له في نفس العرف وإن وُجِدَ بين الناس فهو مفسدة للنفس ، فأوكل إلى ذاته محاربة كل قبح لتحقيق الجمال وبلوغ درجة الجلال ، فكلما تجلىّ الجمال مَلَكَ شِغافَ القلوب وقهر العاشق وأوجد في النفس هيبة ورهبة ووجلا ، وعليه فالإنسان بعشقه للوطن يتعلم فيكون بين خوف ورجاء فيزداد اندفاعا نحو طلب رضا مَن يعشقه " الجزائر" ومادام الإنسان خُلِقَ بفطرته لكي يكدح كدحا نحو الله ليلاقيه وهو راض عنه ، والكدح هما نحو الله ليس قطع مسافة مكانية بل قطع أشواط على طريق التخلق بأخلاق الله وهي الفطرة التي فُطِرَ عليها ، إنه يتجه بفطرته نحو المثل الأعلى الحقيقي الذي خُلِقَ الإنسان وَرَسَمَ له طريقا تكامله اللانهائي وهو الإيمان يقول الإبراهيمي:"سِر يا صبا طاب مسراكا وصفى مجراكا في جو ضاحك الصفحة وفضاء سافر الغرة...".
المسرى هنا بُعدٌ روحاني يبرز مدى عرفان الإبراهيمي للمكان وما كلمة "الفضاء " إلا تعبيرا عن ذلك اللامتناهي الذي يربطه بالوطن ، وهو فضل الإسلام الذي أنشأه على هذه الوتيرة العِرفانية تختلف عن المثل الأعلى السرابي لأنّ المفهوم الأخير " السرابي " لا يكون إلا عند أولائك الذين لا عقيدة لهم وهو بذلك يعلمنا كيف نرسخ العقيدة في أنفسنا لنحمي بها أرضنا وإنساننا ونجعلهما حالتين متلازمتين لا نفرق بينهما ونضعهما نصبَ أعيننا وندافع عنهما وهنا قمة الجلال الذي يبدو في مظهر الجمال ، بهذه الواقعية الإبراهيمية استخلص معادلة وهي " أنّ كل أديب عاشق ، وكل عاشق عارف لأنه لو جَفَّ العشق لجفّ روح الإبداع الأدبي والعرفان وكل منهما يلازم الآخر ملازمة النفس للجسد.
يقول الإبراهيمي : "...قل للجزائر الحبيبة هل يخطر ببالك من لم تغيبي قط عن باله؟ وهل طاف بك طائف السلوى وشغلك مانع الجمع وموجب الخلو ، عن مشغول بهواك عن سواك؟".
هو استفهام يحمله ليضع القارئ أمام حالة إبداع فيها من الشوق لرؤية حال أخرى وتبَدّلِِ الأوضاع على يد علمائها وصفوة أخيارها ممن يحملون العقيدة ويجمعهم الحق وهو بذلك مبدع لخطاب استفهامي عرفاني من الدرجة الأولى ، تعلّمه على أرض هذا الوطن وعلى يد أساطينها العلمية فكان كمن ينزل إلى الواردات الإلهية والتنزيلات الروحية والمناسبات العلوية ، وعلى الطريقة المثلى ليضع الخواطر على ما تليق به النفوس الأبية والهمم العالية لأنّ قضية البلاد متعلقة بالأمور السماوية ، امتاز الإبراهيمي بأسلوبه الفكري المعرفي والسلوكي ؛ الذي فيه كثافة في الموضوع ودقة في التحليل وعليه فالكتابة عنده لها خصوصية تندرج ضمن الإصلاح السائد في وقته ، إضافة إلى إدراج نسق فكري ديني وطني شامل ، وبالتالي فهي واقعية إصلاحية حيث ربط مشكلات الجزائر بمشكلات العالم الإسلامي ، فلم يبق الإصلاح لديه محليا بل ضمن شمولية من إبداع أدبي عرفاني لم يكرر فيه ذاته في كل مرة ، فالبناء النسقي عنده علوي عام وعميق ضمن تجربة فكرية دلالية وحضارية ، وهو خطاب يبدو متميزا بتميز الإبراهيمي الذي خالط غيره من مفكري العالم الإسلامي ، واستفاد من تجاربهم الخاصة فكان بمثابة العالم الصارم المخلص الذي يقول كلمة الحق أمام السلطان فكان جزاؤه الإقامة الجبرية لكن جزاؤه من الله بنفس مطمئنة راضية ، فهي جرأة بعيدة عن المجاملة وهي سمة لا تتوفر عند كثير من العلماء.




الأستاذ: العربي عبد القادر
قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة محمد بوضياف –المسيلة
تم إضافته يوم الخميس 03/01/2013 م - الموافق 21-2-1434 هـ الساعة 2:12 صباحاً
شوهد 2733 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 9.01/10 (2541 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved