خريطة المجلة الجمعة 22 سبتمبر 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
مجلة نور الأدب العدد الثالث
أهمية الإمتاع والتشويق في التأليف اللغوي بقلم: أ. د. محمد المختار ولد أباه

أهمية الإمتاع والتشويق في التأليف اللغوي بقلم: أ. د. محمد المختار ولد أباه
تطوير أساليب تعليم اللغة العربية تعترضه عقبات جمة، منها كون العربية لم تعد لغة الخطاب في البيت أو في الشارع ولا في المدرسة، فقد استحكمت العاميات على أبنائها وهزمتها في عقر دارها وزاحمتها اللغات الأجنبية في المدارس والجامعات ومعاهد البحث فاستأثرت بتدريس العلوم والتقنيات ووضع المصطلحات العلمية.
ومن هذه العقبات أيضاً ما يعود إلى طبيعة كتابتها، حتى قيل إن اللغات تقرأ لتفهم وأن النص العربي لا يقرأ حتى يفهم، ومن هنا ندرك أهمية المواضيع المدرجة للبحث في هذه الندوة ومدى ما يُعقد عليها من آمال.
ولا شك أن هذه الندوة تتناول قضايا أساسية تهدف إلى إبراز الحلول العملية لتحقيق الأهداف التربوية المقصودة في هذا الملتقى. ذلك أن تطوير البرامج أمر ضروري للتخلص من رواسب نظم التعليم الحالي الذي ندرك ما له من نواقص وعيوب، وللاستفادة من تجارب الآخرين اختصاراً لطرق النجاح. والعناية بتأليف الكتاب المدرسي من أنجع عوامل تسهيل العملية التربوية لأنه هو الكفيل بإخراج النظريات من حيز التصور الفكري إلى واقع التطبيق العملي. وقد يتوقف نجاحه على تحديد طرقه ليكون أداةً فاعلة بين يدي الطالب والمربي.
لقد ارتأت الندوة أن تدرج في هذه الأساليب التجديدية عنصري التشويق والإمتاع.
والإمتاع والتشويق وجهان لعملية واحدة ترمي إلى هدف تربوي مزدوج وهو جعل التعلُّم مريحاً أثناء التلقي وداعياً إلى التطلع إلى مزيد من المعرفة، وليس من شك أن تعليم اللغة العربية يحتاج إليهما في الدروس العادية وفي تأليف الكتاب المدرسي.
يبقى علينا أن نتصور كيفية توفيرهما في المناهج والعروض وهذا يستلزم منا بيان مكوناتهما، ووسائل الحصول عليهما.
الإمتاع
ونعتقد أن أهم مكونات الإمتاع في التعليم الإيضاحُ في شكل الإلقاء والطرافةُ في مضمون المادة. فبقدرما يكون العرض واضحاً، بقدر ما يتجاوب معه الطالب دون مشقة أو عناء فوضوح الإلقاء يفضي إلى انبساط المتلقي ويبرهن على مدى استيعابه وفهمه لموضوع الدرس. حتى قيل :
"والفهم من علومه أن تضحكا".
والإيضاح هو الوسيلة الأولى لبلوغ الإفهام الذي هو المقصد الأساسي للتعليم، وهو الركن الذي انطلقت منه أعمال المربين قديماً وحديثاً، فعنونوا كتبهم بالإيضاح، مثل ما فعل الزجاجي وأبو علي الفارسي، و"بأوضح المسالك" عند ابن هشام، متبعين في ذلك ما سنه الجاحظ في تحلية كتابه بالبيان والتبيين، ثم صار مصطلح البيان بعده من المواد العلمية التي ترمي إلى وضع ضوابط الجمع بين الإيضاح والإمتاع؛ غير أن الجاحظ تناول في كتابه المذكور المكون الثاني للإمتاع الذي ذكرناه آنفاً وهو عنصر الطرافة.
والطرافة تعني الجدة في أصلها اللغوي غير أن مقتضاها في الميدان التربوي هو تقديم المعلومات بصورة جذابة، اعتماداً على ما يستدعي الانتباه ولفت النظر ومن طرائفه المعهودة تنويع الخطاب لتفادي السآمة والملل.
وهذا ما عبر عنه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد حين يقول في كتابه الكامل : "نذكر في هذا الباب من كل شيء شيئاً لتكون فيه استراحة للقارئ وانتقال ينفي الملل لحسن موقع الاستطراف، ونخلط ما فيه من الجد بشيء من الهزل ليستريح إليه القلب وتسكن إليه النفس". ثم استعرض في هذا الباب قول الإمام علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه : "إن القلب إذا أكره عمي"، وقول عبد اللّه بن مسعود : "إن القلوب تمل كما تمل الأبدان"، وقول أبي الدرداء : "إنه يستجم لنفسه بشيء من الباطل ليكون ذلك أقوى لها على الحق".
ومن عادة المربين أن يستعملوا في هذا التنويع طرقاً متعددةً منها النكات، وهي لا تعني بالضرورة النوادر المضحكة، وإنما تعني طرائف الحكمة مثل ما يقول الإمام ابن عرفة :
إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة وتقرير إيضاح لمشكل صــــورة
وعـزو غـريب النقل أو حل مقفل أو إشـكال أبـدته نتــيجة فــــــكرة
فـدع سعيه وانظر بنفسك واجتهد ولا تـتركـن فالـترك أقبح خـــــــلة
أما المستملحات المسلية فإنها قد تساهم في الإمتاع، لكنها كملح الطعام يفيد قليله ويضر كثيره. وصدق من قال:
أفد طبعك المكدود بالجِدّ راحـــة يجـمُّ وعـّلّله لشـيء مــن الـــمـزح
ولكن إذا أعطـيته المزح فليـكــن بمقــدارما يعطى الطعام من الملح
التشويق
أما التشويق فقد رأينا أنه لا ينفصل عن الإمتاع، فكل ما ليس ممتعاً لن يكون مشوقاً، إلا أن للتشويق طرقاً تتنوع بحسب أشكاله؛ فمن هذه الطرق ما نقرأه في الصحف، كالألغاز والكلمات المتقاطعة التي يعد الكاتب بحلها في العدد المقبل وهذا يجعل القارئ يتشوق إلى العدد الموالي ليعرف الحلول.
ومنها ما اعتاده كُتّاب القصص والأفلام البوليسية التي تبدأ بعقْدة تتمثل غالباً بارتكاب جريمة مَّا يُبحث عن مرتكبها؛ ثم تطرح عدة فرضيات وتثار احتمالات ومفاجئات تشد المشاهد والقارئ إلى معرفة النهاية.
ومن ألوان التشويق أيضاً ما يمكن أن نسميه بالتشويق القصصي ويتمثل في عرض مغامرات تسلسل أحداثها، ويتوقف العارض في أثناء الطريق ليجعل المستمع يتطلع إلى مزيد من مجريات القصص، ومن أشهر أمثلتها حكايات ألف ليلة وليلة التي تسكت فيها شهرزاد عن الكلام المباح حينما يدركها الصباح. ولقد أصبح هذا اللون شائعاً في المسلسلات الفنية التي تعرض ضمن حلقات تتحكم فيها صنعة الإخراج التقني.
وأعتقد أن التشويق التربوي يختلف عن كل هذه الأشكال ولو أنه على المربي أن يكون ملمّاً بتقنياتها، وبصيراً بطرقها؛ لكن المربي لا يُطلب منه أن يكون مخرجاً سينمائياً ولا روائياً محترفاً، وإنما يطلب منه التفكير في التعامل مع مادته وطلبته حتى يحملهم على حب التطلع والتعطش إلى مزيد من المعرفة. فالتشويق المنتظر من المربي، سواء في تأليف الكتاب المدرسي، أو في تصور المقررات وعرضها، هو أن ينبه الطالب إلى وحدة المادة العلمية، وإن كل درس يكون جزءاً من هذه الوحدة، وأن المادة لا تعرف إلا إذا كمل المقرر.
وهذا ما يقتضي منه في مجال التشويق أن يعتني بالروابط بين أبواب المادة الواحدة، حتى تكون عُروضه توحي بوجود سُلم يتراءى للمتعلم أمامه ويريد أن يصعد إليه درجة درجة، يتطلع إلى ذلك اليوم الذي يصل فيه إلى قمته، دون أن يغفل في هذا الارتقاء مبدأ الإمتاع الذي قد يتمثل في الاجتهاد على حسب اختيار المناهج والمقررات، والنصوص المعتمدة في دروس تعليم اللغة وفي تلقين قواعدها والتمارين على التعبير الشفهي والكتابي. وهذه هي المواد الأربع الأساسية لتعليم اللغة.
ونقدم فيما يلي بعض الأسس التي يُتوخى في اختيارها وفي عرضها توفير عنصري الإمتاع والتشويق، مع التأكيد أننا لا نرى فيها دروساً نموذجية يحتذى بها، ولكننا نرى فيها أمثلةً للمحاولات التي على المربي أن يقوم بها للبحث في ضوابط الاختيار وتقنيات العروض :
أولاً : القراءة :
لقد أصبحت القراءة من الأسس الأولية لتعليم اللغة العربية لأنها هي التي تقوم مقام دور الأم في غياب لغة الأم، فصورها هي التي ترتسم في ذهن الطالب لتتحول إلى ملكات الفهم والتعبير.
وحتى اختيار نصوصها يوفر ما نتحدث عنه من إمتاع وتشويق بصفتهما يعينان على سد الخلل الناشئ عن اختفاء هذه اللغة في البيت وفي الحياة العادية، ولولا أن العربية احتمت بظلال القرآن الكريم، لقضي عليها بالتقادم والاندثار مثل ما وقع لسائر اللغات القديمة.
ومن الطبيعي أن يكون اختيار نصوص الإفهام موائماً لمعطيات معينة، منها اعتبار مرحلة التعليم التي تحدد مستوى الطلبة، ومنها أيضاً نوعية الأقسام في الميادين العلمية والأدبية، فلكل منها خصائصه ومتطلباته؛ كما أن الكتاب المدرسي لابد أن يراعي في مقرراته تكامل هذه النصوص لتشمل الأصول التراثية التي تعطي الأسس لامتلاك قواعد اللغة ونصوص المجيدين من الكتاب المحدثين والصحفيين، لأن فيها تسهيل أدوات الاستعمال.
ومن الملاحظ أن اللغة العربية، نظراً لتاريخها الطويل، تشمل كَمّاً لا يحصى من النصوص المتنوعة، مما يعطي للمؤلف القدرة على حسن الاختيار، وقد << تتكاثرعليه الظباء>> حتى لا يدري ماذا يصيد. فالمهم هنا أن يختار على غرار أبي حيان التوحيدي النصوص التي توفر لطلبته عناصر الإمتاع والمؤانسة وتوفر لهم دواعي التشويق وحب التطلع.
وقد تكون هذه النصوص ممتعةً لعدة اعتبارات منها ما هو ناتج عن طرافة موضوعها مثل ما هو منثور في كتب الأدب القديمة كنوادر البخلاء، والطفيليين، والمتنبئين، ونصوصها متوفرة في مصنفات معروفة مثل بخلاء الجاحظ وأغاني الأصفهاني، وعقد ابن عبد ربه وكامل المبرد وبهجة مجالس أبي عمرو بن عبد البر ومستطرف الإبشيهي.
وربما يكون النص عادياً في موضوعه ولكنه يعتبر طريفاً بسبب قائله أو ناقله، ومن ذلك أننا نقرأ قول الشاعر :
كتمت الهوى حتى أضرَّ بك الكتم ولامـك أقـوام ولومُـهم ظـُـلــمُ
ونـمَّ عليــك الكـاشحــون وقبلــهم عليك الهوى قد نم لو ينفع النم
وقد لا نعير لهذين البيتين اهتماماً خاصاً، فقد تكون من إنشاء كُثير عزة أو جميل بثينة. ولكن عندما نعرف أن قائلها هو عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود أحد علماء المدينة السبعة، وهو من علية فقهاء الإسلام الأوائل، فإننا سنعيد قراءتهما ونجدد النظر فيهما.
وفيما يخص روايات الشعر، فإن الباحث قد يقرأ هذه الأبيات وهي معزوة لإمرئ القيس بن حجر وهي قوله :
الحـــرب أول ما تـكــون فــتيّــة تسـعى بـزينتها لكـل جـهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ولت عجوزاً غير ذات حليل
وإذا ما أراد الباحث أن يتحقق عِلْمِياً من صحة عزوها، فإنه سيلجأ إلى ديوان الشاعر في رواية الأصمعي أو أبي عبيدة، ثم لا يجد ما يريد، لكنه قد يراه صدفة في مصنف من أوثق الكتب الإسلامية ألا وهو صحيح الإمام البخاري.
ثانياً : القواعد :
أما تعليم القواعد النحوية، سواء في الدروس أو في التأليف، فإنه يمر غالباً بطرق ليست ممتعةً ولا مشوقة، وفي أكثر الأحيان ليست ذات جدوى لتعليم اللغة العربية. لأن دراسة النحو اتسمت في نشأتها بظاهرتين اثنتين كان لهما بالغ الأثر في تاريخ النحو :
الأولى : أنها بدأت بكتاب سيبويه الذي كان مدونة النحو المتكاملة، وهو من الصعوبة والتعقيد بحيث أن أوائل علماء النحو كانوا يقولون لمن أراد قراءته : "هل ركبت البحر؟" ولم تُجْدِ جهُود مؤلفي المقتضب والإيضاح والجمل والتسهيل في إيضاحه أو تسهيله.
الثانية : أن هذه المدونات، بما فيها خلاصة ابن مالك وفريدة السيوطي جعلت من النحو علماً مستقلاً ومنفصلاً عن اللغة العربية، ولم تفلح إلى الآن جهود مؤلفي الكتاب المدرسي في النحو، بما فيها النحو الواضح، أو النحو الوافي في لمّ الشمل بين العربية وبين نحوها.
فلا غرابة إذن أن نجد متخصصين في غوامض النحو، غير قادرين على الكتابة ويعرفون ما جرى بين الخليل ويونس الضبي وبين نحاة البصرة والكوفة في كثير من الخلافات حول الاشتقاق والحروف الزائدة وعوامل الإعراب؛ ومع ذلك عاجزون عن الكتابة والإنشاء.
وهذه التعقيدات هي التي أدت إلى ما يعرف بثورة ابن مضاء، وجهود دعاة التسهيل قديماً وحديثاً، لكن كل هذه الجهود انصبت إلى محاولة تقريب تدريس القواعد أكثر منها محاولة لربط الصلة بين القواعد واللغة وهذا في رأيي ما ينبغي البحث فيه من قبيل التطلع إلى الإفادة والإمتاع.
ولذلك لا نتوقع وجود إمتاع أو تشويق في دروس قواعد النحو نظراً لأن قوانينها يطبعها التصلب والجفاف، وقد يكون الوضع أشد عندما يتعلق الأمر بقواعد التصريف، الممتلئة بالتغييرات والأوزان والأمثلة التي ليس لها معنى خارج التمثيل.
ومع ذلك، فحينما يجتهد المؤلف في تقريب مادته، وتهذيب عبارته وتبسيط قواعده، فإنه يصل إلى بعض النتائج المتوخاة فيما يخص عرض القواعد.
وبإمكاننا أن نعطي مثالين في ذلك أحدهما نأخذه من خلاصة ابن مالك الجياني، الذي استطاع أن يجعل من خلاصته مادةً "أدبيةً" لا نصفها بأنها سهلة لكنها قابلة للتسهيل؛ وإذا تمكن الطالب من مقاليدها العامة فإنه سوف يجد في تناولها إمتاعاً خاصاً وتشويقاً.
لقد يتم ذلك عندما تتحول كتب القواعد إلى نوع من الثقافة العامة، تعيد إلى المادة طعمها وأدبياتها. من أمثلة ذلك ما يتردد في محاظر شنقيط من حكايات ونوادر حول هذه النظم. حتى حكي أن أحد القضاة، أتته امرأة تشكي من زوجها وتطالبه بالرفع، فسألها القاضي عن اسمها ونسبها، فقالت إنها فلانة ابنة الواقف؛ فرد عليها قائلاً : إن لك ما تريدين، لقد قضى ابن مالك في أمرك، وحكم لك بالرفع حين قال :
وقد يبيح الفصل حذف التاء في نحو أتى القاضيَ بنتُ الواقف
أما المثال الثاني من الإمتاع، في عرض القواعد فإننا نلاحظه عند ابن عصفور في كتاب سماه بالممتع ولقد أراد أن يكون كاسمه بالرغم من ثقل مادته، بيد أنه كما يقول مؤلفه عنه : "إنه جامع لمسائل التصريف مع حسن الترتيب وكثرة التهذيب، وتعمم أفنانه وإشراق أنواره وللعقد في التئام وصوله وانتظام فصوله".
وأعتقد أن هذه العبارات تلخص ما تحدثنا عنه بالنسبة إلى الإمتاع وهي تنوع الأساليب وحسن الترتيب وبالنسبة للتشويق من وحدة العقد وانتظام الفصول.
وقد يكون الأساس في عرض هذه المادة هو بذل الجهد في إيضاح القواعد والبحث عن الطرافة في الأمثلة، وعن التشويق في التمارين؛ والعمل على ربط هذه القواعد باللغة حتى لا ننسى أن الهدف الأصلي منها هو إعطاء الطالب وسائل الفهم والتعبير الشفهي والكتابي.
وحينما نصل إلى مرحلة التعبير، فإن على المربي أن يعي تحوُّلاً جذرياً في أصول العرض، لأن الطالب ينتقل من دور المتلقي إلى دور الصانع والمنتج. ولهذا فإن عليه أن يتعلم كيف يُمتعُ ويشوق. وهي مرحلة دقيقة لأن نجاحها يتوقف على كثير من العوامل أهمها مستويات الطلاب عموماً، ومواهب أفرادها خصوصاً.
ثالثاً : التعبير :
واعتباراً لمواطن الحاجة إليه، فيمكن أن نقسمه إلى أربعة أصناف :
1 . الخطاب الديني : وهو المألوف في الوعظ والإرشاد وهو في حاجة إلى الطرافة والتشويق وإلا عزف عنه المستمعون، وقد يطلب من المؤلفين في التربية الإسلامية أن يراعوا ضرورة تجديده وتطويره ليلائم لغة العصر وثقافته وتلك سبيله إلى الإقناع. هذا وأن لأهله معيناً لا ينضب ألا وهو القرآن الكريم، تنزيل الحكيم الحميد وأحاديث من أوتي جوامع الكلم.
2 . الخطاب الثقافي: ونعني به عمل الأساتذة والمربين في الدروس والمحاضرات والأحاديث الثقافية، وأهم ما يشوق في هذا الخطاب هو وضوح الرؤية والتعبير. وهذا لا يتأتى إلا إذا اعتمد المربي، سواء أكان محاضراً أو مؤلفاً، على عنصرين اثنين، هما التأكيد على وضوح الصورة في ذهنه هو أولاً، والتفكير في تبسيط عرضها ثانياً. ولقد صدق أحد النقاد في قوله : "عندما تتضح صورته في الذهن، يسهل التعبير عنه".
3 . الخطاب السياسي: وهو ما يحتاج إليه رجال الإدارة والحكم، ومحترفو الصحافة في المجال السياسي، والملاحظ أن على الساسة والصحفيين العرب أن يأخذوا العبرة من عناية الغربيين بلغاتهم، لأن جماهيرهم لا تسمح بالأخطاء فيها، وأكثر قادة الغرب من كبار الكتاب. والمؤسف أن بعض حكام العرب قد نسي قول عبد الملك بن مروان أن الشيب عاجله بسبب طلوع المنابر وتوقع اللحن.
4 . الخطاب الفني: وهو ما نسمعه من المسلسلات وفي الأعمال المسرحية؛ وقد يتوفر بطبيعته على عنصري الإمتاع والتشويق، ولعل مشكله الأساسي هو استعماله للعاميات لاكتساب أكبر عدد من جماهير المشاهدين، غير أن بإمكانه الإسهام في تطوير أساليب اللغة باعتماد الفصحى المبسطة.
رابعاً : الكتابة :
أعتقد أن غرض تعليم الإنشاء يتطلب تطويراً، يجعله يتم في ضوابط محددة، تعطي الطالب أسس الكتابة، وفق مقررات منهجية سليمة. وأرى أن الخلل الملاحظ في هذا المجال يعود في بعض عوامله إلى التخلي عن القواعد الأصلية للكتابة. فمحاولة تبسيط طرق التدريس أدت بالمربين إلى المبالغة في الاعتماد على ملكة الطالب الذاتية، ومطالبته بتحرير مقالات لا يعتمد في إنشائها إلا على تجربته الخاصة، ومكاسبه الثقافية. ثم إن استهجان التكلف والأساليب البلاغية القديمة أبعد الأساتذة أنفسهم عن تحديث دراسة الإنشاء.
وقد يكون التحديث لا يقتضي أن يتدرب الطالب على استعمال وجوه البيان والبديع، ولكن على المربي أن يعي في تعليم الكتابة، جملة من المقاصد البيانية، تمكنه من السير على هدى في أعماله. من هذه المقاصد ما هو مندرج في المبادئ العامة، ومنها ما يختص بمواضيع معينة؛ ومن أمثلة المبادئ العامة نذكر إيضاح المعاني، فأول ما على الأستاذ أن ينبه المتعلم عليه، أن التعبير عن المعنى لا يكون واضحاً إلا إذا كان المعنى نفسه واضحاً في ذهن الكاتب وأهمية الاستيضاح الذهني تتضاعف عندما نعرف أن طرق تعليم الإنشاء اليوم اقتصرت على التركيز على المعاني دون الأشكال التعبيرية وإذا كان القصد من وراء هذه الطرق أمراً محموداً بحيث إنه يحترم حرية الطالب ويحمله على انتقاء أسلوب خاص به بمنأى عن القوالب الاصطناعية، ولكنه مع ذلك لا يعطيه التقنيات التي تساعده على امتلاك الأدوات الأولية للكتابة، ولذلك فلن يتمكن من إحكام الصنعة إلا بالتدريب على استعمال هذه الأدوات.
وهذا ما يحملنا على ضرورة إعادة النظر في مقررات التعليم لنعيد الاعتبار إلى دراسة علوم المعاني والبيان ونعمل على عرضها في حلة جديدة، نأخذ منها إيحاءاتها الثقافية، وصورها الحية، مع تجنب ما تحجر من قواعدها، أو ما غلب عليه التكلف والتصنع من أساليبها.
غير أنه لا شيء في هذا الباب أفضل وأجدى من قراءة مجيدي الكتاب المبدعين، فإنها تجمع بين الحسنيين إذ تشحذ موهبة الطالب في الإنشاء والكتابة وتوفر له الإمتاع والتشويق في المطالعة.
واللّه الموفق
تم إضافته يوم الجمعة 28/05/2010 م - الموافق 15-6-1431 هـ الساعة 5:53 صباحاً
شوهد 1419 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 4.56/10 (1239 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved