خريطة المجلة الأربعاء 23 أغسطس 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
دراسات نقدية
في النقد الأدبي الحديث د.مرتضى بابكر الفاضلابي

في النقد الأدبي الحديث د.مرتضى بابكر الفاضلابي
في النقد الأدبي الحديث     د.مرتضى بابكر الفاضلابي
تعريف النقد:
من الصعب تحديد معنى النقد تحديدا دقيقا إذ أنه من المستحيل وضع تعريفا واحدا محدد له فهنالك عدة تعريفات ، فقد عرفه أحمد أمين النقد بقوله هو: "استعراض القطع الأدبية لمعرفة محاسنها ومساوئها."
وقيل كذلك هو تقدير القطعة الفنية ومعرفة قيمتها ودرجتها في الفن سواء أكانت القطعة أدبا، أو تصويرا ، أو موسيقى .
ولكن يمكن أن نقف عند بعض القضايا الأساسية التي يمكن من خلالها أن نعرف النقد :
فالنقد الأدبي في صورته الأولية يقوم أساسا على قراءة النص الأدبي وتحديد خواص هذا النص والكشف عما فيه من جوانب الحسن والقبح ، ويجب أن يقترن هذا الكشف ببعض الشروحات والتحليلات بالاضافة إلى بعض الملاحظات اللغوية والبيانية حول النص لنكشف عن جمالياته .
وبهذه الصيغة يمثل هذا الأمر البعد الموضوعي للنقد بعيدا عن الذوق والطبيعة الشخصية للناقد . وقد رأينا فيما سبق كيف بدأ النقد الأدبي القديم بداية متواضعة ، ثم نما و ازدهر حتى ألفت فيه المؤلفات النقدية المتعدده ، وعرفنا أن ظهور الإسلام قد أضاف معايير نقدية للحكم على العمل الأدبي ، ورأينا نماذج متعددة تصور حالة النقد في تلك الفترة حتى العصر الحديث الذي يمتاز بسعة مجاله وتعدد قضاياه وتنوعها وفنونه فقد شمل النقد الحديث بجانب نقد الشعر نقد المقالة والمسرحية والقصة . فقد امتاز النقد الأدبي الحديث عن النقد القديم بسعة مجاله ، وتعدد قضاياه وتنوعها .
ب: المفهوم الحديث للنّقد الأدبّى
يقوم النقد الأدبى اولاً على الكشف عن جوانب النضج الفنّى فى النتاج الأدبى وتمييزها عمّا سواها على طريق الشرح والتعليل ثمّ يأتى بعد ذلك الحكم العام عليها فلا قيمة للحكم على العمل الأدبى وحده وان صيغ فى عبارات طليّة طالما كانت تتردد فى تاريخ فكرنا النقدى القديم وقد يخطيء الناقد فى الحكم ، ولكنّه ينجح فى ذكر مبررات وتعليلات تضفى على نقدة قيمة فيسّمى ناقدا ، بل قد يكون مع ذلك من اكبر النقاد .
وأقدم صورة للنقد الأدبى نقد الكاتب أو الشاعر لما ينتجه ساعة خلقه لعمله ـ يعتمد فى ذلك على دربة ومران وسعة اطلاع وتقتصر اهميّة هذا النوع من النقد على الخلق الأدب .
تعريف الناقد :
هو ذلك الرجل المتخصص الذي يمتلك ثقافة تمكنه من قراءة النصوص قراءة ممحصة وموجهة وواعيه تحتكم إلى ضوابط . لتكون مهتمة في الأخير التأثير في الجمهور وتهذيب أذواقهم .
وعلى الناقد ان لا يشطب اعمال المبدعين كونها تخالف ميوله وأهواءه وآراءه لأن الأدب كان ولا زال عملا إبداعية مفتوحا في مختلف الأمكان وعبر العصور . وإذن على الناقد أن يخلص لذاته ولنقده وللثقافة التي ينتقدها .
مؤهلات الناقد وشروطه :
ـ الاستعداد الفطري .
ـ الطاقة الشعورية .
ـ الاجتهاد والدربة والمران والمراس .
ـ حب العمل والأطلاع .
ـ والالمام بالأداب والعلوم والنماذج الراقية والذوق السليم والذكاء .
ـ الحذق والفطنة .
ـ الصبر ورحابة الصدر وسعة الأفق وبعد النظر .
ـ الموضوعية والقدرة على التغيير .
مراحل النقد:
مر النقد الأدبي بعدة مراحل حتى وصل إلى ما هو عليه في وقتنا الحاضر هي :
1/ مرحلة النقد البسيط الذي يصدر بطريقة عفوية وشفوية دون تدوين أو ضوابط ويسمى هذا النقد بالنقد الإنطباعي أو النقد التأثري .
2/ مرحلة التدوين والتي اسهمت في تطوير ورقي الكثير من العلوم والفنون والمعارف .
3/ النقد المنهجي الذي يقوم على قواعد وأسس .
أنواع النقد الأدبى
إذا كان النقد ضرورة من ضروريات الحياة لا نستغنى عنها مادامت تتطلّب التقدم ومحاولة البراءة من النقص والتخلّف . فمن الطبيعى أن يتناول النقد جميع مقوّماتها العلميّة والفنيّة والإجتماعيّة والسياسيّة لعلّه يصلح ما فسد، ويعين على الترّقى، ويهدى الباحثين والعاملين إلى أهدى السبل وأسمى الغايات لهذا اختلف النقد أو تعدّد بتعدّد نواحى الحياة فمنه :
1ـــ النقد الذاتي أو التأثـُّري : وهو الذي يقوم على الذوق الخاص ، ويعتمد على التجربة الشخصية ، ويعتمد على المنهج الموضوعي .
2ــ النقد الموضوعي : وهو الذي يركن إلى أصول مرعية وقواعد عقلية مقررة يعتمد عليها في الحكم ، كطريقة قـُدامة في كتابه " نقد الشعر " .
3ــ النقد الاعتقادي : وهو النقد الذي تتحكم فيه عقائد وآراء خاصة عند الناقد ، وهو يحمل في طياته معنى التعصب والميل إلى نزعة خاصة ، وكلما تحرّر الناقد في نقده من آرائه ومعتقداته الشخصية كان تقديمه عادلا وأكثر إنصافا وصدقا وتحريا للحقيقة ، إذ أن تجرّد الناقد من هواه وآرائه شرط أساسي لسلامة أحكامه النقدية من الجور .
4ــ النقد السياسي : الذّي يتّخذ مقاييسه من أصول الحكم ، والقوانين الدولية ، والبراعة التّى تفيد الدّولة وتدعم سلطاتها داخليّا وبين الدّول جميعا.
5ــ النقد الإجتماعى : الّذي يعتمد في كيانه على تقاليد الأمّة ، ومايسير عليها حياتها ، ويحمى أفرادها وأسرها وأخلاقها من الفساد والتدهور، وعلى جميع ما يرضى الكافّة ، ويجعل الأفراد مهذّبين صالحين لمسايرة التقدّم والنّجاح .
6ــ النقد التاريخى : الذّى يشرح الصّلة بين الأدب والتاريخ فيتّخذ من حوادث التاريخ السياسى والإجتماعى وسيلة تفسير الأديب وتعليل ظواهره وخواصّه .
7ــ النقد العلمى : المتّصل بالطبيعة والكيمياء والريّاضيّات ونحوها ، وهو خاضع لهذه المناهج النظريّة والتطبيقية (التّكنولوجيّة) التّى وضعت لكلّ علم ، وإن كانت كلّها مشتركة فى صحّة المقدّمات وسلامة التجارب ودقّة الإستنباط والتجرّد من الأشياء الذاتيّة ، إذ كانت المسائل العلّمية ظاهرة عقليّة موضوعيّة تتناول الحياة ، كما هى فى الواقع دون أن يكون الذّوق أو المزاج فيها نصيبٌ.
8ــ النقد الفنّى : وهو كذلك خاضع لأصول عامّة تصلح للفنون الرفيعة كلّها من رسم وتصوير وادب وموسيقى ونحت من ذلك صدق التعبير، وقوّة التأثير وجمال الخيال ومراعاة التناسب ، ومع ذلك فلكلّ فن منها مقاييسه النقديّة الخاصّة تبعا لطبيعته ، و وسيلته فى الأداء ، وهى متأثرة حتما بالذاتية اى بهذا الذّوق الفنّى لكلّ ناقد .
الاتجاهات النقدية:
لا يستطيع النقاد الحكم على النص الأدبي بيسر وسهوله إذ لابد أن تدعمه الثقافه الواسعه بعلم الكلمة ومدلولاتها وجمالها والإستعمال الحقيقي لها والمجازي .
كما أن النقاد يختلفون في الطريقة التي ينظرون بها للنص الأدبي _ كما اسلفت _، فيهتم الواحد منهم بجانب معين ومحددا والبعض يهتم بالمضمون وآخر يعنى بالشكل ، وبعضهم يرى أن العمل الأدبي صورة لمنشئه ونسميه المنهج النفسي في النقد ، وفئة ثانية من النقاد تعتقد أن العمل الأدبي صورة للواقع الإجتماعي وهو ما نطلق عليه المنهج الإجتماعي ، ومجموعة ثالثة من النقاد ترى أن النص الأدبي موجود بصورة مستقله عن الأديب الذي أنشأه ، وعن المجتمع الذي عاش بين ابنائه ، ويسمى هذا المنهج الفني .
لذلك لابد لنا من الوقوف على أبرز الإتجاهات النقدية المعاصره من أجل الوصول إلى رؤية نقدية شاملة لطبيعة النقد الحديث :
اولا : الاتجاه الفني :
يقوم الاتجاه الفني على دراسة العناصر الفنية في النص الأدبي ، كما يجعل من الجوانب التاريخية أو النفسية مجرد وسائل يستعين بها على عمله ، ولا يعوِّل عليها كثيرًا
فإذا كانت أبرز الأسئلة التي توجه للعمل الأدبي هي :
من القائل ؟ ماذا قيل ؟ كيف قيل ؟
فالسؤال المهم لدى نقاد الاتجاه الفني ؟
كيف قيل ؟ أي : ما الصورة التي ظهر فيها النص الأدبي ؟
أهمية الاتجاه الفني :
الاتجاه الفني هو الاتجاه الذي لا يمكن للاتجاهات الأخرى أن تستغني عنه ، أو تدرس الأدب بمعزل عن قواعده وأسسه الفنية .وعندما يُغفل الناقد الجانب الفني فإنه يتحول على يديه إلى مجرد وثيقة اجتماعية أو نفسية أو لغوية أو فكرية عن الأديب أو المجتمع .
سلبيات الاتجاه الفني :
الاعتداد الكبير بالشكل والانشغال به عن المضمون . ولذا ترى من يُعظِّمُ شأن نص أدبي ، وفيه الكثير من التجني على القيم والمبادئ
وحجتهم في ذلك : أنه لا يهتم إلا بالجانب الفني . فيكون الأدب سببًا في نشر أمور سلبية متعددة .
ومن رواد هذا الاتجاه : عباس محمود العقاد ، زكي مبارك ، محمد زكي العشماوي ، و يحيى حقي

ثانيا : الاتجاه التاريخي
هو الاتجاه الذي يدرس فيه الناقد المؤثرات التي أثرت في النص الأدبي . وفي مقدمة ذلك دراسة صاحب النص وبيئته ، والظروف الاجتماعية والثقافية التي عاشها الأديب ، وأثر ذلك في أدبه .
من أبرز رواد هذا الاتجاه : أحمد أمين : وهو من الداعين إلى أدب اجتماعي يستقي فيه الأدباء أدبهم من واقع الحياة الاجتماعية إذ أن الوظيفة الاجتماعية التاريخية للأدب في نظره ، أهمُّ الوظائف وأعظمها شأنًا .
سلبيات الاتجاه التاريخي .
1ـ الاستقراء الناقص .وهو : ( إقامة حكم نقدي على عينة صغيرة )
مثلا :
يقال : إن القصيدة العربية القديمة تبدأ بالنسيب . مع أن غرضين من أغراض الشعر هما : الهجاء والرثاء لا يبدآن عادة بالنسيب .
2 ـ الحكم بأسبقية شاعر إلى الشعر الحُرّ. مع أن هذه النتيجة تظل نسبية .
وكم حكم النقاد بأسبقية شاعر في أمر من الأمور ، فإذا البحوث والدراسات تكشف غير ذلك ، فيعودون للتراجع عن تلك الأحكام .
ثالثا : الاتجاه النفسي
هو الاتجاه الذي يهتم بدراسة الجانب النفسي في الأدب وإبراز تأثر العمل الأدبي بنفسية الأديب .
لأن العمل الأدبي ينبع من نفس الأديب متجهًا إلى نفس القارئ ، ومن هنا فإن ثمة ضرورة قصوى للوقوف على الجانب النفسي عندهما .
من أبرز رواد هذا الاتجاه : ( مصطفى سويف . في كتابه : ( الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة ) . حيث استخدم المنهج التجريبي الموجَّه ، ووزع عددًا من الاستبانات التي تتضمن عدة أسئلة وجهها لمجموعة من الشعراء ، ووصف تجاربهم النفسية في أثناء إبداعهم الشعري ، واطلع على مسوَّدات عدد من قصائدهم ، وحللها محاولاً بذلك أن يفسر الإبداع في الشعر .
سلبيات الاتجاه النفسي
عند التركيز على الجانب النفسي تتلاشى القيم الفنية ، ويتحول النص الأدبي والأدباء إلى حقول تجارب نفسية ، كما إنها تركز على الأنماط الشاذة ، وتهمل الكثير من النماذج السوية .كما أنه يتساوى في هذا الاتجاه النص الأدبي الجيد والنص الأدبي الرديء .
لأن النقد تحول إلى دراسة نفسية ، وتناسى أن عليه إبراز جوانب الإجادة والإبداع في العمل الأدبي .
رابعا : الاتجاه التكاملي :
هو الاتجاه الذي يعتمد على الإفادة من الاتجاهات السابقة جميعها ، والنظر إلى النص الأدبي وظروف إعداده نظرة شمولية متكاملة لا يتغلب فيها جانب على جانب .
ويمتاز هذا الاتجاه بتوازنه الفني بين المحتوى والشكل ويحكم على النص أو العمل الأدبي بمقدار ما فيه من مضمونه من فن وفي هذا الاتجاه يتم تفسير العمل الأدبي في ضوء عصره وظروفه الحضارية التاريخية والاجتماعية وفي ضوء ظروف صاحب النص والعمل الأدبي .
سلبيات هذا الاتجاه :
خضوع كل ناقد للجانب الذي يجيده ويبرز فيه ولهذا يصعب عليه التعامل بنفس الكفاءة مع الجوانب الأخرى التي قد يكون لايجيدها فهناك ما هو لغوي أو نحوي أو عروضي أو بلاغي .....
مراحل العملية النقدية :
تمر العملية النقدية بثلاث مراحل هي :
المرحلة الأولى : "مرحلة التفسير" وتتمثل في كشف المعنى العام الذي أراد الأديب أن يعبر عنه.
المرحلة الثانية : "مرحلة التَّحليل" وتشمل شرح الأسلوب الذي سلكه الأديب للتعبير عن أفكاره وعواطفه وآرائه .
المرحلة الثالثة : "مرحلة التقويم" وتتمثَّل في الحكم على العمل الأدبي وإبراز مدى تفوّق الأديب أو فشله في التعبير عن المضمون بالشكل المناسب.
وإن أجمع النقاد على ضرورة مرور العملية النقدية بالمرحلتين الأولى والثانية فإن فئة منهم اختلفت معهم في الرأي بشأن المرحلة الثالثة فأكدت أن مهمة النقد ينبغي أن تقتصر على الكشف عن مضمون النص الأدبي وشكله دون الحكم عليه وترك ذلك الحكم، في آخر المطاف، للقارئ .
أثر النهضة على الفكر والادب و النقد :
كان المشرق العربي قبيل النهضة منطويا على نفسه يعيش على الثقافة القديمة ، ويخيم عليه الفقر والجهل فكان أدبه راكدا يخلوا من الحياة ويتلهى في أزجال شعبية واحاجي نحوية وألاعيب لفظية وزخارف أسلوبية ولم يكن في البيئة ما يساعد على النهوض وكان لابد من نور ينير الأذهان ويرفعها إلى مستوى المجاري الفكرية والأدبية العالمية حتى جاءت الحملة الفرنسية التي كانت سببا في إسقاط المماليك وإيقاظ الشعوب وإظهار حقوقها ونشوء قوميتها وإدماج الثقافة العربية بالثقافة الغربية فقد كانت نقمة في شقها السياسي والعسكري ونعمة في شقها العلمي والمعرفي ثم اعقبها إنشاء المطابع وإصدار الصحف وفتح المدارس والمجامع العلمية ، والبعثات العلمية إلى إيطاليا فرنسا وبريطانيا ، والترجمة بالاضافة إلى المستشرقين .
تيارات النقد في العصر الحديث :
كان لحرّية القول والكتابة ولا سيما بعد الحرب الكونيّة الأوُلى ـ أثر بليغٌ فى نشأة الرّوح النقديّة العصريّة عند أبناء الشّرق ، فوثب النّقد وثبة عظيمة وراح يجرى على مقاييس عقليّة وفلسفيّة ، يعتمد المنطق ومتقصّيا المعانى قبل المبانى، متجرّدا من الأميال والأهواء الشخصيّة قدر المستطاع ، لاينظر إلّا بعين العلم ليزن كلّ شى‏ء يميزانه .
وقد ارتبطت حركة الغزو بحركة فكرية فى مجالات الحياة المختلفة، ومنها الحركة الفكرية النقدية للأدب،
فتشكّل نتيجة ذلك تياران للنقد الأدبي العربي.
الأوّل: التيار المحافظ . وكان استمرارا للنقد العربى التقليدى القديم .
والثاني: التيار المُجَدِّد . أفاد في نقده من معرفته للآداب الأروبيّة.
التيارالأوّل : المحافظ التقليدي:
كان هذا التيّار اكثر انتشارا وأقوى سلطانا، وكان يمثّله الشيخ حسين المرصفي فى الوسيلة الأدبية حيث كان يلقى محاضراته على أساس هذا التيّار على طلّابه فى دار العلوم عند إنشائها (1870 م)
ونقدُ المرصفى ضمن هذا التيار فى الوسيلة الأدبيّة يقوم على موازنات لها ثوابت على وفق النقد العربى القديم، من هذه الثوابت.
1- توجيه بعض النقدات دونما تقليد، معتمدا على الذوق الخاصّ .
2- العناية بالنقد اللّغوى كما كان عندالقدامى .
3- مؤاخذة الشاعر فى السرقة من حيث اللفظ والمعنى لاسيّما إذاكان السابق أصلح من اللّاحق .
4- عدم استحسانه للبيت الذّى يكثر لفظه ، ويقلّ معناه كبيت أبى فراس الحَمد انّى (طويل)
فما جــازَهُ جُــــــــودٌ ولاحَلَّ دوُنـــَـــه*** ولكن يصيرُ الجودُ حيثُ يصيرُ
5- عنايته بجزئيات العمل الأدبي دونَ وحدته ، وشاهد ذلك الأبيات المتناثرة من القصائد المختلفة الّتى كان ينقدها ونظر اليها منفصلةً عَمّا قبلها وعمّا بعدها.
6- تأكيده على أن تكون القصيدة مترابطة الأجزاء متناسقة البناء لايقع منها بيت فى غير موضعه.
7- إقراره بتباين شعر الشاعر الواحد بين الجودة والرداءة فهو لا يرى شعر الشاعر الواحد بمنزلة واحدة فقد يجوّد أحيانا وقد يَسِفُّ أحيانا أُخرى .
نلاحظ اُنّ نقده فيه ملامح من التجديد ، وإن كان تقليدا لِمَن سبقه لَأنّ «الوسيلة» خلفت البارودى وأحمد شوقي ، وحافظ ابراهيم ..... و غيرهم
وقد استمّر هذا التيار النقدى حتى تخطى القرن التاسع عشر الى القرن العشرين مستغرقا النصف الأوّل منه.
التيار الثانى : (التجديدي) :
هذا التيار كان معاصرا للتيار المحافظ ، وتميز عنه فى أنّه أفاد من معرفة أُدبائه للآداب العالميّة كالآداب الاوروبيّة ، والعثمانية ، والفارسيّة ، وغيرها. وكان يهدف إلى :
أوّلاً : إلى تحرّر الشعر العربي من القيود القديمة.
ثانيا : الى معالجة الموضوعات الّتى تهم هذا الشعر.
ويتميّز هذا التيار بمايأتى :
1- الأخذ بالإنتقاص على شعر المدح ، وبدء القصائد بالغزل ، فترى مثلاً أحمد فارس الشدّياق (1887 م) يتهكّم على الشعر العربى ، إذ يراه مغرقا بالمدح والتهانى فى المناسبات .
2- الدعوة إلى التخلّص من التقليد ، والتمسك بالإلتزام ، خاصّة التزام الصدق ، ومراعاة أحوال العصر.
3- الدعوة إلى وضع النظريات الشعرية والخروج إلى المحيط العربى والتخلّص من الذاتية والانطواء - بالتقاط الأحداث الّتى ألمّت بالأمّة العربيّة .
ويشمل هذا التيار مدارس التجديد وهى :
" المدرسة العراقية ، و مدرسة المهجر الشمالي والجنوبي ، ومدرسة الديوان فى مصر ، ومدرسة أبوللو فى مصر وشمال أفريقا " .
شعر شوقي في ميزان المويلحي النقدي:
ليس من شك أن أحمد شوقي كان من أكبر الشعراء العرب الذين اظهروا في العصر الحديث ، موهبة عاتية كظواهر الطبيعة ، وقدرة على الصياغة ، وتملك لناصية البيان ؛ وقد شغل اهتمام الناس على الأرض العربية كلها ، واختلف حوله النقاد كما يختلفون حول المواهب الكبيرة .
ولقد كان لظروف شوقي الاجتماعية والسياسية وارتباطه بالبلاط المصري أثر كبير فيما أصابه من نقد ، ولاسيما في مرحلة كانت تختلط فيها الجوانب الفنية بالقيم الفكرية والاجتماعية.
وقد شهدت الأعوام الأولى من القرن العشرين حملة شديدة على شوقي وشعره ، كان بعضها حادا يجنح إلى الشتم والإهانة ، والآخر موضوعيا يجمع بين التقويم والتحليل .
ومن اولئك النقاد الذين تعرضا لشعر أحمد شوقي بالنقد :
محمد المويلحي :
لقد نشر المويلحي نقده تجاه ديوان شوقي في مجلة"مصباح الشرق" في عدة أعداد ثم توقف بعد ذلك ، وكانت سطوة شوقي الأدبية تدفع النقاد إلى تبرير نقدهم بمقدمات نظرية ، يتحدثون فيها عن أثر النقد في نهضة الآداب والفنون، وقد فعل ذلك محمد المويلحي ، فراح يتحدث في بداية نقده حديثا نظريا عن الانتقاد مبينا فائدته في الارتفاء بالأدب ، ثم انتقل بعد هذه المقدمة إلى شوقي ، فذكره منزلته الكبيرة ، وقال: "إنه عزيز المنزلة عندنا نجد له التقدم في الأدب والترقي في أساليب البلاغية ؛ لما نأنسه فيه من الذكاء ، وحسن الذوق ، والانطباع الفطري على محبة الشعر، وكنا نتمنى له أن يكون شعره كله لؤلؤا، لايخالطه حصى، وذهبا خالصا لايشوبه بهرج".
وهذا تشخيص دقيق لطبيعة النقد وميادينه المختلفة ، وأثره على الآداب والفنون .
ـــ ثم راح بعد ذلك يعد أخطاء شوقي ؛ يقول أحمد شوقي : " قال امرؤ القيس : واصفا حاكيا وضاحكا وباكيا وناسبا وغازلا ".
يعلق الناقد على ذلك فيقول : "والغازل هنا من قولك :غزلت المرأة القطن والكتان ، ولايكون امراؤ القيس غازلا ، أما إذا كان غرضه الغزل ، فلا يأتي اسم الفاعل منه غازلا ، وإنما يقال : رجل مغتزل وغزل".
ـــ كذلك أخذ عليه خطأ تاريخيا في الصفحة نفسها ؛ حيث قال:" أما بعد فما زال لواء الشعر مفقودا لأمراء العرب وأشرافهم . يقول الناقد: " إن أمراء العرب وأشرافهم كانوا بمعزل عن نظم الشعر ، وكانوا يأنفون من قوله ويعدونه غير لائق بمقامهم ، وحكاية حجر مشهورة حينما غضب على ابنه امرئ القيس لما سمع أنه ينظم الشعر".
ـــ ثم أخذ على المقدمة من حيث تناولها للشعر التناقض والاضطراب ؛ فتارة يرفع الشعر العربي إلى درجة عالية ، وتارة ينزل به إلى أدنى دركه حيث يقول: " إني قرعت أبواب الشعر وأنا لا أعلم من حقيقته ما أعلمه اليوم ، ولا أجد أمامي غير دواوين للموتى لا مظهر للشعر فيها ، وقصائد للإحياء يحذون فيها حذو القدماء .
ـــ وعاب على شوقي قوله يصف تجربته في التجديد :" ثم طلب العلم في أوروبا فوجدت فيها نور السبيل من أول يوم ، وعلمت أني مسؤول عن تلك الهبة التي يؤتيها الله ولا يؤتيها سواه، وإني لا أؤدي شكرها حتى أشاطر الناس خيراتها ، وإذا كنت أعتقد أن الأوهام إذا تمكنت من أمة كانت لباغي إبادتها كالأفعوان لا يطاق لقاؤه ، و يؤخذ من خلف بأطراف البيان ، جعلت أبعث بقصائد المديح من أوروبا مملوءة من جديد المعاني وحديث الأساليب بقدر الإمكان".
عاب هذا الكلام عليه ؛يقول الناقد: " كيف يجد شوقي نور السيل في أوروبا، وفي مصر وجد أوهاما كالثعبان لاتؤخذ إلا بالحيلة ، فاحتال عليه بقصائد على الأسلوب العربي الأوروبي الجديد ،لإبادة تلك الأوهام التي تمكنت من الأمة العربية ، وهذا أغرب ماروى ؛ لإن الشعر ألفاظ ومعان ، فالرجوع إلى العربية والأخذ من أهلها واجب من جهة الألفاظ ، أما من جهة المعاني فقد طالعنا ماقدرنا على مطالعته من شعر الغربيين ، فلم نجدهم أطول باعا من الشرقيين في المعاني".
ـــ كذلك أخذ الناقد على شوقي تفضيله للأوروبيين على العرب ، وهم عيال على اليونانيين والفرس ، ثم راح ينقد حديث الشاعر عن نفسه واتهمه بأنه يدور حول أربعة أشياء؛ الزهو والحشو والسهوله وسلامة النية ، وراح يمثل كل واحد من هذه الأشياء.
والذي نقوله هنا أن نقد المويلحي في معظمه نقد شكلي لغوي؛لا يتناول التجربة الشعرية لشوقي، ولا يتناول موضوعات وأساليبه وصوره الفنية ، وإنما يكتفي بهذه الملاحظات على المقدمة ، أو تلك النقدات الشكلية التي لا ترتفع إلى مستوى النقد بمعناه الحقيقي، ولكنه على كل حال صورة من صور هذا الصراع الذي دار حول شوقي منذ وقت مبكر وامتدت آثاره فيما بعد.
شعر شوقي في ميزان العقاد النقدي:
من ابرز مظاهر النقد في العصر الحديث وفي مطلع القرن العشرين نقد العقاد لشوقي والذي يعتبر قمة الأعمال النقدية . وقد تناول العقاد شعر شوقي بالنقد في مجموعة مقالات ودراسات ظهرت في كتاب (الديوان ) وجريدة ( البلاغ الأسبوعية )، و(ساعات بين الكتب) و(شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي). وقد ظهر في نقد العقاد لشوقي طابع العنف ، ويبرره العقاد بقوله: "ولكننا نهدم الوهم المطبق والدسائس المتراكبة ، وماأحوج البرهان في هذه الشدة ، وماأقل مايغني فيه اللين والهوادة " .
ــــ ثم يتحدث العقاد عن موضوعات شعر شوقي فيصفها بالعامية ؛لأنه يتناول المسائل الجارية والتافهة أحيانا؛ مثل: نظمه في ريشة صادق أحد الخطاطين المجيدين.
ـــ كذلك ذهب العقاد إلى أن التفكك وانعدام الوحدة العضوية في شعره واحده من عيوب النظم لدى شوقي فيشبه العقاد شعر شوقي بكومة الرمل . فشعر شوقي من وجهة نظره انه مشتت الأبيات لا يؤلف بينها غير وحدة الوزن والقافية . وقد قام العقاد بإعادة ترتيب قصيدة شوقي في رثاء مصطفى كامل ترتيبا جديدا ليبرهن على مدى تفككها . ويعزي العقاد السبب في انعدام الوحدة العضوية في قصائد شوقي إلى مجاراة وتقليد الشعراء القدماء .
ــــ وذهب العقاد الى أن معاني شوقي تعاني من عيوب أربعة هي : التفكك ، الإحالة ، التقليد ،الولوع بالأعراض دون الجواهر".
ثم يعلق بعد ذلك قائلا: " وهذه العيوب هى التي صيرتهم أبعد عن الشعر الحقيقي الرفيع المترجم عن النفس الإنسانية ، في أصدق علاقاتها بالطبيعة والحياة "، ثم بعد ذلك راح يتناول تلك العيوب عيبا عيبا مطبقا على قصيدة رثاء مصطفى كامل ؛ فهو مثلا في حديثه عن الإحالة ؛ وهى التي تؤدي لفساد المعنى يقول : " الإحالة ضروب منها:الاعتساف والشطط ، ومنها: المبالغة ومخالفة الحقائق ،ومنها: الخروج بالفكر عن المعقول ، أوقلة جدواه وخلومغزاه ، وشواهدها كثيرة في هذه القصيدة.
فمن ذلك قول شوقي:
السكة الكبرى حيال رباهما ***منكوسة الأعلام والقضبان
يعلق العقاد على هذا البيت قائلا: " وقضبان السكة الحديدية لا تنكس ؛لأنها تقام على أرجل ،وإنما تطرح على الأرض كما يعلم شوقي ،ثم يسخر قائلا : اللهم إلا إذا ظن أنها أعمدة "التلجراف .
ثم في حديثه عن التقليد يقول:"إنه يقلد القدماء ويسطو على معانيهم وقصر عنهم ؛أما تقليده : فأظهر تكرار المألوف من القوالب اللفظية ، وأيسره على المقلد الاقتباس المقيد والسرقة ، وأعز أبيات هذه المرثاة _يقصد المرثية التي قالها في مصطى كامل _يعني أفضل بيت في هذه القصيدة مما أعجب الناس في نظر العقاد يقول عنه: هو بيت مسروق ،ذلك البيت هو قول شوقي:
فاحفظ لنفسك بعد موتك ذكرها*** فالذكر للإنســـان عمر ثان
يقول العقاد: هذا بيت مغتصب من القائل فه:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ***مافاته وفضول العيش أشغال
كذاك ظل العقاد يتابع هذه الأخطاء من وجهة نظره في معاني شوقي ، و وصل إلى الأعراض التي قال عنها العقاد:"إن شوقي يهتم بالولوع بالأعراض دون الجواهر "، ومثل لذلك أيضا من قصيدة رثاء مصطفى كامل ؛ يقول العقاد :"انظر أيها القارئ إلى هذا البيت القائل فيه شوقي:
دقات قلب المرء قائة له ***إن الحياة دقائق وثواني
يقول العقاد : إنه بيت القصيد في رأي عشاق شوقي ، فعلى أي معنى تراه يشتمل ؟ يجيبنا العقاد: معناه أن السنة أو مائة السنة التي يعيشها الإنسان مؤلفة من دقائق وثوان ، وهذا هو جوهر البيت ، فهل إذا قال قائل : إن اليوم أربع وعشرون ساعة والساعة ستون دقيقة، يكون في عرف قراء شوقي قد أتى بالحكمة الرائعة ؟ ولكنهم يقولون : إنه فرق بين دقات القلب ودقات الساعة ، وهذه البراعة التي تعجبنا .
وقد يخرج النقد احيانا عند العقاد من حدود المألوف في النقد ويتعداه في احيانا كثيرة إلى هجوم شخصي فمن يقرأ الفصل الذي استهل به العقاد نقده لشوقي وهو بعنوان " شوقي في الميزان "يجد اسرافا وعنفا في الهجوم الشخصي على شوقي .
ــــ ويستهل العقاد هذا الفصل بقوله : " كنا نسمع الضجة التي يقيمها شوقي حول اسمه في كل حين ، فنمر بها سكوتا ، لا استضخاما لشهرته ولا لمنعة في أدبه عن النقد فإن أدب شوقي هدمه في اعتقادنا أهون الهينات ولكن تعففا عن شهرة يزحف إليه زحف الكسيح وكأنه يعتقد اعتقاد اليقين أن الرفعة كل الرفعة والسمعة أن يشتري السنة السفهاء ... فإن المجد سلعة تقتنى ولديه الثمن في الخزانة ... " .
ولقد مضى العقاد على هذه الوتيرة في الهجوم الشخصي على شوقي باللفظ الحاد والكلم العنيف والسخرية اللاذعة ولو أن كاتبا قد كتب هذا الكلام في هذه الأيام لوقع تحت طائلة القانون بتهمة السب والقذف ، ولكن الجو الأدبي في تلك الأيام قد تعود مثل هذا الأسلوب في النقد بدليل أن مصطفى صادق الرافعي قد نهج نفس النهج مع العقاد في كتابه النقدي الشهير .
ـــ كذلك أخذ العقاد على شوقي اكثاره من شعر المناسبات فيقول : " لو أن الحكومة ارادت فتح بنك لطلب من شوقي أن ينظم شعرا " .
ــــ واخذ العقاد على شوقي ارتفاع شعر الصنعه عنده إلى ذروته وهبوط شعر الشخصية يقول " ارتفع شعر الصنعه عنده إلى ذروته وهبط شعر الشخصية فلو حاولت أن تستخرج من ثنايا النص شخص اسمه شوقي يختلف عن بقايا جيله لاعياك العثور عليه " . ويرى العقاد أن شعر شوقي اشبه بالوجوه المستعاره التي تشبه وجه الانسان وليس فيها انسان .
ــــ وتعرض العقاد لولع شوقي بالتشبيهات ومن ذلك نقده لبيت أحمد شوقي في قصيدته التي يصف فيها الربيع والتي يقول فيها :
مرحــــــــــــــبا بالـــــــربيع في ريعانــــــــــه *** وبأنــــــــــــــواره وطـــيب زمــــــانـــــــــــــــه
نزل السهل ضاحك البشر يمشي *** فيه مشــــي الأمير فـــي بستانه
فعاب عليه العقاد تشبيهه للامير بالربيع فقال : " والأمير قد يكون شيخا فانيا ، وقد يكون شابا دميما ، والأمير قد يكون كأمير الشعراء لا لون له ولا رائحة " .
ويرى بعض النقاد أن السبب في نقد العقاد لشوقي وسخريته منه وسبه احيانا والتقليل من شأنه مرده إلى أن العقاد في نقده لشوقي كان يصدر عن نظرة طبقية وقوميه ، ففي الوقت الذي كان يعيش فيه شوقي في القصر الملكي يتوارى خلف جدران القصر المتحالف مع المستعمر مشغولا بطلب الرزق كان العقاد ينتمي إلى الفئات الكادحة الشعبية يحمل راية الحرية في وجه اعداء الدستور وراية التمرد من الأستعمار
النقد عن جماعة ابوللو :
مدرسة أبولو الشعرية هي أحد المدارس الأدبية الهامة في الأدب العربي الحديث. مؤسسها هو الشاعر الكبير أحمد زكي أبو شادي الذي ولد في عام1892م وقد ضمت شعراء الوجدان في مصر والعالم العربي.
ظروف نشأة جماعة أبولو الشعرية
تشكلت هذه الجماعه في فترات من إحدى أصعب الفترات التاريخية وأقساها في تاريخ مصر الحديث لقد تهادن القصر والانجليز وإتفقا أن يسلبا مصر من حقها الديموقراطي والدستوري واستطاعا بمعاونة رئيس الوزراء محمد حمود ثم إسماعيل صدقي أن يوقفا الدستور ويعطلا الحياة النيابيه ويقهرا كل رأي ويجهضا أي محاولة للوقوف ضد استبداد الحكم وتبع ذلك الاستبداد السياسي والقهر الفكري خراب اقتصادي وظلم اجتماعي فادحين كما تأخرت حركة التعليم وتعثرت كثير من الصحف والمحلات والنوادي الثقافيه.
وفي وسط هذا الاطار المتأزم والملتهب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ظهرت جماعة أبولو مابين (1935 ـــ 1932 ) .
وهذه الظروف القاسيه والتكوينات الخاصه الحالمه دفعت بعض الشعراء وعلى رأسهم أحمد زكي أبو شادي لتكوين جماعة تنشر روحا من التآخي والتآلف بين الشعراء رغم اختلاف مفاهيهم الفنيه وقدراتهم الإبداعية .
سبب تسمية مدرسة أبولو
وتسمية جماعة أبولو بهذا الاسم يوحي من زاويه خفيفه باتساع مجالات ثقافتهم وابداعهم كما اتسمت بوظائف (الاله الاغريقيه أبولو ) التي تتصل بالتنميه الحضاريه ومحبة الفلسفه وإقرار المبادئ الدينيه والخلقيه .
أهم الصفات المميزة للمدرسة
وقد وجد هؤلاء الرومانسيون على اختلاف ابداعاتهم في صورة الحب الحزين والمحروم الذي ينتهي اما بفراق واما بموت ، معادلا موضوعيا ليأسهم في الحياة ، وعجزهم الاقتصادي ، وعجزهم عن التصدي للواقع. وكانت صورة الانسان في أدبهم فرد سلبي حزين . نجد ذلك واضحا في أشعار إبراهيم ناجي ، وعلي محمود طه ، وروايات محمد عبد الحليم عبدالله ، ومحمد فريد أبو حديده ، ويوسف السباعي . وازدهار المسرح والرواية في هذه المرحله يدل دلالة واضحه وأكيده على الرغبه الواعيه في الهروب من الواقع.
أحمد زكي أبو شادي نموذجا :
ـــ كان أبو شادي يؤمن بالإنسانية في الثقافة، وكان يرى الرجعية والجمود والتقليد ألد أعداء الحرية، فحاربها وثار عليها ، وعاش يدعو في الثقافة والسياسة والاجتماع إلى التحرّر والثورة على خصوم التقدم حيث يقول في ذلك:
وإني على ضعفي لرائد بيئتي ***جريئا أوافيها بحبي وإيثاري
وظل أحمد زكي أبو شادي طول حياته مؤمنا بالتجديد يدعو إليه ويبثه في روائع شعره، ويصف روحه التجديدية فيقول:
من كان يشعــــــــــــر دائما بشعـــــــــــوري*** في الليل أو في الفجر أو في النور
وجـــــد التجــــــــــــدد دائمــــــــا إلفـــــــًا لــــــــــــــه *** في النفــــــــس أو في العالم المسحـــور
ورأى الحيـــــــــــاة بمـــــــــا تجدد دائمًـــــــــــــا*** أسمـــــــــــــى من الإفصــــــــــــــاح والتعبيــــــر
ـــ لقد كان أبو شادي يدعو للتجديد الكامل في بناء القصيدة العربية ، ورفع القيود عن الشاعر، ليستكمل حريته الفنية ، فقد كان أبو شادي يرى القافية عبئًا ثقيلاً على الشعر ، رغم أن جل قصائده يلتزم فيها القافية بنظامها العربي، ولكنه مع ذلك كان يتحرّر أحيانا من قيد القافية كي يكون قدوة للشعراء الشباب. وأبو شادي من طليعة الشعراء الذي نظموا في الشعر الجديد ودعوا إليه وحبذوه ، فكتب الشعر الطليق "المرسل" من قيد القافية وإن التزم فيه أن يكون من بحر واحد، ففي قصيدة عنوانها "أنا وغيري" يقول:
لست إلا كنقطة البحر تجري في حمى الموج لا تطيق انفكاكا
إنما المرء غيره في سمو وحياة الإنسان ملك أخيه
والذي يرفض التعاون يحيا كغريب وتائه وسفيه
أو كغرض مضى بقارب خوص في مياه حيالها ظلمات
حسب الفتح في الجهاد وحيدًا وجهاد الغي فيه الممات
ـــ تعرض أبو شادي بالنقد لمرثية حافظ في سعد زغلول، واختار منها نموذجاً وصفه بالعبث الشعري، هو قول حافظ:
ساقت (التايمس) العزاء الينا*** وتوخّت في حدّك الاسهابا
ثم توسع في هجومه فتناول أحمد شوقي قائلاً: وليس صاحبه شوقي بأحسن منه كثيراً في سنّه الحاضرة.. فهما آخر من ينتظر منهما التهكم على الشعراء الناشئين!.
ولم يسلم منه، من الشعراء الكبار، سوى شاعر القطرين خليل مطران الذي حظي دائماً باحترامه والذي تسلم الرئاسة الشرفية لجماعة ابولو، بعد رحيل شوقي. ويبدو انه كانت لمطران علاقة صداقة بوالد ابوشادي، وان مطران كانت له ايادٍ بيضاء عليه فيما يتعلق بتنشئته الشعرية.
لم يسكت شوقي على هجوم ابوشادي في البداية، فقد هاجمه في شاعريته ونصحة بالانصراف إلى مهنته كمتخصص في البكتريولوجيا.. ولكن ابوشادي ردّ عليه قائلاً أنه إذا صحّ ما يقوله شوقي ، فيجب ان يعود هو الآخر إلى مهنة المحاماة والقانون.. وأضاف: «ليس ذنبنا أننا نختط خطة أدبية خاصة بنا ومذهباً شعرياً مستقلاً، ونكون مدرسة شعرية جديدة».
ـــ وقد هاجم أنصار شوقي أبو شادي باعتباره نصيراً للعامية ولكن الواقع لم يكن كذلك على الإطلاق. فقد رفض ابوشادي ان تكون اللغة العامية لغة الأدب، ولكنه اتخذ موقفاً وسطاً وذلك حتى لا تموت العربية بسبب صعوبتها إذا وقفنا بها عند الميراث القديم ، وعلى الرغم من انه قد ينتج عن ذلك أن تنتصر العامية ولو بعض الانتصار، فقد اعلن صراحة رفضه لانتصار العامية. ولكنه في الوقت نفسه يحرص فيما يبدو على الأسلوب السهل، أو على ما اسماه هو نفسه - وشرحه ودافع عنه - بالطلاقة اللفظية..
ـــ كان ابوشادي حريصاً على ما اسماه روح التعاون الأدبي، وقد حبذّ، أو اوجب في سبيل ذلك ، نبذ الخلافات الشخصية ، والتخلص بل التعالي على روح الانانية التي تدعو هذا الشاعر أو ذاك إلى تأكيد ذاته والارتفاع بها فوق غيره ، ويعتبر كل هذه آفات مستنكرة مرذولة .
ونتيجة ايمانه بدعوته ، فانه كان يمدّ يده إلى الآخرين ، وهو في اشدّ حالات العراك معهم. وقد اسعفته الايام بمصالحة شوقي على مبادئ التعاون فكان أمير الشعراء أول رئيس لجماعة أبولو عند تكوينها. وكانت مجلة ابولو تقدم الشعراء باسمائهم فقط . وعلى صفحات ابولو سقط عن شوقي لقب الامارة . وعدّ ابوشادي ذلك انتصاراً لفكرة التعاون الأدبي . واستفاد ببعض جوانبه في هجومه على العقاد، خاصة عندما بويع بامارة الشعر فيما بعد .
النقد عند أدباء مدرسة المهجر :
في منتصف القرن التاسع عشر اضطر بعض ابناء الشام من العرب المسيحين إلى الهجرة عن وطنهم بسبب الاضطهاد السياسي ، والصراع المذهبي والفقر ، والتطلع إلى الحرية والكسب ، فاتجه هؤلاء إلى الامريكتين : الشمالية اولا ، والجنوبية ثانيا . ثم توالت الهجرات بعد ذلك وقد تكونت بسبب تلك الهجرات جماعتان ادبيتان هما :
اولا : الرابطة القلمية : في امريكا الشمالية ، وتأسست في نيويورك 1920م وكان ريادتها لخليل جبران ومن اعضائها " نسيب عريضة ، عبدالمسيح حداد ، وفيلسوفها ميخائيل نعيمه ، وأمير شعرائها ايليا أبو ماضي .... وغيرهم .
هذه الجماعة كانت تميل إلى التجديد ، والثورة على الشعر التقليدي وبذلك كان شعراؤها حملة مشعل التجديد في شعر المهجر .
ثانيا : العصبة الأندلسية : نشأت في امريكا الجنوبية وتكونت 1933م بالبرازيل ومن اعضائها : الشاعر القروي رشيد خوري ، وشكر الله الجر ، وحليم خوري ، وفوزي المعلوف وشقيقاه شفيق ، ورياض معلوف ، والياس فرحات .... وغيرهم .
وكانت تميل إلى المحافظة وعقد الصلة بين القديم والجديد من الشعر .
ميخائيل نعيمة نموذجا :
افرد ميخائيل نعيمة للنقد الأدبي كتابين هما : الغربال 1923م ، والغربال الجديد 1972م ، وبالغربال قامت شهرة ميخائيل نعيمه .
قال ميخائيل في النقد والناقد : " النقد مهمة شاقة إلا على الذين وهبتهم الطبيعة حسا مرهفا بالجمال " .
والفن بما فيه الأدب يهدف إلى مساعدة الإنسان على اكتشاف ذاته واكتشاف الله في ذاته بالمعرفة والحرية ، والأدب رسالة الحياة ورسولها في آن واحد " .
اراءه النقدية :
ــ يرى ميخائيل أن الحياة لا قديم لها ولا جديد فهي " المغربل الأكبر " الذي لا يُبقي في غرباله إلا كل جميل وكل مفيد ، أما القبيح والضار فتسقطه وتنبذه ، وأن الزمان هو الناقد الأكبر وهو محك الثبات والبقاء والخلود فــ " الجميل من القديم سيبقى جميلاً والقبيح من الجديد سيبقى قبيحاً " .
ـــ لم يكن ميخائيل ممن يرددون " أعذب الشعر أكذبه " فهو يرى أن فضيلة الأدب الصدق . قال : " إن تكن مخافة الله هي رأس الحكمة في نظر رجال الدين ، فالصدق يجب أن يكون رأس الحكمة في نظر الأديب ، والمتأدب ، ومن هنا كان الياس أبو شبكة رائعا في شعره لأنه كان صادقاً منتهى الصدق في عاطفته والتعبير عنها .
ـــ يرى ميخائيل أن للخيال قدرة جبارة تفوق قدرة الحواس وقدرة العقل ، وتمكن الانسان من طي الزمان والمكان والوصول إلى قلب الله يقول : " الخيال هو مقدرتكم أن تبصروا واجفانكم مغمضة ، وتسمعوا وآذانكم مسدوده ، وتشموا وفي أنوفكم سُطام ، وتذوقوا والسنتكم في غلاف ، وتلمسوا وايديكم مشلولة ، هو مقدرتكم أن تدركوا حدود الحواس الخارجية فتجعلوا منها عبارة تجتازون بواسطتها إلى حيث لا حدود " .
ــــ رفض ميخائيل الرأي الذي يقول أنه لابد للناقد أن يكون شاعراً أو كاتبا أو أديبا ، يقول : " من الناس من يقول أنه لا صلاحية لناقد أن ينقد شاعراً أو كاتبا أو أي فن كان من الفنون ، إلا أذا كان هو نفسه شاعرأ أو كاتبا أو من ابناء ذلك الفن " . فجوابي على هؤلاء أن التاريخ قد عرف نقاداً كثراً لم يكونوا شعراء ولا فنانين وبالرغم من ذلك تركوا أثرا في عالم النقد يؤيد ذلك قول ابن رشيق : " وقد يميز الشعر من لا يقوله كالصيرفي يخبر من الدنانير ما لم يسبكه " .
ولعل ميخائيل نعيمه كان مصيبا في اعتقاده أن الناقد وإن لم يكن شاعراً قادراً على فهم الشعر وتذوقه ، وهل نرصد للص لصا آخر أم نرصد له شرطياً " .
ـــ يرى ميخائيل أن لكل كاتب أو شاعر أو فنان " ذروة " إذا هو بلغها تعذر عليه أن يسمو فوقها فالإنسان لا يستطيع أن يكون متفوقاً دائما ولا أن يكون بطلاً في كل جوانب الحياة ، وكذا الأديب ، فلا يبلغ في نتاجه أكثر من ذروه واحدة تكون كتغريدة البجع ، فقد لا يستطيع الكاتب أن ينتج غير كتاب واحد في حياته .
ـــ يرى ميخائيل نعيمه أن النهضة الأدبية لا تقوم إلا بأمور ثلاثة :
1 ـــ لغة سلسة القياد .
2 ـــ أمة لا تعاني مركب النقص .
3 ـــ حرية الكلمة .
فإذا تحقق للعرب ذلك بلغ أدبهم أشده ونهض بحياتهم نهضة مباركة .
النقد الواقعي في الأدب العربي الحديث :
يعود ظهور الاتجاه الواقعي في النقد العربي الحديث إلى الثلاثينات من القرن العشرين حيث ظهرت مجموعة من النقاد تدعو إلى الواقعية في الأدب ، وضرورة أن يمثل الأدب الحياة الإجتماعية العربية ، ولا سيما الطبقات الدنيا من المجتمع وراحت تربط بين الصدق الفني والصدق التاريخي .
رئيف خوري نموذجا:
لعل الناقد اللبناني رئيف خوري هو الناقد الواقعي الأهم في هذه المرحلة فقد عالج العديد من المسائل الأدبية والنقدية والجمالية من منظور النقد الواقعي ، وتناول بالنقد جملة من الشعراء العرب القدامى والمحدثين مبيناً القيمة المعرفية والإجتماعية والنضالية لأشعارهم ، وذلك علاوة على القيمة النضالية لها ولقد كان رئيف خوري في مجمل نشاطه النقدي الواقعي يولي اهتماماً خاصاً للأساليب الفنية وذلك من منطق انه مذ كان الصنيع الأدبي فنياً فإن له أصولاً تتعلق بآليته التي يصنع بها .
ـــ ويذهب رئيف خوري إلى أن الشكل هو الذي يجعل من الأدب أدباً على الرغم من الأهمية الكبرى التي يوليها للمضمون فقد كان يتجاوز احياناً في بدايته النقدية ضحالة الشكل إذا ما كان المضمون ذا قيمة نضالية . ويظهر ذلك في موقفه من شعر جميل صدقي الزهاوي الذي يقول فيه : " ....أن شعره فقير جدا من حيث الرنة الموسيقية إلا أن جميع هذه التقصيرات لا تحط من قيمة كون الزهاوي شاعراً ، وضع موهبته الشعرية الخصبة لخدمة الأمة العربية .
والموقف نفسه نجده في موقفه من شعر معروف الرصافي الذي تبتعد الفاظه ، وصيغة عن اللغة الشعرية ، وعلى الرغم من ذلك فإن الناقد يرى فيه رمزاً عظيم القيمة من حيث الدلالة التاريخية الإجتماعية .
ـــ يرى رئيف خوري أن الطباق عند أبي تمام ليس مسألة بيانيه ، أو لفظية ، بل هي في الأساس مسألة معرفية . يقول : " إننا لا نجد شاعراً عربياً كأبي تمام استطاع أن يرى الأكوان بعضها من خلال بعض ، أو بعضها مرآة لبعض وما لم نفهمه في هذا الضوء فاتنا الكثير من سحره ، وروعة فنه ، فأبو تمام لم يلجأ إلى الطباق ألهوة يتلهى بها ، لكنه عمد إلى ذريعة بيانية جلا بها حقائق هي وقائع لا مفر منها على بروز التاقض فيها ...." .
وربما كان هذا السبب الذي جعل شعر أبي تمام ـــ كما يؤكد الخوري ـــ غير ميسور للقاري الذي لا يتمتع بثقافة واسعة ، وبحظ من القدرة على التحصيل العقلي ، فخبره أبي تمام هي خبرة الشاعر الذي يسرع به خياله وحظه من الثقافة إلى الانتقال بين الأكوان جميعها ، ويعترض منها مادة لابراز معانيه إيماء وتخيلا على الوجه غير المباشر " .
ـــ ويطرح رئيف خوري على آرائه هذه أمثله من شعر أبي تمام يظهر فيها أن تلك الأساليب البيانيه هي مواقف معرفيه من الوجود الطبيعي والاجتماعي معا .
لقد اسهم رئيف خوري في تعزيز النقد الواقعي العربي ، لا بأطروحاته النظرية فحسب ، بل بتطبيقاته النقدية النابهة أيضاً . ولقد استمر الناقد بإسهاماته النقدية الواقعية حتى الخمسينات التي شهدت مناظره بين كل من رئيف خوري وطه حسين حول الأدب والمجتمع التزم فيها طه حسين جانب الدفاع عن أن الأدب قد وجه للخاصة لا للعامة ، فيما رأى خوري أن الأدب للناس كافة .
سمات النقد الواقعي في الثلاثينات :
1ــ التركيز على المضمون واهمال الشكل على الرغم من أن النظرة الواقعية تربط ربطا عضويا بين الشكل والمضمون .
2ـــ إبراز القيمة الكفاحية للأدب من منظور أن الأدب سلاح من جملة الأسلحة التي يستخدمها الإنسان دفاعا عن نفسه .
3ـــ الوجه الإنساني للأدب الاشتراكي . حيث ألح النقاد على صفة الإنسانية في الأدب والمقصود بالإنسانية : تلك السمات المشتركة التي تجمع بين البشر المعذبين أي بين الطقات الشعبية التي يفسدها المال .
4ـــ شعبية الأدب حيث تم التأكيد أن الأدب الاشتراكي هو أدب طبقي يضع نفسه في خدمة الشعب الكادح .
5ـــ التشدد في الأحكام النقدية وهذا التشداد لم يكن صفة عالمية في ذلك الحين بسبب طبيعة المرحلة السياسية .
6ـــ اللهجة الخطابية والمقصود بها المباشرة في اداء الأحكام النقدية ولا يقصد بها أن ثمة قصورا في النزعة الموضوعية التي تميز بها هذا النقد .
ثانيـا : نقـد النثـر
النثـر وأنواعــه :
للنثر الأدبي ألوان متعددة منها : الخطابة ، والمقالة ، والمسرحية ، والقصة ، والوصايا ، والرسائل ، والمقامات ، والمحاضرات العلمية ، والسيرة الأدبية ، والخاطرة . وسوف نتناول جزء منها .
1/ نقد المقال
المقال هو قطعة نثرية محدودة ، يعرض فيها الكاتب فكرة من الأفكار ، أو موضوعا من الموضوعات ، بأسلوب أدبي .
للمقال مكانة متميزة في الحياة الأدبية ، وقد زادت أهميته بانتشار الصحافة فاصبحت بذلك صوتا مسموعا له مكانته وأثره .
ولم يعرف التراث العربي المقال بهذه الصورة الحديثة ولكن عرف كثيرا من الرسائل الصغيرة للأدباء ، كبعض رسائل الجاحظ والسيوطي ، التي تعد مقالات وإن لم تحمل الأسم نفسه .
ويعد ميشال موناتني الفرنسي ( 1580م ) أول من استخدم مصطلح المقال في كتاباته التأملية التي بدت فيها أول نماذج المقالة الأدبية .
أنواع المقال :
للمقال نوعان هما :
أـــ المقال الذاتي : وهي التي تبدو فيها شخصية الكاتب بارزة واضحة ، وغالبا ما تمثل تجربة خاصة ، أو موقفا من المواقف المرتبطه بالكاتب .
ب ــ المقال الموضوعي : ويتضح فيها الجانب الموضوعي فيما يتوارى الجانب الذاتي ، وتتناول فكرة من الأفكار العامة ، التي يجعلها الكاتب مجالا للحديث عنها ، وتعريف القارىء بها ، أو دعوة إلى قضية من القضايا العامة ، أو مناقشة مشكلة من مشكلات الحياة والمجتمع .
والمقال الموضوعي يتنوع بتنوع موضوعاته فهناك المقالة الفلسفية التي تعنى بأمر من أمور الفلسفة ، والمقالة الأدبية التي تتناول موضوعا أدبيا ، والمقالة العلمية التي تختص بجانب علمي محدد كالتاريخ ، أو الجغرافيا ، أو الكيمياء ، أو الفيزياء .
وليس هناك حدود فاصلة للتفريق بين نوعي المقال ، فربما اجتمع النوعان في مقالة واحده ، ومع ذلك فإن المقالة توصف بالجانب الغالب فيها ، فإذا طغى فيها الجانب الذاتي فهي مقالة ذاتية والعكس صحيح أيضا .
خصائص المقال :
لفن المقال عدد من الخصائص من أهمها :
1ــ الإيجاز : وهو امر نسبي يختلف من كاتب إلى آخر .
2ـــ سعة موضوعاتها : ولعلها بهذه الميزة تتصدر فنون النثر جميعها ، حيث يتسع صدرها لقبل كل موضوع في أي مجال أدبي أو علمي .
3ـــ الطرافة والجدة : فالمقالة تمتاز غالبا بالطرافة ، والقدرة على جذب اهتمام القراء .
نقد المقالة يجب أن يشمل الآتي:
1- ملخص للفكرة الرئيسية للمقالة أو موضوعها.
2.ــ مناقشة التفسيرات التي قدمها المؤلف من حيث لغة الكتابة ، النوعية ، ومستوى توفر التفاصيل اللازمة والتي استخدمها الكاتب لدعم حجته .
3- تقييم للمقالة من حيث أنها جيدة أو غير جيدة ، مستوى الوضوح والكتابة والدقة والحدود البحثية والمنهجية التى اوضحها الباحث وتحد من تعميم النتائج أو تؤكد دقتها ( كلما كان الباحث دقيقا في تحديد مستوى التعميم كلما كان منهجيا أكثر ) .
نموذج للمقال :
ومن نماذج المقال ما كتبه عبد الله خميس بعنوان " دور الفرد في تكوين الأمم " . ويقول فيه : " قد تختلف الوسائل والسبل ، وتتغاير الأساليب والاتجاهات في حياة كل أمة تنشد المجد وتطلب السعادة وتفرض نفسها على الحياة ... ولكن شيئا واحدا لا يختلف ، ودعامة ثابتة لا تتغير ، ذلكم هو الفرد ، الذي تتكون منه مجموعه الأمة ، فبقدر صلاحه كليا أو نسبيا تصلح الأمة وتنجح ، وبقدر تخلفه وخموله تبقى الأمة متخلفة خاملة ... وهب أن أمة من الأمم ضحك لها الزمن وانداحت أمامها سبل العيش وانطلقت مع تيار الحياة ، تنعم في مباذلها وتنخدع بطلائها وزخرفها ، في حين أن أفرادها يعيش كل منهم لنفسه ، وأكبر همه أن يصل الدرهم إلى يده ، لينفقه في ملذاته ، ويدور معه في حلقة ضيقة لا تتجاوز نفعه هو .. إن واقع أمة هذا شأنها واقع أمة مقلدة حاكية ، سرعان ما تتعرض للهزات وتذوب أمام الأحداث .
علينا أن ندرك أن كلا منا لبنه في كيان هذه الأمة ، وإذا لم تكن اللبنة صالحة تملأ مكانها بقوة وتحمل ، كثرت في كياننا الثغرات والندوب ، ولا يستقيم بناء ليست لبناته صالحة ...
يجب عليك أن تعمل أي عمل شريف ، تشارك في بناء أمتك ، وتؤدي ضريبة الحياة الواجبة عليك ... لتكن نفسك كبيرة تتعب في مرادها .
وإذا كات النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام
فالعمل من أجل الغير ، واستهداف نفع الجميع ، والتقاء أفراد الأمة في سبل متواكبة تؤدي إلى هدف واحد هو الصالح العام .. والغيرة على كيان الأمة أن يخدشه عابث أو ينال منه مخرب ... كل ذلكم شروط لا بد للفرد أن يستشعرها ، ولا مناص منها لأمة تطلب البناء والسعادة ... إن تعاليم الإسلام تقول : كل واحد منكم على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الاسلام من قبله ...
ليكن لنا في تعاليم ديننا قدوة ، وفي حكمه أجدادنا أسوة ، حينما وصفهم القرآن الكريم بقوله : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " ، وحينما أرشدهم بقوله : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "إن في ذلك ما يجعل منا خير خلف لخير سلف ، نشيد ما تهدم من ذلك البناء ، وضاع من ذلك المجد ..." .
تعليق نقدي على النموذج أعلاه
إن دور الفرد في تكوين الأمم موضع واسع يصلح أن يكون بحثا أو كتابا ، لكن الكاتب اختار أن يضع يد القارىء على أبرز النقاط الرئيسة لهذا الموضوع ، من خلال اختياره فن المقالة الذي يقوم على الإيجاز في عرض الموضوع ليبدو في صيغة معرفية مبسطة وموجزة .
ونجد الكاتب قد قرر بأسلوب منطقي أهمية الفرد ، وأن هذه الأهمية قضية لا تقبل النقاش ، وحين تأكد من اتفاق القارىء معه على هذا الأمر انتقل إلى الهدف والمغزى من هذا المقال وهو التأكيد على صلاح الفرد ، وأن ذلك يؤدي إلى صلاح الأمة ، ثم انتقل بعد ذلك إلى قيمة العمل في الحياة ، وأنه هو الذي يصنع الفرق بين الأمم الضعيفة والأمم القوية ، مؤكدا أن المقصود بالعمل هو العمل الشريف وهذا التسلسل في عرض الفكرة وتقديم الشواهد لها هو الذي يمنح هذه المقالة طابع الجدة التي هي من ميزات فن المقال .
أما الأسلوب فيعتمد الوضوح والبعد عن الغموض والإغراب ، مما جعل عباراته مشرقة جميلة . وذلك كله انعكس في وضوح الفكرة التي يتحدث عنها الكاتب ، وقوة عرضه لها مستعينا على ذلك بإبراز الأمر في صورة منطقية مقبولة ، وضرب المثل من تاريخنا المجيد ، والاستشهاد على صحة ما ذهب إليه بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة .

2/ نقد المسرحية :
المسرحية قصة تمثيلية حوارية تعرض على المسرح بواسطة عدد من الممثلين . وهي فن يوناني قديم ، كان جزء من طقوس اليونان وعباداتهم الوثنية ، وربما كان ذلك سبب عدم نقل العرب لها فيما نقلوه عن اليونان والرومان ، وكانت المسرحيات تلقى مصحوبة بالأغاني والموسيقا ، ثم استقلت في الآداب الأوربية الحديثة ، وأصبحت تقوم على نص نثري خاص .
أسس المسرحية :
للمسرحية أسس وأصول فنية تتجلى فيما يأتي :
1 ـــ كثرة قيودها الفنية : فالنص المسرحي مقيد بالممثلين الذين لهم طاقة محدودة في التمثيل ، ومقيد بطاقة الجمهور الذي لا يستطيع الجلوس طويلا للمشاهدة ، كما أنه مقيد بخشبة المسرح .
2ـــ قوة عنصر الصراع في المسرحية : وليس الصراع هنا بمعنى العنف والمواجهة ، ولكنه بمعنى التضاد في الموقف والآراء إلى الدرجة التي تدفع الحوادث قدما في المسرحية .
3ـــ قلة الحوادث ووضوحها : فالحوادث في المسرحية مثل عقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء ، فإذا كثرت ، أو كانت غامضة ضعف التواصل بينها وبين المشاهد الذي لا يستطيع اعادة مشهد سابق من مشاهد المسرحية .
4ـــ اعتمادها على القالب الحواري : الحوار هو العمود الفقري للمسرحية ، فبينما تمتلك القصة قوالب فنية متعددة ، فإن المسرحية لا تكون إلا في شكل قالب حواري .
انواع المسرحية : هنالك نوعان رئيسان للمسرحية هما :
أ ـــ المأساة ( التراجيديا ) : وهي مسرحية ذات موضوع جاد ، ولغة رفيعة فخمة ، وجمهورها خاص متميز ، وتميل موضوعاتها إلى الموضوعات الكبرى في الحياة ، والبطولات المختلفة ما كان منها واقعيا أو أسطوريا ، وتتميز بالنهاية الفاجعة الحزينة .
ب ـــ الملهاة ( الكوميديا ) : وهي مسرحية ذات موضوع واقعي ، ولغتها مبسطة قريبة التناول ، وجمهورها هم سواد الناس وعامتهم ، وتستقي موضوعاتها من الأمور اليومية المعاشة ، وتهدف إلى الإضحاك والتسلية ، وتتميز بالنهاية السعيدة المفرحة .
ويتفرع عن كل منهما أنواع أخرى ، كما أن الحدود بين النوعين ليست حادة إذ يمكن أن يكون المسرحية جادة ، ذات نهاية سعيدة فيجتمع فيها عنصرا : المأساة والملهاة معا .
نموذج للمسرحية :
مشهد من الفصل الثالث والأخير من مسرحية ( المتنبي شاعر العرب ) لعبد الله بوقس .
المنظر : بئر وسط رمال الصحراء تظله بضع من أشجار النخيل ، يجلس تحتها : حمدون ( الخادم )
وسالم ( من كبار القواد ) ، و أبو الهيثم ( من ذوي الرأي والوجاهة ) ، وعصام ( من رواة شعر المتنبي) ، ونزار ( أحد الشخصيات المسرحية ) .
" رجل قادم نحوهم ، وحين يصل إليهم يسقط من الإعياء والتعب ، فيهرعون إليه ، وبعد استعادته وعيه ، يسأله نزار :
نزار : ماذا وراءك ؟؟
أبو الهيثم : افصح يا رجل ..
سالم : قلبي يحدثني بشر مستطير .
الرجل : قلبك أصدقك الحديث يا هذا ..
أبور الهيثم : هت ما عندك يا رسول ..
الرجل : ( يهز رأسه بألم ) ماذا أقول لكم وفي النفس حسرة وألم ( يبكي )
أبو الهيثم ( وغيره بنفاد صبر ) تكلم يا رجل
الرجل : قُتل أبو الطيب المتنبي ..
صيحات استنكار : قُتل ؟؟
الرجل : نعم قُتل ..
صيحات : ومن المجرم الآبق ثكلته أمه ؟
الرجل : فاتك الأسدي .
صيحات : أين ؟ لماذا ؟ يا للمصيبة .
الرجل : " قتل قرب دير العاقول .. ( يصمت قليلاً ) : لقد حذره الجبلي من فاتك ، ونصحه ، وعرض عليه حراسته ، ولكنه أبى وانتم أعلم بكيريائه ...
سالم : قتله كبرياؤه ..
الرجل : بل قتلته قصيدة ..
أصوات مستنكرة : قصيدة ؟
الرجل : نعم تلك التي هجا فيها ضبة القرمطي فأقذع ..
أبو الهيثم : وما شأنه بفاتك الأثيم ؟
الرجا : هو ابن اختٍ لفاتك ..
سالم : ( مفكراً ) ولكن كيف عرف الجبلي فحذر أبا الطيب ؟
الرجل : لقد نزل أبو الطيب على أبي نصر الجبلي قادماً من الأهواز ..
حمدون : ( مقاطعا ً) هو صديقه .. وما في ذلك غرابة ..
الرجل : ( مؤكداً ) وإنه لنعم الصديق .
أبو الهيثم : ( متعجلاً ) أكمل يا رجل .
الرجل : كان فاتك قد نزل عند الجبلي قبل مقدم أبي الطيب على واسط ، وجعل يسأل عن أبي الطيب بطريقة أثارت شك الجبلي ، فلما أدرك أنه يريد الانتقام لابن أخته ، حاول أن يرده فلم يفلح .. ثم كمن له فاتك الأسدي مع عدد من رجاله وأحاطوا به ثم قتلوه .
وأضاف الرجل : لقد قاتلهم قتال الأبطال ، ولكن الشجاعة واحدها لا تفيد ، كانوا كثرة ولم يكن معه غير ابنه وغلمانه .. ( صمت ثم بتأثر ) قتلوهم جميعاً ..
حمدون : يرحمه الله . عاش وحيداً .. ومات وحيداً ..
سالم : هو القائل :
غير أن الفتى يلاقي المنايا *** كالحات ولا يلاقــــــي الهوانا
ولو أن الحياة تبقى لحــــــــــــي *** لعددنا أضلــــــــنا الشجعـــــــــانا
وإذا لم يكن من المـــــــوت بدٌ *** فمن العجز أن تكون جبانا
أبو الهيثم : لقد ملأ الدنيا .. وسيبقى ... شاغلاً للناس .
تعليق نقدي على نموذج المسرحية :
في النموذج السابق ترى المسرحية قائمة على ذلك الحوار الذي شمل المشهد كله ، بينما بدا الجانب السردي الوصفي قليلاً جدا لا تتعدى مهمته توضيح المكان بوصفه المسرح الذي تدور أحداث المسرحية عليه . إن الحوار هو العمود الفقري للمسرحية ، وهو الشكل الخارجي لها كما رأينا من خلال ذلك المشهد ، ونلاحظ في حوار المسرحية حرارة الموقف الإنفعالي ابتداء من سؤالهم لذلك الرجل ( ما وراءك ؟؟ ) ثم بصيغة الاستفهام الإنكاري ( قُتل ) وهذا ما دفع إلى حوار آخر عن قاتله ، وهكذا راح الحوار يدفع بالأحداث لتكشف عن نفسها دون إبطاء كما هي مهمة الحوار في كل مسرحية من المسرحيات .
كما نلاحظ قلة الأحداث ، فنحن لا نجد سوى حدث واحد وهو وصول ذلك الرجل للإخبار عن مقتل المتنبي .
فالكاتب المسرحي يدرك أن قلة الأحداث أمر حيوي في المسرحية لأن كثرتها سوف تستدعي نسيان المشاهد لبعضهما فيفلت منه خيط متابعة المسرحية _ على خلاف القصة _ على التقليل من الأحداث وإبرازها واضحة جلية .
أما عنصر الصراع فيبدو في مظهر الصراع مع النفس لدى أولئك الرجال الذي أثارهم نبأ مصرع المتنبي ، مما جعل الواحد منهم في حيرة أيصدق ما سمع أم أن ما قاله ذلك الرجل غير صحيح ؟
كما بدا الصراع الخارجي في صورة الخلاف الشديد بين المتنبي وفاتك الأسدي ، وكيف أن المتنبي لم يأخذ للأمر أهبته ، ولم يلق بالاً لتهديد فاتك ، فسار إلى العراق دون أخذ أسباب الحيطة والحذر ، فكن ذلك اللقاء الذي عبر عنه ذلك المشهد من المسرحية .

3/ نقد القصة والرواية:‏
لو أمعنا النظر في نشأة النقد الأدبي العربي الحديث، لعرفنا أن نقد القصة والرواية كان الأصعب مخاضاً لغلبة نقد الشعر على بدايات النقد ومراحله الأولى . وعلى هذا فإن نظرتنا إلى نشوء نقد القصة والرواية في الأدب العربي الحديث وأهم ظواهره وقضاياه حتى عام 1970 تتوزع إلى مرحلتين، الأولى منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، والثانية منذ 1945 حتى عام 1970م.‏
والقصة هي حكاية نثرية تصور عدداً من الشخصيات والأحداث .
والقصة نوعان :
اولا : القصة القصيرة : وهي التي تدور حول حادثة واحدة ، لشخصية واحدة ، أو عدة شخصيات ، ولا يتسع المجال فيها لكثرة السرد ، او تعدد الأحداث . وهذا هو ما ساعدها على الإنتشار في الصحف والإذاعة فهي تتفق مع طبيعة الإيقاع السريع للحياة المعاصرة .
البناء الفني للقصة القصيرة :
تلتزم القصة بالأمور التالية :
1ـــ وحدة الإنطباع : وتمثل الوحدة العضوية التي تجمع اجزاء القصة القصيرة ، فالقارىء يخرج بانطباع واحد ، وتأثر واحد يهدف الكاتب إلى نقله للقارىء .
2ـــ وحدة الحدث : فهي تصور موقف محدد يتأثر به الكاتب ويعبر عنه .
3ـــ وحدة الزمان والمكان : لأن تلك الحادثة التي تعبر عنها القصة القصيرة تكون في أطار زمن واحد ، ومكان واحد .
4ـــ البناء الفني الخاص : فعلى الرغم من صغرها إلا أن لها بداية ، ووسطاً ، ونهاية .
5ـــ الإيجاز : وبه يتميز أسلوب القصة القصيرة عن أسلوب القصة ، الذي يتجه إلى الإطالة والإسهاب .
ثانيا : الرواية : وهي أطول أنواع القصص ، وتمتاز عن القصة القصيرة بكثرة أحداثها ، وتعدد شخصياتها ، وإثارتها لقضية كبرى ، أو عدد من القضايا التي تعبر عنها من خلال الأحداث أو الأشخاص ، ويميل كثير من النقاد إلى استخدام مصطلح الرواية مرادفاً لمصطلح القصة لكثرة ما بينهما من تشابه . ولأن الفروق الفنية بينهما دقيقة جداً .
والقصة بنوعيها تقوم على العناصر الآتية :
1ـــ الفكرة : هي العنصر الذي يبني عليه الكاتب قصته ولا يعلن عنها أو يروج لها ، بل تتسرب إلى عقولنا مع تيار الأحداث والشخصيات التي تتفاعل معها ، حتى إذا انتهت القصة أدركنا الفكرة التي قامت عليها .
2ـــ الحوادث : وهي الأفعال والمواقف التي تصدر من شخصيات القصة ، وهي عنصر مهم ، إذ أن أية قصة لابد ان تقوم على حدث أو جملة أحداث .
وهنالك حوادث رئيسة : تمثل الحوادث الكبرى في القصة التي يكون لها منعطف رئيسا في سير القصة .
وحوادث ثانوية : تمثل الحركات المتعدده لشخصيات القصة ، مما يعد من جزئيات الحياة وتفاصيلها ، التي لابد منها .
فإذا كانت القصة تدور حول خلاف بين اصدقاء على بستان فهذا هو الحدث الرئيس ، أما لقاء الاصدقاء ، وحديثهم ، وخروجهم إلى البستان ... فهي أحداث ثانوية .
ويمكن للقاص أن يستقي حوادث قصته من الواقع ، أو من التاريخ ، أو من الخيال . ويمكن أن يعرض هذه الحوادث بأسلوب ضمير المتكلم يتحدث فيها القاص عن نفسه واعماله وما إلى ذلك ، أو بأسلوب الضميرالغائب الذي يقوم على السرد .
3ـــ الشخصيات : وهي التي تقوم بأحداث القصة . وقد تكون شخصيات رئيسة تقوم بأكثر حوادث القصة ، وشخصيات ثانوية تقوم بالأحداث الصغيرة ويكون الغرض منها اكتمال الصورة العامه مثل صورة الصديق او السائق أو البواب ... ولا يمكن للعمل القصصي أن يكتمل بدونها .
4ـــ الحبكة القصصية : ونعني بها ترتيب الحوادث ترتيبا معينا بتقديم بعضها على بعض ، والوقوف الطويل عند حدث منها ، والمرور السريع على حدث آخر ، كل ذلك هو ما يدخل تحت اسم مصطلح الحبكة القصصية . إذا كانت احداث القصة متصلة اتصالا وثيقا نقول أن الحبكة متماسكة ، أما إذا كان هنالك جملة من الأحداث تتصل بعدد من الشخصيات يربط بينها عنصر المكان أو الشخصية الرئيسة نقول أن الحبكة مفككة .
وليس وصفنا لها بأنها مفككه ذما لها أو انتقاص من قيمتها الفنية ، بل هو مجرد وصف لها في مقابل الوصف السابق . ومع ذلك فلكل واحدة منها عيوب : فالحبكة المتماسكة قد تؤدي إلى الافتعال والتكلف ، وتقل فيها عناصر الإثارة ، وحوافز التغيير ، فتصبح الحبكة عملا آليا يدفع إلى الملل والفتور .
أما الحبكة المفككة فمن عيوبها أنها تسبب التشتت ، وعدم قدرة القاص على إجادة الربط بين أحداث متنوعة .
5ـــ الزمان : تتحرك القصة عبر خطين متعامدين يحددان موقع الحدث وهما الزمان والمكان ، ويمكن أن تدور أحداث القصة في الماضي بالعودة إليه ، والعيش فيه عبر الأحلام والذكريات ، أو الحاضر حين يصفه القاص بدقة متناهية تحفظ له حرارته وواقعيته .
والزمن في الرواية قسمين : الزمن الواقعي : حيث تجري القصة في إطار زمن محدد تحكمه قوانين الزمن الصارمة . والزمن النفسي : وهو مغاير تماما للزمن الواقعي حيث تصبح اللحظة الواحدة بسبب الألم أو لهفة الإنتظار شيئا آخر لا يمكن أن يحسب بالدقائق أو الساعات أو الأيام أو الشهور يدخل في الزمن النفسي المناجاة النفسية التي قد يستعرض فيها الإنسان في دقائق سنوات متعددة من الماضي والمستقبل .
6ـــ المكان : وهو الميدان الذي تجري عليه أحداث القصة وعلى الكاتب أن يستثمر محتويات ومكونات المكان ، فالمكان الجميل والجو الجميل يبعثات على التفاؤل ، والمكان الضيق المتسخ الذي تنبع منه روائح كريهة يوحي بالحزن والضيق .
7ـــ الحوار : لاخلاف بين كتاب القصة في استخدام اللغة العربية الفصحى ، في السرد والوصف داخل القصة ، أما الحوار فإن عددا من أولئك الكتاب يرى أن من الممكن أن يكون بعض منه بالعامية حيث أن ذلك يكسبه شيئا من الواقعية والملائمة لطبيعة الشخصية القصصية التي تنطق به . في حين أن هنالك طائفة آخرى من الكتاب والنقاد يرون أن اللغة في مستواها المتوسط البعيد عن الغرابة والغموض قادرة على التعبير الواقعي المناسب دون حاجة إلى اللهجة المحلية .
نموذج للقصة :
قصة ( يا نائم وحد الله ) بقلم السيد أفلت إدلبي
كان هو من صميم الشرق العربي ، ومن أقدم مدن العالم . كان من دمشق الخالدة ، وكانت هي من العالم الجديد ، من بلاد ناطحات السحب ، والإنسان الآله . وحينما تزوجا كان يحمل كل منهما في أعماقه أمنية تعاكس الأمنية الأخرى . كانت هي ترغب في أن تهجر بلادها إلى الشرق ، إلى الأنبياء ومهبط الوحي . وكان هو قد بهرته مدنية بلادها يؤثر أن يظل فيها . وقد استطاع بعد جهد أن يقنعها برأيه ، حين أكد لها أن ما يتيسر له من الكسب في بلدها لن يتيسر له في بلده فأذعنتت له مرغمة ، وراحت تكتفي من أمنياتها بأن تطلب منه من حين لآخر أن يحدثها عن بلاده ، عن آثارها القديمة ، وتقاليدها العريقة ، عن حاراتها الضيقة ، وبيوتها ذات الطراز الخاص ، وكان أكثر ما يستهويها من أحاديثه هذه هو حديثه عن شهر رمضان ، وعن مراسمه في البيوت الشامية القديمة .
وكان كلما رآها مأخوذة بحديثه يسهب لها في وصف شعائر هذا الشهر الفضيل ، كي يرضي فضولها ، فيقول : نحن يا عزيزتي نستقبل شهر رمضان كما يستقبل العظماء الفاتحون ، نستقبله بإحدى وعشرين طلقة من المدافع التي تنصب في أركان المدينة خصيصا من أجله . نتهيأ لمقدمه قبل حلوله بأسابيع . فكان أبي يرسل المؤن إلى بيتنا ببحبوحةٍ ، ويخص ببعضها المعوزين من جيرانه وأقربائه ، فرمضان في عرفنا هو شهر الكرم والخير والبركة .
ومازلت أذكر كيف كانت أُمي واخواتي الصبايا يشترين الثياب الجديدة من أجل هذا الشهر ، وكيف كُن ينظفن البيت من السقيفة إلى القبو كما لم ينظفنه أبداً في أي وقتٍ ، وكل صاحبة بيت كانت تتباهى بترتيب بيتها وتنسيقه .
وأكثر ما كان يُطربني في شهر رمضان هو صوت المسحر ذلك الرجل الذي كنا لا نراه إلا حين يهل رمضان فيخرج بعد منتصف الليل يجوب الحارات ، وهو ينقر على طبلة صغيرة يحملها بيده نقرات رتيبة ذات ايقاع ، ويقف أمامك كل بيتٍ فينادي ويكرر النداء بصوت منغم : يا نائم وحد الله ، ثم يتبعها بمدائح للصوم والصائمين . فكنا نصحو على صوت نقرات الطبلة فنقوم من أسرتنا لتناول وجبة الطعام قبل بزوغ الفجر ، فإذا سمعنا مدفع الإمساك يرافقه صوت المؤذن كان ذلك إيذاناً ببدء الصوم فنمسك عن الطعام والشراب حتى غروب الشمس .
قالت له مستغربة وكيف ذلك ؟ إلا تجوعون وتعطشون ؟ قال : طبعا نجوع ، ونعطش ، والماء القراح يجري أمامنا ، والطعام النفيس في متناول أيدينا ، ولكن معاذ الله أن نُقدم على شيء من هذا وقد نوينا الصيام . والغاية من الصوم هي تقوية الإرادة ضد شهوات الجسد ونزواته ، كما أن المنعمين من الناس حين يصومون يدركون عذاب الجو فيشعرون مع الجياع .
وتعجب هي أشد العجب بهذه التعاليم الإنسانية . فتقرر فيما بينها وبين نفسها أن تجرب الصيام .
ويستأنف حديثه فيقول لها : كان يحلو لأبي أن يجلس على الليوان بعد صلاة العصر ، وفي حجره مصحف ، يرتل القرآن حيناً ، ويسبح حيناً آخر ، وهو يتلهى عن صيامه بمرأى زوجته وبناته يتخطرن أمامه بثيابهن الزاهية ، يُعددن الطعام ويُهيئن مائدة الإفطار . وكان من تقليد أُسرتنا أن تنصب مائدة رمضان في صحن الدار تحت الدالية بين الليوان والبحرة .
_ فتقول له : ما الليوان ؟ وأين تقع البحرة هذه ؟
_ فيضحك ويقول لها : لا عجب أن تستغربي ذلك ..
لقد اعتدت أن تري الحدائق تحيط بالدور من خارجها ، أما في بيوتنا الشامية القديمة فالأمر يختلف تماما . الحديقة تقع في منتصف البيت ونسميها ( الديار ) وهي أشبه بالخميلة الوارفة ، تتوسطها بحرة ذات نافورة ، وتحيط بها أشجار الليمون والنارنج والكباد ، وتتسلق جدرانها أغصان الياسمين والزلفُ ، وتنصب فيها دوالي العنب ، ومن حولها تقام غرف الدار وفي صدرها ( الليوان ) وهو غرفة كبرة لها ثلاثة جدران فقط مفتوحة على الباحة ، ولها قوس عالٍ تُزينه نقوش شرقية زاهية ، وفي الليوان كنا نستقبل ضيوفنا في أيام الربيع والصيف ، وبه تسهر الأسرة ، وإذا قُدر لك أن تزوري دمشق يوماً ما فسيروقك فيها أكثر ما يروقك تلك الدور القديمة الفريدة من نوعها . أتدرين من كان يُوقظنا فيها قبل شروق الشمس لنؤدي صلاة الصبح ؟ إنها زقزقة العصافير ، وأغاريد الشحارير ، تلك الطيور السود ذات المناقير البرتقالية ، التي يحلو لها أن تعشش في الدالية الوارفة التي كنا ننصب تحتها مائدة رمضان . فإذا قرب موعد الإفطار كنت أرى أخواتي رائحات غاديات بين المطبخ والمائدة يحملن أطباق الطعام التي طبختها أمي ويضعنها على المائدة ، أما صحون الحلوى والفاكهة فيصففنها على حافة البحرة لتبترد .. فإذا لم يبق لأذان المغرب إلا دقائق معدودات ، فإن أبي يقوم فيغسل يديه ، ثم يأتي إلى المائده ، فيترأسها ونجلس نحن من حوله صامتين ..إذ إننا نترقب صوت مدفع الإفطار ، وعيوننا تلتهم الطعام ، وأنوفنا تستنشق رائحته الذكية ، ولعل هذه الدقائق القصيرة كانت أشد مشقة علينا من اليوم بأسره .
وفجأة يدوي مدفع الإفطار يرافقه صوت المؤذن ، فيبدأ أبي بتلاوة دعاء قصير نُصغي إليه بخشوع ، فإذا انتهى منه يسمي الله ثم يبدأ بالأكل فنتبعه نحن . فإذا انتهت معركة الطعام قمنا مع أبي لنصلي المغرب ، بينما كانت أمي تجمع ما تبقى من الطعام لتوزعه على السائلين الذين كانوا يطرقونا بأبنا في مثل هذه الساعة من كل يوم . وفي طليعتهم أبو حامد المسحر الذي ما كان ليختلف عن ميعاده أبدا . ثم يلتئم شمل الأسرة في ( الليوان ) لنشرب القهوة المرة المعطرة بحب الهال ، ونتحدث بما يحلو من الأحاديث .
كانت تُصغي إلى حديثه وخيالها يمعن في جُموحه فيرسم لها صوراً أسطورية لهذا البيت العجيب وأجوائه الخلابة .
فتقول له : لن أدعك هذه المرة قبل أن آخذ منك وعداً قاطعاً بأن نزور بلادك ، لن يطمئن قلبي حتى تكتب رسالة إلى أهلك تحدد لهم فيها موعد زيارتنا الذي سيكون في شهر رمضان المقبل .
قال لها : _ لن أخيب املك هذه المره . سأكتب الرسالة الآن أمامك . ولكن عليك أن تنتظري سنة كاملة كي يهل رمضان ، فنحن لم نودعه إلا منذ أيام قلائل .
قالت : لا بأس سأنتظر ، فيما إذا كنت ستفي بوعدك .
حين وصلت رسالته إلى أهله فرحوا بقرب عودة ابنهم المهاجر مع زوجه الأمريكية وقرروا أن يهدموا البيت القديم ، ويبنوا مكانه بيتا على الطراز الحدث ، كي يعجب كنتهم الأجنبية هذه ، ويكون مفاجأة سارة لا بنهم . وما هي إلا أيام قلائل ، فإذا المعاول تهدم البيت القديم ، وتأتي على معالم الذكرة الغالية فيه .
وكانت وراء البحار امرأة ما تزال تحلم بالبيت الساحر ، الذي تتوسطه خميلة وارفةٌ ، فيها بحرةٌ .
تعليق نقدي على القصة :
عند قراءتنا لهذه القصة القصيرة نجد أنها قد استوفت العناصر الفنية للقصة القصيرة حيث تمثلت بها الوحدات الفنية : وحدة الحدث ، ووحدة الزمان ، ووحدة المكان ، ووحدة الانطباع ، كما قد استوفت حظها في مجال الحبكة الفنية التي نجحت الكاتبة في إجادتها .
فوحدة الزمان : تمثلت في الوقت الذي يروي فيه البطل ذكرياته العذبة عن بلده وأيامه هناك وبالأخص أيام رمضان .
ووحدة المكان : تمثلت في ذلك البيت الذي جعله بحسن تصويره له خياليا مدهشا يموج بالحياة والحب والعواطف الندية ، ويبهر المستمع بهندسة بنائه الذي تتداخل فيه مكوناته الإنشائية مع النباتات العطرية ، والأشجار الأخرى التي توحي للقاريء أنه ليس أمام بيت صلدٍ قاس مبني من الحجارة والتراب ، بل أمام منزل جميل غلبت عليه الطبيعة والبساطة وبخاصة في صحن الدار التي تتوسطها ( بحرة ذات نافورة ، وتحيط بها أشجار الليمون والنارنج والكباد ، وتتسلق جدرانها أغصان الياسمين ..) .
أما وحدة الحدث : فنجد أننا أمام حدث واحد يهيمن على جميع أحداث القصة ويتمثل في الموقف الحواري بين العربي وزوجته الغربية .
أما وحدة الانطباع : فلأن القاريء يعيش مع هذه القصة شعورا واحدا يتجسد في المشاركة الوجدانية لمشاعر العربي المغترب ، الذي يبحث في ذاكرته ، فلا يجد أجمل ولا أكثر هزة لنفسه من تذكر الأيام الندية الطاهرة في رمضان ، في منزل بسيط ، فيه عبق الأصالة وجمال الشرق الروحي وسحره .
عنصر الشخصيات : في القصة شخصيتان بارزتان هما : البطل الذي يتولى سرد ذكرياته ، والشخصية الأخرى زوجته التي تثير تساؤلاتها مزيدا من استمرار البطل في الحديث وعرض المشاهد المستقاة من صميم الحياة العربية .
ويمكن لك ان ترى أن البطولة ليست لذلك الرجل العربي وزوجته ، وإنما للمكان والزمان . المكان الذي يتجسد في ذلك البيت العربي الجميل ، فهو يمثل الماضي الجميل الذي لا يمل ذلك العربي من تذكره ، وهو يمثل الحلم الرائع الجميل الذي تأمل أن تراه الزوجة رأي العين .
أما بطولة الزمان فلأن الضوء قد كُثف على فترة زمنية وهي فترة شهر رمضان المبارك ، الشهر الذي له أثره الكبير في تغيير طبيعة الحياة اليومية والاجتماعية بما في ذلك تغيير أوقات الوجبات ، وكثرة النوافل والطاعات ، وسائر القربات ، وإقبال على الخير أكثر من أي شهر من شهور العام .
والقصة تحمل القارىء إلى عالم من فوق الواقع ، إلى عالم وردي جميل ( خير ، وبركة ، وكرم ، وجهاد للنفس ، وسمو للعواطف ، وطهارة ، وصلاة ، ورضى ، وبراءة ) ولذا نرى صدى ذلك واضحا في موقف الزوجة التي رأت فيه ما تطمح إليه لنفسها ، ويبعدها عن صخب الحياة وضوضائها ، وماديتها ، وصدأ عواطف أهلها .
حبكة القصة : تبدو حبكة هذه القصة متماسكة ، فهي لا تشكو من التطويل ، وكثرة الاستطرادات ، والخروج عن المسار الرئيس للحدث القصصي ، كما أنها تخلو من الإيجاز المخل ، والانقطاع في السرد القصصي .
بداية القصة : بدأت القصة بداية مشوقة حيث برز التشويق من خلال إبراز عنصر التضاد المثير ( كان هو من صميم الشرق العربي .. بهرته مدنية بلادها .. كانت هي من العالم الجديد من بلاد ناطحات السحاب ، كانت ترغب في أن تهجر بلادها إلى الشرق أرض الأنبياء ومهبط الوحي .. ) .
وسط القصة : عرض جميل لأيام رمضان ولياليه ، في مشاهد رائعة تمثل ذروة الناحية الروحية في بلاد المسلمين .
نهاية القصة : حين كتب البطل إلى أهله يخبرهم فيه بزيارته لهم في رمضان القادم وأن زوجته ستكون بصحبته . وبعد ذلك كان قرار الأهل ـــ الذي يمثل مفاجأة فنية ـــ بهدم البيت العربي القديم وإعادة بنائه على الطراز الغربي الجديد ، ليلائم ذوق الزوجة الغربية ، وهذا القرار ايضا في نهاية القصة يبدو بشكل صدمة للزوجة ، التي جاءت لرؤية هذا البيت من مسافات بعيدة جدا ، وبذلك يضيع الحلم الذي ظلت تحلم به . لقد هربت من النموذج الغربي للبناء ، بعد أن ملت منه ، وسئمت الحياة فيه ، وهجرته رغبة عنه ، فإذا بها تفر منه إليه . والمدهش في ذلك أن هذا التصرف من الأهل كان اجتهاداً في البحث عما يسعد تلك الزوجة ، ويجعلها ترى في منزلهم منزلاً مألوفا لها ، فلا تشعر بغربة في العيش في طيلة بقائها معهم .
وللنقاد أن يبحث أيضا عن عنصر ما بعد النهاية وذلك في مثل القصة التي تمتاز بأنها ذات نهاية مفتوحة لتصورات مختلفة نتصور من خلالها مشاعر البطل ، ومشاعر البطلة ، ومشاعر الأهل بعد هدم البيت .
الرمز في القصة : أحداث القصة تتفق مع مقولة المثل العربي : ( إن ما تملكه اليد تزهد فيه العين ) ، فهو يملك ذلك الشرق الرائع ، ولكنه تركه ورحل عنه ، وهي تملك هذا العالم الجديد ، ولكنها تشعر في العيش به كأنها في سجن ، وتحن إلى هجر بلادها والرحيل إلى الشرق .
هل القصة ترمز بهدم البيت إلى تغير متوقع في عادات أهله وطرائق عيشهم ؟ ذلك ممكن أيضا وبذلك يتلاشى الحلم الجميل الذي حملها على المجيء إلى الشرق ، لتجد أن ما جاءت من أجله لم يعد موجوداً
مآخذ فنية على القصة : رغم أن القصة من النماذج المتميزة للقصة القصيرة التي تجمع فيها العناصر الفنية لها وأنها قد ضربت لنفسها بحظ من كل تلك العناصر كما رأينا ، إلا أنها لا تخلو من بعض الهنات مثل :
1ـــ أبرزت الكاتبة معاني كريمة للصيام بقولها : " والغاية من الصوم هي تقوية الإرادة ضد شهوات الجسد ونزواته ، كما أن المنعمين من الناس حين يصومون يدركون عذاب الجوع فيشعرون مع الجياع " . وهي غايات كريمة ، ولكنها ليست هي الغاية الرئيسة إذ أن الغاية الرئيسة ، قد حددها القرآن الكريم بالتقوى قال تعالى : " يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " فالغاية هي التقوى وهي باب واسع كبير تلج فيه كثير من الغايات الكريمة الأخرى .
2ـــ تقول الكاتبة على لسان البطل : " أتدرين من يوقظنا لنؤدي صلاة الصبح ؟ إنها زقزقة العصافير " والمعروف أن زقزقة العصافير تكون بعد ظهور الصبح أما صلاة الصبح فتكون قبل ذلك بفترة .
3ـــ ورد في القصة أن الصائمين " يدركون عذاب الجوع فيشعرون مع الجياع " ولو كان التعبير " فيشعرون بشعور الجياع " لكان أوضح .
من قضايا النقد الأدبي الحديث
اولا : قضية الإلتزام في الأدب :
ماهية الإلتزام:
وفي تعريفنا اللغوي لكلمة الالتزام نجد: " لزم الشيء يلزمه لزما ولزوما ، ولازمه ملازمة ولزاما ، والتزامه ، وألزمه إيّاه فالتزمه ، ورجل لُزمة يلزم الشيء فلا يفارقه. واللّزام : الملازمة للشيء والدوام عليه ، والالتزام الاعتناق."
و" لزم الشيء : ثبت ودام ، لزم بيته: لم يفارقه ، لزم بالشيء : تعلّق به ولم يفارقه ، التزمه: اعتنقه ، التزم الشيء : لزمه من غير أن يفارقه ، التزم العمل والمال : أوجبه على نفسه"
والالتزام كما ورد في معجم مصطلحات الأدب : " هو اعتبار الكاتب فنّه وسيلة لخدمة فكرة معيّنة عن الانسان ، لا لمجرّد تسلية غرضها الوحيد المتعة والجمال"
وقد جاء في الآية الكريمة : " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلها" .
ــــ والالتزام : هو مشاركة الشاعر أو الأديب الناس همومهم الاجتماعية والسياسية ومواقفهم الوطنية ، والوقوف بحزم لمواجهة ما يتطلّبه ذلك ، إلى حدّ إنكار الذات في سبيل ما التزم به الشاعر أو الأديب ويقوم الإلتزام في الدرجة الأولى على الموقف الذي يتّخذه المفكّر أو الأديب أو الفنان فيها . وهذا الموقف يقتضي صراحة ووضوحا وإخلاصا وصدقا واستعدادا من المفكّر لأن يحافظ على التزامه دائما ويتحمّل كامل التبعة التي يترتّب على هذا الالتزام "
أمّا سارتر فقد عرّف الأدب الملتزم فقال: " مما لاريب فيه أنّ الأثر المكتوب واقعة اجتماعيّة، ولا بدّ أن يكون الكاتب مقتنعا به عميق اقتناع ، حتى قبل أن يتناول القلم . إنّ عليه بالفعل أن يشعر بمدى مسؤوليته ، وهو مسؤول عن كلّ شيء ، عن الحروب الخاسرة أو الرابحة ، عن التمرّد والقمع . إنّه متواطئ مع المضطهدين إذا لم يكن الحليف الطبيعي للمضطّهدين "
ويشير سارتر إلى الدّور الكبير الذي يلعبه الأدب في مصير المجتمعات ، فالأدب مسؤول عن الحرية ، وعن الاستعمار ، وعن التطوّر ، وكذلك عن التخلّف .
فالأديب ابن بيئته ، والناطق باسمها ، وكلمته سلاحه ، فعليه تحديد الهدف جيدا ، وتصويبها عليه بدقّة ، فـ " الكاتب بماهيته وسيط والتزامه هو التوسّط "
وهنا يبرز هدف الالتزام في جدّة الكشف عن الواقع ، ومحاولة تغييره ، بما يتطابق مع الخير والحقّ والعدل عن طريق الكلمة التي تسري بين الناس فتفعل فيهم على نحو ما تفعل الخميرة في العجين على ألا يقف الالتزام عند القول والتنظير ، فالفكر الملتزم في أساس حركة العالم الذي يدور حوله على قاعدة المشاركة العملية لا النظرية .
إذ: ليس الالتزام مجرّد تأييد نظري للفكرة ، وإنّما هو سعي لتحقيقها ، فليست الغاية أن نطلق الكلمات بغاية إطلاقها .
ويرى رئيف خوري أنّ الكاتب مطالب أن يكتب وينشر لمجتمعه ، فيجب عليه أن يعبّر عن آلام أمته وآمالها ونضالها .
وحتى يكون الأدب صادقا ، لا بدّ وأن يتكلّم عن الواقع الذي يعيشه الأديب ، والظروف التي تحيط به ، وتؤثر على نفسيته وعلى يراعه ، فتخرج حينئذ الكلمات نابضة بالصدق ، وتأخذ طريقها مباشرة إلى فكر القارئ ووجدانه.
أمّا معنى الالتزام فعريق في الأدب ، و سابق لمحاولات المحدثين ، فقديما كان الأدب يتجسّد في مشاركة الأديب الناس ، همومهم الإجتماعيّة والسياسيّة ، ومواقفهم الوطنيّة ، والوقوف بحزم ، لمواجهة ما يتطلّبه ذلك ، إلى حدّ إنكار النّفس في سبيل ما يلتزم به الأديب شاعرا أم ناثرا . واطلاعنا على أدبنا القديم وشعرائه ، يعرّفنا أنهم كانوا في العهود والأعصر العربية ، في الجاهلية والإسلام كافة ، كانوا أصوات جماعاتهم . كذلك قبل كلّ واحد منهم أن يعاني من أجل جماعته التي ينطق باسمها ، إلى حدّ أنّك إذا سمعت صوت أحدهم وهو يرتفع باسم جماعته أو قومه ، لا يمكنك إلا أن تحسّ هذا الالتزام ينساب عبر الكلمات ، يصوّر هذا الإيمان وتلك العقيدة دون أن يساوره أدنى شكّ أو حيرة أو تردّد في تحديده للمشكلات التي يواجهه، والتي تتعلّق بمصيره ومصير سواه من أبناء قومه في القبيلة أو الحزب أو الدين ، يدفعه إيمان راسخ بضرورة حلّ إشكالية القضايا التي كان يواجهها في حينه.
ما هو الشعر الملتزم ؟
شاع في خمسينيات القرن المنصرم مفهوم (الالتزام) في الشعر، وكان المقصود بهذا الصنف الالتزام بقضايا الأمة من مفهوم قومي أيديولوجي ، ووضعت عدة معايير وقد اختزلت في المفاهيم الأيديولوجية الثلاثة التي تبنتها الثورات العربية :
• الوحدة (وحدة الأمة العربية )
• الحرية (حرية الأمة ومحاربة الأفكار الرجعية )
• الاشتراكية (محاربة الاستغلال والإقطاع والرأسمالية)
هكذا اختزل مفهوم الالتزام في الأدب ، وكان لشيوع (شعر التفعيلة ) المثال على ذلك وعُدت قضية فلسطين المحور الرئيس للشعر الملتزم بقضايا الأمة ، وكل ماهو دون ذلك فليس من الأدب الملتزم مُسقِطين من حساباتهم كل الشعراء الذين أسسوا لمفهوم الالتزام ، والذين كان لهم قصب السبق في تأسيس ( الالتزام بقضايا الأمة الإسلامية ) من أمثال (أحمد محرم ، وشوقي ، وإقبال ) وكما أسلفنا فإن المعيار كان سياسيا , مستمدا من الأنظمة الثورية.
تم إضافته يوم الخميس 30/03/2017 م - الموافق 3-7-1438 هـ الساعة 12:29 صباحاً
شوهد 350 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 6.22/10 (90 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved