خريطة المجلة الجمعة 22 سبتمبر 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد الرابع من نور الأدب
القصَّة القصيرة جداً وجدل الانتماء/ بقلم : عبد الغفور الخطيب

القصَّة القصيرة جداً وجدل الانتماء/ بقلم : عبد الغفور الخطيب
تقف القصَّة القصيرة جداً اليوم موقف قصيدة النثر ذاته لجهة انتمائها إلى عالم القص والسرد، فكما وقفت قصيدة النثر في وجه الشعر الكلاسيكي وشعر التفعيلة، لإثبات بنوتها إلى الشعر؛ وأنها تطور طبيعي للشعر العربي الأصيل وابنة شرعية له، كذلك الحال مع القصَّة القصيرة جدا التي تعاني هي الأخرى الرفض من قبل كتاب القصَّة القصيرة والرواية ومن النقاد أيضا، وتحاول إثبات بنوتها هي أيضاً.
وكلاهما، القصَّة القصيرة جداً وقصيدة النثر تتشابهان من حيث النشأة والبحث عن الوجود، من خلال محاولات التأصيل الدؤوبة، كما أنهما تتقاطعان بالبنية بشكل غريب لدرجة أن كثيراً من المتلقين لهذين الجنسين الأدبيين يحارون إلى أي جهة ينتمي، أهو إلى الشعر بأخيلته ورؤاه وأحلامه، أم إلى القص بعوالمه ودهشته وتشويقه. وربما احتاج التفريق بينهما تأملاً أعمق في ظل هذا التقاطع الذي تكاد تختفي وراءه ثيمات هذين الجنسين.
وهذا التشابه بين القصَّة القصيرة جداً وقصيدة النثر، ربما مَثَّل عنصر المفاجأة والإذهال الذي قدماه على امتداد الساحات الإبداعية والثقافية العربية، وهذا أيضا عينه مكمن الطعن فيهما.
وإذا كان التساؤل في هذا التحقيق عن القصَّة القصيرة جداً ومدى ترسيخها ملامح خاصة بها، وهل إنها وُصّفت وصُنّفت أم لا؟ فثمة سؤال آخر مهم باعتقادي وهو: أين تفارق القصَّة القصيرة جداً قصيدة النثر؟ وهل إننا سنشهد تداخلاً لهذين الجنسين فيما بينهما بحيث لا نستطيع تمييز أحدهما عن الآخر؟!
فقصيدة الشاعر الأردني أمجد ناصر على سبيل المثال تعمل على السردي في الشعر، بحيث باتت قصيدته سرداً قصصياً حكائياً بسيطاً ًوعفويا يشبه تلك الملاحظات اليومية لكاتب ما أو حتى لأي شخص. والعكس صحيح عند كثير من كُتّاب القصَّة القصيرة جداً الذين تشابه كتاباتهم القصصية قصيدة النثر. وهذا ما يسمى عند كلا الفريقين (السردي في الشعر أو الشعري في السرد).
وقد توجهنا بسؤالنا في هذا التحقيق إلى بعض كُتّاب القصَّة ونقادها، والذي نأمل أن يكون فاتحة لأسئلة أخرى تبحث في شؤون القصَّة القصيرة والقصيرة جداً.
طفرة في عالم الكتابة
تقول بشرى علي المتخصصة في النقد: إن القصَّة القصيرة جداً تجربة انساقَ إليها عددٌ من كتابنا وهي في رأيي ليست تجربة بقدر ما هي طفرة في عالم الكتابة الأدبية لاسيما أنَّ ظهورها في بلدنا سورية تزامنَ مع إطلاق حرية الكلمة وحملة التطوير، فكنا كقرّاء نبحث عن كل ما هو جديد في عالم الأدب ليلائم الجديد الذي طرأ على حياتنا. وأحببنا فيها أنها ليست تقليدية من حيث البنية القصصية وهيَ ببضعةِ أسطر تحدث لدينا عنصر المفاجأة عندما تصل بنا إلى ما لا نتوقع من نهايات وأفكار باعتمادها على فكرة قوية جداً تمر كالومضة أسرع حتى من خيالنا وقدرتنا على التحليل. كما أنها أراحتنا من السرد الطويل المملّ وتسوُّل المشاعر الذي تمارسه القصَّة العربية علينا نحن القراء المساكين.
وأنا أعتقد أنَّ النفَس القصير في الكتابة يحمل ملامح ثورة اجتماعية وفكرية ترغب في دحض المألوف، وعلى الرغم من أنها ليست ثورة ظاهرياً، إلا أنها لم تستطع أن تخُفي حنق كُتّابها وسخريتهم من الواقع، وما يؤيِّد كونَها ثورية إلى حدٍّ ما، هوَ أنَّ معظم كُتّابها وهم معروفون، إما عجائز من ذوي الدخل المحدود والحظ الممحوق، أو ساخرو الطبع ووجدوا في القصَّة القصيرة جداً أسلوباً مناسباً لبسط نكاتهم وظرافتهم بسهولة وبأقل تكلفة ممكنة في الوقت والمال. أو من جيل الشباب الذي يريد تحديثاً بلا هوادة يُلغي المألوف بكبسة زر وبلا عواطف.
عموماً أنا أعتبر القصَّة القصيرة جداً جرعة منشطة تُذكي حيويةً في القارئ لكنّ تأثيرها لا يدوم. فهي تنجح بقدر ما تكون أفكارها قوية وبقدر ما تُباغت القارئ وهيَ في بعض الأحيان أشبه بخاطرة وربما فيما بعد إعلان موقف في جريدة ولا أتوقَّع أن تعيش هذه التجربة كثيراً وهيَ الآن في طريقها إلى الأفول لأنَّ هناك ما ينبئ بعودة القصَّة والرواية الكلاسيكية بقوة إلى القراء بأدوات فنية جديدة وبأساليب تحتفي بأذواق الطبقة المترفة في العالم العربي التي أصبحنا نشاهد ونسمع ما ترغبهُ وربما سنقرأ ما تهواه.
مفتاح لتطور فن القصَّة أم باب لدمارها؟
يجيب القاص الدكتور عزت السيد أحمد قائلاً:
أكثر ما يطيل الحوار أو السجال ويجعله أقرب إلى العبث وأبعد عن الوصول إلى نتيجة هو عدم الاتفاق على مفاهيم أو اصطلاحات موضوع السجال أو الحوار أو بالأصح عدم البدء بتحديد المفاهيم والاصطلاحات.
مشكلة ما يسمى القصَّة القصيرة جدًّاً فيها شيء من هذا القبيل من الجهة الأولى، وفيها مشكلة شبيهة بالمبدأ من الجهة الثانية وهي بناء لا شيء على لا شيء. وأُبيّن ذلك على النّحو التالي:
من الجهة الأولى وجد أو أوجد شيء أطلق عليه اسم القصَّة القصيرة جدًّا، وتم الترويج له في مختلف الساحات ومن مختلف المنابر، ودارت النقاشات حوله والسجالات والمناظرات، وبنيت عليه الكتابات والكتب والندوات والمؤتمرات دون أن يتم الاتفاق على مفهوم القصَّة القصيرة جدًّا ولا على طبيعتها ولا مساحتها ولا حدودها.
من الجهة الثانية إذا عدنا إلى ولادة هذا المسمى القصَّة القصيرة جداً في الإطار موضوع الكلام، أي الذي تحولت به القصَّة القصيرة جداً إلى ظاهرة، وجدنا أنَّ هذا النمط الجديد ولد غير محدد المعالم ولا الجزئيات ولا التَّفاصيل . فأي نصٍّ لا بد أن ينتمي إلى صنف من أصناف الإبداع إلا إذا لم يكن إبداعاً أو كان استثناءً والاستثناء من هذا النوع نادر جداً.
لقد نُسب هذا المسمى القصَّة القصيرة جدًّا إلى فن القص وليس فيه شيء من مقومات القصِّ على الإطلاق، بل إنَّ التّكلف والتّصنع فيه كان مدركاً من أصحابه أنفسهم الذي أطلقوا عليه اصطلاحات أخرى تدل على التّكلف والتّكلف في التّصنع من قبيل (ق.ق.ج)، و(ققج) تماشياً مع تذرّعهم بأنّ العصر عصر السّرعة والتّكثيف، ولذلك كثّفوا حتّى الاصطلاح ذاته واختزلوه اختزالاً نحتياً لا يفقهه إلا من أيّدهم الله بالإلهام والبصيرة النّافذة.
قد يعترض أحد بأن الاتّفاق على المفهوم أو الاصطلاح أمر واقع وكل كُتَّاب القصَّة القصيرة جداً يعرفونه أو يتّفقون عليه.
الحقيقة أنَّ هذا الكلام غير صحيح من جهة وغير كاف من جهة ثانية. غير صحيح لأنه لا يوجد اتّفاق على الإطلاق، وإنك لتجد كثيراً من كُتّاب القصَّة القصيرة جداً يكتبونها على الغرار والشّكل والحجم ولا يعرفون تحديداً لمفهوم القصَّة القصيرة جدًّا، مثلما حدا مع المقلدين للشعر الذي ظنّوا أن الشّعر هو أن تصف تفعيلات متشابهة أو أن تكتب كل كلمة على سطر حتّى وصل الأمر إلى ما يسمى قصيدة النّثر، هذا الاسم الهجين.
ولكن السُّؤال الذي يبرزُ هنا بقوَّة هو: ألا يوجد فعلاً شيء أو فن اسمه القصَّة القصيرة جدًّا؟ أم لا يجوز أن يوجد؟ أم ماذا؟ أين المشكلة؟
أول من ابتكر المصطلح
هذا يعيدني إلى تجربتي في هذا الموضوع ، أعني القصَّة القصيرة جدًّا. الحقيقة أنَّي كنت أوَّل من ابتكر هذا المصطلح وكان ذلك في مجموعتي القصصية «الموت من دون تعليق» التي صدرت بدمشق عام 1993م، وقد أطلقت عليها اسم قصص قصيرة جداً. وبعد هذه المجموعة بسنوات قليلة تناذرت في الصحافة ووسائل الإعلام الأخبار عن اختراع جديد اسمه القصَّة القصيرة جداً قدّمه مبدعون شباب سرعان ما راحوا يتنادون للمؤتمرات والنّدوات للبحث في هذا المخترع الجديد الذي اخترعوه.
إنَّ اعتراضاتي السَّابقة ليست عن تجاهلي أو تجاهل تجربتي من قبل هؤلاء على الإطلاق، وإنما هي بسبب الوثب فوق المنطق والعقل، وهذا في ظني ما يستدعي التوضيح.
إنَّ مجموعتي القصصية المسماة الموت من دون تعليق، قد انطوت على ضربين من الجدّة على الأقل استدعيا مني أن أقوم أنا ذاتي بتقديم المجموعة خلاف ما سبقها وتبعها من مجموعاتي القصصيَّة. تمثلت جدّتها الأولى، وهذا ما يعنينا هنا، بكونها قصصاً قصيرة جدًّا وقد أطلقت عليها هذا الوصف، وتمثلت جدّتها الثّانية في كونها أوَّل مجموعة قصصية تتناول فكرة واحدة وتناولها من مختلف الجوانب في قالب قصصي.
أما ما أطلق عليه بعد ذلك القصَّة القصيرة جداً، فهي تفتقر إلى كل مقومات القصَّة وعناصرها، هي فكرة، وفكرة فقط، تقع في بضع كلمها، يمكن أن تكون فكرة قصة، أو فكرة قصيدة، أو ربما فكرة رواية، أو فكرة لوحة... الفكرة ليست دائماً ابتكاراً أو إبداعاً، وما أكثر ما كرر النقاد عبر التاريخ أنَّ الأفكار تملأ الرؤوس، الأفكار منثورة على قارعة الطرقات... الإبداع هو طريقة التعبير عن هذه الفكرة أو تلك، وقد يعبر أكثر من مبدع عن فكرة واحدة في الفن ذاته أو في أكثر من فن، وبتفاوت المواهب تتفاوت الآثار الفنيَّة.
على أي حال القصَّة فن، والفن صنعة جماليَّة وليس صنعة نصائح أو فوائد، فأين الصنعة الجماليَّة فيما يسمى القصَّة القصيرة جداً؟! أين المتعة التي يحصلها المتلقي؟ بل أين التلقي؟ هل هناك عمليَّة تلقٍّ أو معايشة تنشأ بين المتلقي والقصَّة القصيرة جدًّا؟ أين العلاقة الجمالية التي تنشأ بين المتلقي وقول من قبيل: «ذهب وأكل حتى شبع ومات جائعاً».
نعم قد تكون الفكرة أي (القصَّة القصيرة جداً) بالمعنى موضوع الكلام، مدهشة، أو مفيدة، أو لغزاً محيراً، أو حكمة، ولكنها ليست قصَّة.
لم يزل في خطواته الأولى
ويرى القاص علي أحمد العبد الله أن الأدب مازال في صراع دائم مع الأشكال والقوالب والأنواع بغية تجديد نفسه، لذلك ليس بغريب أن يخرج الأدب من هذا الصراع ببعض الأشكال المتوافقة مع تطور الحياة، وخير دليل على ذلك هو تطوير فن الخبر في كتب التراث العربي القديم التي جمعت في مجلدات كالمستطرف وغيرها، ولعل هذه الأخبار قد تكون شكلاً من أشكال القصَّة القصيرة جدّاً.
توصف القصَّة القصيرة جداً ( ق.ق.ج ) على أنها نوع أدبي له أركانه الخاصة، فهو لا يُقدّم على شكل حوارات طويلة أو على شكل منولوج داخلي أو حتى مذكرات يسبر أغوارها، ليستمد منها طقوس شخوصه، لكنَّه يقدم حكائية محددة الموضوع، مكثفة العبارة، تفرضها المساحة الصغيرة المتاحة للقاص، فيلاحظ بوضوح تحينه للفرصة للهرب نحو النهاية المفاجئة.
ويكاد هذا النوع يتملك ميزة قد لا يتملكها فن آخر، فهو يبدأ بالعنوان الذي يقفز قفزة مرعبة ضمن سياق النص، فيضع المتلقي وجهاً لوجه مع الحدث، فيلفت انتباهه، ثم يقوده إلى الإدهاش بانتظار القفلة، أو كما أحب أن أسميها (الصفعة).
حتى مع الحدث، فليس هناك متسع من الفضاء لذلك يبقى مخرج القاص في الجمل الفعلية والاسمية، فيكثف الحدث ويستنبط أقصى دقائقه ويقدمه مختصراً غنياً مشبعاً.
لذلك قد يظن البعض أن (ق.ق.ج) هي من أسهل الطُّرق للالتفات على مغامرة كتابة القصَّة أو الرواية، فكتابة القصَّة أو الرواية (تجسيد للحياة بكل مظاهرها.التغلغل في الذات الإنسانية هذا بحده مغامرة تحتاج إلى نضوج التجربة الحياتية واللغوية عند المؤلف).
لذلك قذفت النخب الثقافية على اختلاف مستوياتها الثقافية بكم هائل من القصص القصيرة جداً، فلم يعد يفرق بين الغث والسمين.
والتساؤل فيما إذا استطاع فن القصَّة القصيرة جدا أن يكوِّن ملامح خاصة به، فأنا أرى بتجربتي المتواضعة أن هذا الفن لم يزل في خطواته الأولى على الرغم من وجوده في كتب التراث، فقديماً قُدِّم على شكل خبر، أما الآن فهو يُقدِّمُ نفسه ليعالج مواضيع حياة الإنسان ومشاكل الفقر والظلم والتخلف.
رغم ذلك، فأنا على درجة كبيرة من اليقين أن القرن الذي نعيشه سينال فيه فن القصَّة القصيرة جداً قسماً كبيراً من إبداعات الكُتَّاب واهتمام كتب النقد.
مع أنني أفضل وأنصح، إن حق لي النصح، بعدم الإغراق في كتابة هذا الفن قبل إتقان فن الرواية أو القصَّة القصيرة، لأن اكتمال ونضوج فكر وثقافة ولغة الكاتب تمكنه من طرق باب هذا الفن بنجاح.
وبمعنى آخر أن نترك القصَّة القصيرة جداً (ق ق ج) تأتي عفو الخاطر، عندها ستكون بلا شك على درجة كبيرة من النضوج.
وبما أن قضية القصَّة القصيرة جداً لم تحسم بعد لذلك أفضل أن أنتظر ما ستفرزه كتب النقد.
عمل مشروع
ويرى القاص عوض سعود العوض أن القصَّة القصيرة جداً هي ابنة القصَّة القصيرة، كما أن القصَّة القصيرة هي ابنة القصَّة الطويلة، التي لم تعد تناسب العصر، وصارت علاقتها بالرواية أقرب.
إن القصَّة القصيرة جداً هي عمل مشروع، ومواصفاتها تتطابق مع مواصفات القصَّة القصيرة، إلا أنها تظل أكثر شاعرية وتعتمد التكثيف.
المشكلة ليست في القصَّة القصيرة جداً، بل بمن كتبوا فيها واستسهالهم الكتابة، لدرجة أن كل من هبَّ ودبَّ، شحذ قلمه وبدأ يكتب. في الواقع إن ما كتب في سورية في مجال القصَّة القصيرة جداً، معظمه لا ينتمي إلى هذا الجنس الشديد الإبداع، والشديد من حيث اللغة والنهاية، ولهذا بدأنا نرى نصوصاً هي أقرب ما تكون إلى المثل أو الحكمة، أو إلى أي شيء آخر يمكن تسميته، إلا أن يسمى قصة قصيرة جداً. إن نسبة ما كتب كثير، إلا أن الصالح منه والذي يمكن أن نقول: إنه قصة قصيرة جدا لا يتجاوز اثنين في المئة. نتيجة ذلك نرى الموقف السيئ من القصَّة القصيرة.
يضاف إلى ذلك موقف النقاد الذين هلل قسم منهم لهذا الجنس وظنوا أنه جنس جديد مع أن (ق.ق.ج) كتبت من عشرات السنين وكتبها عمالقة الأدب في روسيا.
الشيء الآخر الذي أدى إلى رواجه هو إقامة نشاطات وفعاليات ثقافية في أماكن متعددة ، في دمشق، وحلب.... لهذا الفن.
أزمة الهوية
أما القاصة نجلا أحمد علي فتقول : احتفت العديد من المهرجانات المحلية بالقصَّة القصيرة جداً وتبنَّت الصحف ووسائل الإعلام الترويج لهذه الظاهرة الأدبية المعاصرة فخصَّتها بالاهتمام والرعاية اللائقين لتنمو كتجربة ولتؤتي ثمارها معبرةً عن اتجاه خاص وهوية إبداعية فريدة، وتُعدّ المراكز الثقافية في دمشق وحلب هي السباقة في التهليل والترحيب بهذا المصطلح الذي راقَ لبعض النقاد اختصاره بثلاثة حروف: أل (ق.ق.ج) تماشياً مع روح القصَّة القصيرة جداً التي تقوم على الاختزال والاختصار في الكتابة جرياً مع مقولة:
/خير الكلام ما قلَّ ودل/.
وقد حضرتُ جانباً من الفعاليات المُسوّقة لهذا النوع من الأدب ولا أقول /هذا الجنس/ سواء ما اختصَّ منها بإلقاء نماذج من القصص على المنابر أو ما عُنيَ بالتقييم والمطالعة النقدية. وقرأتُ بعض الإصدارات الخاصة بالقصَّة القصيرة جداً فخرجتُ مما تقدَّم ببعض الاستنتاجات:
1- لا أعتقد أنَّ القصَّة القصيرة جداً هي نوع أدبي مُستحدث أو دخيل على خارطة الإبداع العربي، وبالرجوع إلى القرآن الكريم والسور القِصار نلاحظ حضور /الحكاية الومضة/ و/اللقطة القصصية العبرة/ بسحرها الآسر وأَلقها الأخاذ، إضافة إلى الحكايا القصيرة التي حفلت بها المجلدات العربية في سعيها للتأريخ للأدب العربي في مواقف مختلفة منها الظريف الماجن ومنها المأساوي الأليم. ولعلَّ وقفة تأملية في محراب هذه الكتب وهاتيكَ الأسفار تجعلنا نصطدم بهذا الاكتشاف وببعض القناعات الخاطئة حول هذا الشكل الكتابي المسمى (ق.ق.ج)، وكَمثال على حضور القصَّة القصيرة جداً في الشعر العربي هذا البيت الشهير الذي يختصر فيه الشاعر مراحل الحب والارتباط قائلاً:
نظرةٌ، فابتسامةٌ، فموعدٌ، فلقاءُ....
2- لقد طغى الكمّ على النوع في كتابة القصَّة القصيرة جداً في بلدنا، فقلَّة من الكتاب أدركوا سرّ اللعبة وعوامل نجاحها كفن ينبئ عن اتقاد ذهني لدى المؤلف وروح موغلة في السخرية والتمرد والنقد، وثقافة عامة، وحرفيَّة إبداعية. إضافة إلى اكتناز ذاكرة شعبية وأمثال وحِكَم وتسخيرها لخدمة الفن ومقاصدهِ الجوهرية. وأذكرُ أنَّ القاص (أحمد جاسم الحسين) كانَ من أوائل المروِّجين لمشروع أل (ق.ق.ج) في سورية، واشتغلَ الدكتور (محمد جمال طحَّان) وبعض المهتمين بحماس لإطلاقه وإشهاره.
3- لقد حققت أل (ق.ق.ج) ثورةً إعلامية مميزة ولافتة في مرحلة التأسيس (أو الإحياء إن صحَّ التعبير)، وشهدت إقبالاً يليق بالوعود التي زفّتها إلى الكتاب المتحمسين وإلى الشبان المغامرين الذين تعلقوا بها تعلّق الغريق بقشة على ما يبدو. لكن سرعانَ ما خفَّ البريق وتراخت العزائم والهمم والآمال. وهنا أَخلصُ شخصياً إلى الرأي التالي:
لم تستطع القصَّة القصيرة جداً أن تعرِّف نفسها كمفهوم واضح يستند إلى أسس إبداعية متينة، وبالتالي فقد أضاعت ملامحها حتى قبل أن تكتسبها. والإقبال المحموم على إصدار الكتب الخاصة بها وما رافقهُ من حماس ورهانات سرعانَ ما تخافتَ وانحسرَ فلم تُجْدِ كثرةُ النصوص والأغلفة التي صدَّرتها المطابع منذ سنواتٍ خلت في الحدّ من الانحسار وخبوّ البريق، وهنا نصل إلى لبّ الموضوع:
إنَّ أل (ق.ق.ج) لم تستعصِ على التّوصيف والتّصنيف، وإنما ضيَّعت على نفسها فرصةً تاريخية ثمينة لتغدو (جنساً) أدبياً خالصاً وخاصّاً، ووريثاً شرعياً للقصّة والحكاية القصيرة في التراث العربي والإسلامي. لذا فالرأي فيها لم يعد متذبذباً بين الشّك واليقين، بل أصبحَ جلياً لكلّ ذي فطنة.
إشكالات المصطلح
القاص نصر محسن رأى أن مصطلح القصَّة القصيرة جداً من أكثر المصطلحات المثيرة للإشكالات بدءاً من تصنيفه كجنس أدبي مستقل، وهذا رأي يتبناه بعض الكُتَّاب، وبعضهم الآخر يصنِّفه كنوع ضمن جنس القصَّة القصيرة، وكلا الفريقين يبرر وجوده، بل يعتبره ضرورياً في سياق هذا التسارع الذي يشمل مناحي الحياة كافّة، لأن قصر النص القصصي يعطي القارئ وجبة فنية فكرية سريعة لا يحتاج إلى قراءتها أكثر من بضع دقائق، وهذا الرأي هو الذي أعطى القصَّة القصيرة جداً بعض المشروعية عند بعض القرّاء الذين لا يمكنهم قضاء وقت طويل في قراءة القصَّة أو الرواية.
وهذا المبرر يسيء أكثر مما يحسن، ويضر أكثر مما ينفع لشكل أدبي مازال في بداياته، وهو بذلك يتوجه إلى القراء محدودي الثقافة، لأن الثقافة والمعرفة لا تتشكلان من خلال قراءة دقائق معدودة، وإنما تحتاج إلى الغوص بعيداً في مجاهل نصوص تطول لتنفتح على أكثر من أفق وعلى أكثر من رؤية، وبذلك تستطيع النصوص أن تثير لدى القارئ كثيرا من التخيلات، وتطرح الكثير من التساؤلات، وفي ذلك تكمن قوة النص وغناه، والقصَّة القصيرة جداً لا يمكنها القيام بتقديم هذا النوع من المعرفة المعمقة.
أما أصحاب الرأي القائل بأن القصَّة القصيرة جداً هي نوع أدبي من أنواع القصَّة القصيرة، وهي ابنتها الشرعية معتمدين على مبدأ توالد الأجناس الأدبية، فهم بذلك يفترضون أن القصَّة القصيرة كفنّ قد بلغ مكانة من النضج ما يؤهله إلى توليد فنون أخرى يحتويها في عباءته، وهذا أمر لا يمكن لكُتَّاب القصَّة القصيرة الإقرار به، لأن الحقيقة أن القصَّة فن وافد على أدبنا العربي، مع التسليم بوجود نوع من السرد الحكائي في تراثنا شبيه إلى حد كبير بالقصَّة، لكن ذلك لا ينفي أن القصَّة بشكلها الحالي فن وافد من الغرب. ومازال كُتَّاب القصَّة القصيرة العرب يؤسسون له، ولا يمكن أن يتم ذلك بعدة عقود من السنين، وإنما يحتاج إلى أجيال من الكُتَّاب متتابعة في اشتغال جدي وحقيقي عليه ليتمكن من حمل خصوصية مميزة له ضمن أشكال الأدب كافة.
أما الذين يتبنُّون مصطلح القصَّة القصيرة جداً، ويشتغلون عليه فمعظمهم من كتاب القصَّة القصيرة، ومن المفروض أن لديهم مقاييس خاصة لجودة النص القصصي غير الطول والقصر، فمن الإجحاف قياس الإبداع بهذه الطريقة ولا شك أن المقاييس عديدة، من أهمها قوة التأثير لدى القارئ، وهو هدف أيضاً من أهداف الكتابة، ولا نشك أن بإمكان المبدع الحقيقي أن يقدم لنا قصة مكتملة ناضجة ومدهشة في صفحتين أو حتى في صفحة واحدة، وكم من النماذج أدهشتنا بتكثيفها واقتصادها اللغوي، دون أن تتخلى عن انفتاحها الرائع على آفاق واسعة عبر ما يسمى بتفجير اللغة من الداخل، أو اللعب بذكاء على الحدث القصصي، يحمل الكاتب قارئه إلى عوالم متخيلة ثرة وآفاق غنيّة، كل ذلك وهو يحافظ على بنية القصَّة القصيرة كجنس أدبي جميل دون أن يسمّي منجزه القصصي بالقصَّة القصيرة جداً.
لا أعترف بها
الدكتورة هيفاء بيطار تقول: « أنا لا أعترف بها كأدب ولا أعتقد أن بضعة أسطر وأحياناً بضعة كلمات تفضي إلى إبداع أو فضاء وتقول شيئاً يمكن اعتباره نوعاً من النّكات أو الطّرف المسلية، أما القصّ فيتطلب بالدّرجة الأولى كلاما؛ فكيف يمكن حياكة كنزة من مجرد خيط صغير؟ هكذا القص يحتاج لحبكة قصصية أي لكلام.
صدقاً لا أحب استفزاز أحد خاصة محبي القصَّة القصيرة جداً أو المؤمنين بها لكني حين قرأت العديد من القصص القصيرة جداً لم تولد في نفسي إلا الرّفض وعدم الاعتراف، بل أحياناً كنت أحس بالخجل وأنا أقرؤها كما لو أن لسان حالي يقول : أهذا أدب؟! ,أهذه قصة؟!
أظن أن الكسالى أو أصحاب المواهب الضعيفة أو على الأغلب ذوي الثقافة الضعيفة يستهويهم هذا النوع الأدبي، وذات يوم سمعت أحدهم يدافع عن القصَّة القصيرة جداً ويستشهد بقصائد الهايكو، عجباً، أولاً الهايكو هو نمط بديع من الشعر يتميز بتكثيف شديد للمعنى، وأهم ما يميزه تلك الحكمة التي تعطيها تلك الكلمات القليلة التي تشكل قصيدة الهايكو، وأظن أن المقارنة مرفوضة أصلاً فالهايكو شعر والقصَّة القصيرة جداً تندرج تحت فنّ القصّ، كيف لنا أن نشعر بجمال المعاني والأسلوب، وكيف يمكن حشر أفكار ومواقف وقصة ببضعة أسطر أو كلمات؟ أتمنى لو أن هناك نقداً جاداً لهذه الظاهرة، خاصة أننا نعيش في عصر نجرب فيه كل شي ونبتكر ما نشاء، ولكن ليس كل تجريب إبداعاً وليس كل ابتكار فناً. وأخيراً أظنّ أنّ الزّمن كفيل بكشف الأصيل من الزائف وأنا أؤمن أنه لا يصحّ إلا الصّحيح.
الميدان يتسع للتنوع
يرى الدكتور أحمد جاسم الحسين، الذي يعد من آباء (ق.ق.ج)، أن ملامح الأجناس الأدبية لا تترسخ دفعة واحدة، بل هي حصيلة تغيرات متنوعة منها ما هو قادم من داخل النص ومنها ما هو قادم من خارجه...
والأمر ذاته ينطبق على القصة القصيرة جداً، دون أن ننسى أن ترسخ ملامح جنس ما يعني جزءاً من نهايته، لأننا نعلم أن ثمة صراعاً لا نهاية له بين أسس النظرية الناظمة لكل جنس أدبي والنصوص المنتجة، حيث يحاول النص تجاوز حدود الجنس الأدبي، والجنس الأدبي يحاول شد النصوص إلى تصوراته المسبقة ، وقلة من المبدعين هم الذين يستطيعون إضافة الكثير لتاريخ الجنس الأدبي والفن بعامة.
بالتأكيد القصة القصيرة جداً من خلال جهود كتابها عبر عمرها غير الطويل، نجحت في تحديد عدد من الملامح تحدثتُ عنها مطولاً في كتابي القصة القصيرة جداً الذي صدر في طبعته الثانية منذ أيام عن دار التكوين بدمشق ...
أما بشأن المد والجزر في توصيفها واستعصائها، فمن المهم تذكر تاريخ الأجناس الأدبية كلها الراسخة، وغير الراسخة، القديمة والجديدة، حيث نجد أنها دائمة التغير والتبدل بيد أن ذلك لايمنع توصيفها والإشارة إلى بعض التصورات النظرية عنها....
وفي الأحوال كلها القصة القصيرة جداً أياً كانت تسميتها ظاهرة أم جنساً أم نوعاً، فإنها لابد أن تلين للتوصيف الذي يحاول أن يحيط ببعض تفاصيلها، بيد أن التوصيف - أي توصيف- لايمكنه في عالم الفن أن يحيط بكل الملامح لأننا لسنا في ميدان علم الرياضيات أو الفيزياء، بل نحن في ميدان منتج إنساني يخضع للكثيرمن العوامل الشعورية واللاشعورية، والعاطفية، والاجتماعية، وبناء عليه ، فإن التوصيف يريد الإشارة إلى الخطوط العريضة والنواظم العامة، وكل من يسعى لغير ذلك يكون حاصداً للوهم....
أختم بالقول : الميدان يتسع للتعدد والتنوع في الأدب والفن وأفكار الناس بل حتى الساعين إلى مناصب أقول: الحياة تتسع للجميع ....

/ عن جريدة البعث /
تم إضافته يوم الخميس 22/07/2010 م - الموافق 11-8-1431 هـ الساعة 1:13 مساءً
شوهد 2100 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 9.01/10 (1393 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[SASSOUUU] [ 21/11/2010 الساعة 11:35 صباحاً]
ktiiit 7élwé 3an jad at7aftouna kaman ktir mofid el kalam elli b té7wih

أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved