خريطة المجلة الجمعة 22 سبتمبر 2017م

نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف  «^»  إليكَ أيها المسافر / جورج المتني  «^»  آخر جولة للطبيب الطيب في مدينته / غسان سعود  «^»  ذكرى يوم الأرض الفلسطيني  «^»  مدينة الطبول.... قصة بقلم: محمد توفيق الصَوّاف  «^»  زفرة مؤمن في ذكرى خير الورى (عليه الصلاة والسلام): محمد الصالح شرفية (الجزائري) جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد الرابع من نور الأدب
حوار مع الشاعر فايز خضور

حوار مع الشاعر فايز خضور
لستُ مهنياً أصنع قصائدي حسب طلبات الزبائن
فايز خضور : الطمـــــوح الأعلى للفيلسوف أن يصبح شاعراً
أفتخر أنني قلت وكتبت كل ما أريد ولست مسؤولاً عما منع منه
الشعر لم يعد همّ أدونيس ونصوصه النثرية فصّلها كما يريد الغرب
التجريب واجب على كل مبدع
هو من المحاربين القلائل الذين ما زالوا لا يتورعون عن إشهار أسلحتهم دفاعاً عن الشعر الذي نذروا حياتهم له، وهو مستعد لتقديم هذه الحياة في سبيله، ويبدو أن مقولة أن تكون أو لا تكون أصبحت شعاراً له في حضوره الشعري الذي ما زال قادراً على التألق والتوهج.. إن من يقرأ قصائده سيجد أنها نُحِتَت نحتاً من قلبه وعقله ووجدانه وحواسه الخمس وربما الست، وهذا ما يبرر كونه أحد أشد المتعصبين للقصيدة الشعرية التي يغار عليها غيرة المحب على محبوبته، وها هو اليوم يحل ضيفاً على صفحات صحيفة "البعث" شاعراً كبيراً .

> ما زالت تجربتك وحياتك الشعرية مستمرة ونضّاحة بالحيوية، وبالوقت ذاته تقول إن الإبداع له طاقة وزمن للعطاء، فمتى يهجر الشعر صاحبه برأيك دون رجعة؟
<< كثيراً ما يقال إن فلاناً ترك الشعر أو أقلع عنه، والحقيقة أنه ليس بمقدور فلان أو غيره أن يفعل ذلك وأن يترك الحقبة الإبداعية التي مُنِحت له مع الولادة.. إن موضوع الموهبة والكتابة ليس إرادياً على الإطلاق، فعندما تأتي هبة الكتابة لا يقف أحد أمامها، وعندما لا تأتي فإن الطريق سيبقى مسدوداً مهما فعل المبدع، وهذا ما يؤكده الشاعر بودلير الذي كان يقول : "كنت أفكر بالقصيدة التي سأكتبها وبالموضوع، وحتى بالعنوان، إلا أنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً إذا لم تأتِ الهبة الشعرية" والتي ما إن تأتي حتى يبدأ الشاعر بنقل أوامرها التي هي خارج حدود طاقته كدمعة العشاق لا رادّ لها ولا إرادة... ولهذا فإن الشاعر يبقى في حالة انتظار للهبة الشعرية وما ستمليه عليه خاطرته أو ذاكرته أو ولاؤه للشعر. وما دامت الهبة لا تأتي بإذن ولا بتوقيت فإنها إذا قررت أن تهجر صاحبها فهي تفعل ذلك دون استئذان، لذلك لا يزعمنّ أحد أنه أقلع عن الكتابة ، لأن الأصح أن يقول: إن الكتابة هي التي أقلعت عني .
> تتنفس الشعر في كل سلوكك اليومي كأنك ما خُلقت إلا لتكون شاعراً، فكيف تحافظ على روح الشعر لديك؟
<< أتمنى لو لم أكنه إطلاقاً ، لأنه أورثني التعب والكثير من المظالم، وحرمني من متع كثيرة في الحياة، فكنتُ متفرغاً للشعر ، سواء بإرادتي أو بالإكراه لألبّي هذا الصوت القادم من أعمق أعماقي.. أنا من القلائل في العالم الذين لا يفصلون سلوك الشاعر عن نتاجه ، وإن كان نقاد المدارس الحديثة الوافدة إلينا كالتفكيكية والتناصية، وقبلها البنيوية واللسانيات، ركّزوا جميعهم على فصل النص عن قائله، في حين أنني لا أستطيع أبداً أن أفصم عرا الشاعر عن نصه لأنني مؤمن أنني عندما أقرأ النص يجب أن أرى وأشعر أن صاحبه هو الذي يتحرك على الصفحات وليست الأوهام.. إن الصرخة التي أسمعها في قصيدة من القصائد يجب أن تكون صرخة صاحبها، لذلك أرى أنه من الظلم بمكان أن تقوم تلك المدارس الحديثة بفسخ عرا التواشج بين النص ومؤلفه، وأرى أنهم يفعلون ذلك كنوع من الاحتيال على النقد الأدبي ليخففوا من أعباء وجود صاحب النص في النص وليريحوا أنفسهم من مسؤولية التعامل مع النص بوجود صاحبه.. وأذكر ذات مرة أن أحد النقاد المتحمسين للتفكيكية كتب عني دراسة نقدية، ولو لم يذكر في المقدمة أن الدراسة عني لما عرفتُ ذلك ، لأنه عندما بدأ بتفكيك النص لم أعد أعرف لمن هذا الكلام، وبعد أن انتهيتُ من القراءة اتصلتُ به مستغيثاً أن يعيد تركيبي بعد التفكيك الذي قام به، وعندها اتهمني بأنني ضد النظريات الحديثة، وقد أكدتُ له أن هذا غير صحيح ، ولكن من الظلم أن يقتلني دون ذنب ارتكبتُه .
> إذاً، كيف يتجلى إخلاص الشاعر لشعره طالما أنك لا تفصل الشاعر عن سلوكه ، وطالما أن نصه هو هويته؟
<< حتى يخلص الإبداع لصاحبه يجب أن يخلص الثاني للأول، فلكي يستجيب الشعر لكل ما يريده الشاعر يجب أولاً أن يستجيب الشاعر لكل ما يريده هذا الشعر من معاناة وتجربة وثقافة وبحث مستمر عن أدوات معرفية تخدم هذا الإبداع، لأن الموهبة وحدها لا تكفي، وهي لا تشكل إلا نسبة واحد إلى عشر من مجمل العمل الإبداعي وتسع إلى عشر هي الأدوات المعرفية التي يجب أن تكون متطورة بتطور الحياة، فالقصيدة الحديثة مثلاً لم تعد تقبل الوقوف على الأطلال، وهي ألغت كل الأغراض الشعرية القديمة وجبلتها في طينة واحدة، وأضافت إليها ما استجد من معطيات الحياة .
> باعتبارك أحد مؤسسي الحداثة في الشعر متى يخرج المبدع من مرحلة التجريب سليماً معافى؟
<< سبق وأن شبّهتُ الحالة التجريبية بالمعركة، وليس هناك من يخرج منها سليماً معافى مئة بالمئة، فالغبار لا بد وأن يكفّنه على أقل تقدير، هذا إذا لم تلحق به جروحات وخسائر أخرى، ومع هذا أقول إن التجريب واجب على كل مبدع حتى يصفي أحاسيسه ومشاعره ومعطياته الفكرية والنفسية، ويمتحن نفسه وقدرته في اكتشاف الصوت الأقوى في أعماقه ليصبح مسؤولاً أمام الآخرين .
> ولكن، أما من حدود للتجريب برأيك؟
<< لا أرى حدوداً للتجريب، والمجرب هو صاحب القرار في ذلك، فهو الذي يحدد زاوية التمادي لأنه هو المسؤول عن الإمساك بالصوت الأقوى الذي يرن في أعماقه أثناء التجريب ليقوم بعد ذلك بخدمته إلى أقصى الحدود، وهنا برأيي يبدأ العذاب الأكبر في أن ينجح بأن ينتقل من مجرد هاوٍ إلى مبدع محترف ، لأن الإبداع لا يقبل حلولاً وسطى على الإطلاق، مع الإشارة إلى أن من حقه أن يبقى هاوياً إن أراد، فهذا تقدير خاص به، ولكن التقدير الأكبر والأدق والعبء الأكبر يقع على المحترف، فلا أحد يعتقد أن فناً عظيماً يصل للناس ويبقى خالداً ما لم يكن صاحبه محترفاً .
> كيف تفهم عملية الاحتراف في الشعر؟
<< أريد أن أقول إن فايز خضور المكوّن من لحم ودم وأعصاب وحواس، وبما يملكه من فضاءات واسعة ومعطيات مكرّس لإبداعه، في سبيل أن يكون أكثر صدقاً وعمقاً وأصدق تعبيراً، والمبدع الحقيقي، لا يندم على فعل ذلك لأنه بالأساس نذر نفسه لإبداعه، ومن البديهي أنه يتوقع أسوأ الاحتمالات.. ومن خلال تجربتي ومعرفتي واطلاعي وصل إلينا الكثير من الأسماء، ولكن لم يبق إلا النادر منهم، لأن هناك فرقاً بين الهاوي الذي قد يكتب اليوم وقد لا يكتب غداً، بينما لا يستطيع المحترف إلا أن يلبي نداء الكتابة في أي وقت .
> ولكن ما خطورة أن يتحول هذا الاحتراف إلى وظيفة؟
<< المحترف بتعريف إبداعيّ هو الذي يمنح حرفته كل ما يملك مادياً ومعنوياً، وهو من يجوّد صنعته باستمرار، وبالتالي فإن المفهوم التجريدي لمعنى الاحتراف أبعد ما يكون عن مفهوم المبدع المحترف، الذي قد ينسى كل مسؤولياته والمحيطين به، وهو الذي يخسر العالم ليربح ذاته.. المبدع هو أكثر المحترفين قدرة على التعبير عن ذاته بعفوية، ولهذا السبب أطلقوا على الذي يستطيع أن يفعل ذلك بالحر، لأن الحر هو الوحيد الذي يستطيع أن يفعل ذلك حيث لا يقف في وجهه حاجز أو عائق، وهو الذي يمشي برشاقة هرٍّ لا يرعبه أحد .
> وكم عدد المبدعين الأحرار في ساحتنا الأدبية والثقافية؟
<< سأحيلك إلى المنجمين لمعرفة ذلك، والمهم أنهم موجودون وإن لم يكونوا بالشكل الكامل ، وإنما هناك أنصاف وأرباع منهم، والمهم أن هذه الجرثومة موجودة في دم البعض .
> أكدتَ في عمر الستين قناعتك بأنك قدمتَ كل شيء أردتَه، فهل ما زلت عند هذا الكلام وقد تجاوزتَ اليوم عمر السبعين؟
<< أنا من بين كل من يتعاطى الكتابة أفتخر بأنني قلت كل ما أريد وقد كتبتُه ونشرتُه، ولستُ مسؤولاً عما مُنِع منه ، وإنما هو الآخر المسؤول عن عدم وصول ما قلتُه، وإن كنتُ أنتهز أية فرصة لإعادة نشر ما مُنِع في فترة من الفترات، وأؤكد دائماً أن كل ما كتبتُه وما سأكتبه لن يكون عرضة لتغيير المناخات، لأنني لستُ مهنياً أصنع قصائدي بموجب طلبات الزبائن وأنا كما قلتُ يوماً : "نحن كالرياح حرة تجيء من مكانها وحرة تروح".
> كيف أثّر التقدم بالعمر فيك على هذا الصعيد؟
<< لم يختلف فايز خضور ذلك الاختلاف بفعل التقدم في العمر كما حدث عند الآخرين، لأنني منذ البداية عاهدتُ نفسي على أن أكون حراً، فكنتُ باستمرار أصرخ كما أريد ولا أخفي أنني عانيتُ وبكيتُ ثمناً لذلك، ومع ذلك كان الاستمرار إلى الأمام هو رائدي ، وسيبقى حتى آخر يوم من حياتي ، فكنتُ جريئاً لا أخشى لومة لائم .
> يتساوى الشعر والفلسفة من حيث طرحهما للأسئلة، فهل استوعب الشعر الذي تكتبه كل أسئلتك؟
<< لا يتساوى الشعر والفلسفة، وإنما تتقارب الفلسفة من الشعر بموضوعة السؤال والحياة الأعلى وباعتراف الفلاسفة أنفسهم يبقى الطموح الأعلى للفيلسوف من أيام سقراط وأفلاطون حتى الوقت الحاضر أن يصبح شاعراً ، وهذا ما عجز عنه لأن الشعر يستوعب كل أسئلة الكون التي لا تنتهي ما دامت الحياة قائمة .
> ترى أن الشعر الحقيقي أقرب ما يكون إلى السيرة الشخصية للشاعر ولكن بلغة ورؤية أخرى ، مع أن الاتهام الأساس للشعر الحالي أنه مغرق في ذاتيته، فماذا تقول؟
<< هذا اتهام باطل ناتج عن وعي ناقص لدى معظم النقاد، لأن الشعر الحقيقي هو النابع والمعبّر عن الذات، أما الآخر فهو تجربة يضعها الشاعر في داخله لتعيد ذاته صياغتها وإنتاجها.. أستغرب أن يُطلَب من الشاعر أن يكون في أوردة وشرايين النص بروحه ودمه وفكره وقناعاته، ثم نطلب منه أن يكون غير ذاتي، وما بعض الأحكام التي يطلقها البعض إلا نتيجة الفهم الخاطئ لمفهوم الذاتية .
> أنت من جيل كان كل واحد من شعرائه مستعداً ليعطي كل دمه من أجل بيت واحد من الشعر، فما تقييمك للجيل الحالي؟ وكيف تراه يتعاطى مع الشعر؟
<< يحزنني جداً أن أقول إن هذه الأجيال في غالبيتها أسلمت نفسها كلية للمفهوم الاستهلاكي الذي لا يؤسس على وعي عميق، ولكن هذا لا يعني أن القلة المعاكسة غير موجودة.. هي كذلك وهي جديرة بالاستمرار، وأنا مؤمن بأن هذه القلة هي المسؤولة عن المستقبل وليست تلك الكثرة الهشة التي تحمل مكنونات فنائها بالأساس .
> كان الشعر حاجة ومظهراً من مظاهر الحياة، وكان في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد مسؤولاً عن كل شيء، فكيف تفسر الحالة الحرجة التي وصل إليها؟
<< هذا أمر طبيعي، لأن تطورات الكون والجزئيات التي تتحكم به لا بد وأن تؤثر على سيرورة مكونات هذا الكون وعلى سيرورتها، ولكن يبقى الشعر حياة، وما دام كذلك يبقى حاجة، ولكن تألق هذه الحاجة قد يتراجع قليلاً وقد يتقدم أكثر وقد يتسع أحياناً حسب وعي هذه الحاجة للمحتاج، حيث يجب أن يكون هناك باستمرار وعي لترشيد هذه الحاجة والتعامل معها .
> وهل نحن اليوم في حالة ترشيد شعري؟
<< لسنا جميعاً.. صحيح أن هذه المتمورات العجيبة التي يعيشها الكون حالياً والمصائب الكبرى قد تهز رؤية مرايا الاستمرار، ولكنها لا تلغى ولا تفنى، لأن الفناء هو الموت، وهذا يجب أن يكون مرفوضاً .
> ترى أنه إذا لم يترتب البيت السوري ترتيباً شعرياً فإنه يهوي مادياً أو صوفياً، لأن الشعر برأيك وحده الخالق لهذا التوازن؟ فهل أنت متفائل بقيامة ثانية للشعر؟
<< هو إحساس يقودني بقوة نحو التفاؤل، وتفاؤلي مبني على وضوح رؤيتي للحياة وصدقها ولإيماني أن لا شيء يولد ولا شيء يفنى حسب نظرية لافوازييه، وبناء على ذلك ما علينا سوى أن نزيّن موجودات الحياة قدر الإمكان، أي أن نتعاطاها ونعيد إنتاجها باستمرار وبصور أجمل .
> أنت في هذا بعكس الآخرين، فكيف تفسر تشاؤم الغالبية؟
<< الإنسان عدو ما يجهل، والمؤسف أنه في معظم الأحيان يبتكر ويفتعل الحواجز الخارجية ليجنب نفسه عناء البحث والعمل والمسؤولية .
> هل تعتقد أن مبدعينا يفتقدون للرجولة الفنية؟
<< يفتقد معظم مبدعينا للرجولة الفنية أكثر من افتقارهم للإبداع ذاته، ولستُ أدري لماذا يعتقدون أنه من المعيب والعار أن يترك الشعر صاحبه لأن مفهومنا للرجولة الفنية شبيه إلى حد كبير بمفهومنا الشرقي للرجولة، فنحن نتباهى ونتغنى بالرجولة ومعظمنا لا يفقه معناها الحقيقي لأن عقل القبيلة ما زال يحكمنا في كل الأشياء.. أشير إلى أن الشاعر رامبو كان في العشرين من عمره عندما تركه الشعر فلم يقدم لا على الانتحار وعلى غيره فاتّجه نحو أمور أخرى وأتمّ بقية حياته .
> يقول بدر شاكر السياب : "عظمة الشاعر ليست وهو يكتب القصيدة بل عظمته هي في مقدار ما يحذف" ما رأيك بهذا الكلام؟
<< هذا رأي نقدي محق فيه، فالشاعر عندما يكتشف بنفسه القدرة النقدية في انتقاد نفسه أولاً يكون قد سار في خطا حثيثة نحو الأمام، ونجح في التخلص من العقل الجمعي السلفي التقليدي الذي يقدس ما يكتبه، وبرأيي إن الشاعر قبل غيره يجب أن يمتلك الشجاعة ويعطي رأيه بما يكتب، وأدّعي أنني أملك هذه الشجاعة، فعندما طبعتُ ديواني الأول مثلاً والذي يعود للعام 1965 جمعتُ كل ما كتبتُ من شعر ومارستُ رقابة مذهلة عليه ، فأتلفتُ الكثير بمنتهى الشجاعة، وأبقيتُ على ما سمي بعد ذلك باسم "الظل وحارس المقبرة" ولستُ نادماً على تلك الفعلة، لذلك أنا من القلائل جداً في حركة الشعر الحديث الذي أعتز بديواني الأول، وأعتبر أن كل من لم يقرأه لا يمكن أن يصل لديواني الأخير.. ولهذا فإن الغالبية العظمى من زملائي يتبرؤون من دواوينهم الأولى، وهذا كله مرتبط بوعي المبدع لوجوده مع مشروعه الكتابي، ففي حال عدم وجود هذا المشروع ينتهي الشعر بعد أن يتزوج قائله حبيبته .
> كانت لديك جرأة في توصيف وتصنيف بعض أعلام الشعر العربي من خلال أحكام وصفها البعض بالقاسية، وقد نال أدونيس قسطاً مهماً من هذا التوصيف، فكيف تراه اليوم؟
<< منذ أن أصبح تراجع أدونيس ظاهراً ظل يتراجع أكثر فأكثر وبجدارة، ولعل أسوأ ما وصل إليه هو التزامه ودعوته للتطبيع مع (إسرائيل) التي حاول يائساً أن يفلسفها ويبررها، لكنه لم يفلح بذلك .
> ولكن ما أكبر مطب وقع فيه أدونيس الشاعر؟
<< منذ أكثر من ثلاثين عاماً لم يعد الشعر همّ أدونيس الأساس، أي منذ أن كرّس نفسه للتنظير، فأصبح بناء على ذلك يحاسَب كمثقف وليس كشاعر، ومن المؤسف أن نصوصه النثرية التي كتبها فصّلها كما يريد الغرب بهدف ترجمتها، والمثير للسخرية أن الغرب وضع نظرياته النقدية بناء على نصوص الشعر التي بين أيديه، في حين أن أدونيس في قصائده فعل العكس تماماً، حيث صنع الطربوش وبدأ يبحث بعد ذلك عن رأس يلائمه .
> كيف تفسر هذا اللهاث وراء الغرب من قبل اسم كبير كأدونيس؟
<< كما قال أحد الكتّاب "إنها النفوس الميتة" هي التي تجعل البعض يركض ويلهث وراء المكاسب.. إن أدونيس ومنذ أن أصبح خارج الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي جعل منه منارة وصنع له أهمية راح يفكر باستبدال جنسيته السورية بأخرى لبنانية- في منتصف الستينيات- فقلنا إن أدونيس مات لأنه ما من عاقل يتمتع بالجنسية السورية الكبيرة ويركض وراء جنسيات أصغر لكي يكون مؤهلاً لدخول الغرب من أجل مآربه الخاصة وليصبح وجوده في الغرب مبرراً، وهو حتى الآن لم يحصد من وراء ذلك إلا الخيبة، وبكل أسف أقول إن أدونيس لم يعد شاعراً كبيراً كما كان، وهو مجرد كاتب كبير ولا يعنيني أبداً .
> ولكنكما اتفقتما في تصنيفكما للراحل محمد الماغوط؟!
<< أعتقد أن المحرّض الأساس لتصنيف أدونيس لمحمد الماغوط نابع من صلة القربى بينهما، إذ أن أدونيس متزوج من شقيقة زوجة الماغوط، لذلك فإن هذين العديلين حاول كل واحد منهما عبر مشوارهما أن ينال من الآخر، ومع هذا قد أتفق مع قول أدونيس إن أنسي الحاج أهم من محمد الماغوط ثقافةً وكتابةً، ولكن المشكلة في ميوله التغريبية وأنا لا أحب المغرّبين كثيراً .
> لماذا يرى البعض أن لغتك في أعمالك الأولى، كانت أميل إلى صوفية اللغة عند أدونيس؟
<< من قال ذلك إنسان لا يفهمني ولا يفهم أدونيس، ولغتي في المرحلة الأولى مثل لغة أي مبدع في سنواته الأولى تقوم على تراكمات عديدة سرعان ما يخترقها حسب مهاراته، فيتجاوزها ليكتشف الصوت الأقوى في أعماقه واللبوس الجديد "اللغة" لهذا الصوت، وأنا عندما أعمل على هذه اللغة أبتكر وأخترع منها لأشكّل رداء مناسباً للأفكار التي ما زالت في ذهني .
> رغم أنك تقول "إن لغتي هي من الحياة والتجربة وليست من المعاجم" إلا أن قصائدك غالباً ما تضم مفردات باتت غريبة عن مجتمعنا ؟!
<< عنيتُ بكلامي السابق أنني بذلتُ قصارى جهدي للخروج من برودة المعاجم، التي أسميها ثلاجة الجثث، التي أخرج كلماتي منها لأضخ فيها الحياة وأعيد تشكيلها بالصور، ولهذا يظن المتلقي أنها غريبة .
> تؤكد أنك لستَ من أنصار الوساطة بين الشعر وقارئه، وإذا ما احتاج الشعر برأيك إلى مثل هذه الوساطة فلا بد من إعادة النظر بالشعر نفسه، فماذا قصدتَ بالوساطة هنا؟
<< ظهرت موجة تزعّمتها قلة قليلة من أصحاب الوجود الهش يصعد فيها الشاعر إلى المنبر وبجانبه من يعزف على العود أو الناي، وهذا ليس مكاناً طبيعياً لقول الشعر، وعندما يحتاج الشعر لكل هذه الآلات لا يصبح شعراً بالأساس، وأرى أن كل ذلك يتم بهدف الترويج للنص النثري .
> أنت من أقسى النقاد على نصوصك، وقسوتك كما تقول تتخطى المازوشية والسادية، فماذا عن دور النقد في حياتك الإبداعية؟ وكيف ترى واقعه؟
<< ليس عندنا نقد، لذلك أرى في نفسي خير ناقد، وأنا لا أخرِج نصاً إلى النور إلا بعد قراءته أكثر من أربع مرات .
> وهل أنت مؤمن بوظيفة النقد أصلاً ؟
<< بالتأكيد، وأنا متحسّر على انحسار النقد، وسؤالي أين حنا عبود مثلاً الذي تألق في عالم النقد، وهو اليوم ومنذ عشر سنوات هجر النقد وانكبّ على الترجمات، في حين أن أحد النقاد وصل به التطور النقدي إلى أنه لا يفهم النصوص إلا إذا كانت أعلى من مستوى نزار قباني، وهكذا تشرذمت وتشتتت قبيلة النقد، ولذلك لم نعد ننتظر نقداً من أحد، وقد شكّل كل واحد من المبدعين ثقافة نقدية تكفيه ليقدم نصاً جيداً أو محترماً للقارئ .
> يقال: إذا أردتَ أن تمتحن شاعراً رائداً في مدى وعمق شاعريته طلب إليه أن يكتب نثراً، في حين تقول إنك تقبل النثر الفني وتستهجن وتستبعد مصطلح قصيدة النثر.. حبّذا لو توضح لنا هذا الكلام .
<< وأنا أطلب أيضاً من المبدع أن يكتب نثراً لأكتشف عظمة هذا النثر رفيع المستوى، أما أن يكتب المبدع نثراً ويقول عنه شعر فهنا الخطأ الكبير، وأنا دائماً أؤكد أنني لا أصادر أية صيغة تعبيرية يتقدم بها المبدعون وأقول لهم اكتبوا ما تشاؤون وعبّروا عما تريدون واتركوا التسميات للمتخصصين، ومن يعد إلى كتب التاريخ سيجد كتاباً مهماً جداً في النقد العربي لأبي الهلال العسكري عنوانه "الصناعتان : الشعر والنثر" ولم يذكر ما يسميه البعض بقصيدة النثر، وهذا يعني أن خلافي هو على هذا المصطلح الذي لا وجود له في العقل العربي، وهي تسمية وافدة إلينا مع الترجمات الخاطئة والركيكة التي وصلت إلينا من الغرب .
> هل صحيح أن قصيدة النثر هي شكل من أشكال التعبير عن صدمة الحداثة؟
<< أية حداثة وأية صدمة؟ هذه مصطلحات لا معنى لها، خاصة وأن الحداثة بالنسبة للغرب بدأت مع الثورة الفرنسية وثورة كرومويل الصناعية، أما الحداثة التي نفهمها كعرب فهي حاجة داخلية قبل أن تكون خارجية، ولهذا السبب لكل شعب وزمن حداثته، ولكل مبدع وعيه الخاص بهذه الحداثة .
> وصفك الشاعر اليمني عبد الله البردوني بالشاعر المتجدد، وجوزيف حرب اللبناني بالشاعر الأهم، فمتى يصبح الشاعر هو الأهم؟ وكيف يحافظ على تجدده دائماً؟
<< المطلوب من الشاعر الأصيل أن يبقى متجدداً، ووصفي بالشاعر المتجدد رأي نقدي أقبله ويحتاجه كل شاعر، وليحافظ الشاعر على تجدده يجب أن يخلص لما يكتب وأن يكون صادقاً مع نفسه والحياة، وأن يحصد المواسم الجديدة المتجددة بالحياة، وأن يطور باستمرار أدواته المعرفية لخدمة إيداعه، أما لقب الشاعر الأهم فأعتبره لقب محبة لا علاقة له بموضوع الكتابة .
> أي جديد يحمله ديوانك الجديد "مرايا الطائر الحر"؟
<< الديوان يضم قصيدة طويلة مؤلّفة من 28 مقطعاً على ترتيب نظام أبجد هوّز وبـ 28 قافية.. نسيج هذا الديوان شعري، واللغة فيه لغتي، وفي مضمونه مختصر مكثّف للسيرة الوجدانية لي.
> هل هذا يعني أنك تعبتَ من الخوض في القضايا الكبيرة؟
<< شخصياً أقول لا، لأنني جاهز دائماً للهبّة الشعرية أينما تودي بي.. أما ما يقوله عقلي الباطن فلا أدري به .

حوار : أمينة عباس

عن / جريدة البعث
تم إضافته يوم الخميس 22/07/2010 م - الموافق 11-8-1431 هـ الساعة 1:22 مساءً
شوهد 1446 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 5.51/10 (1170 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved