خريطة المجلة الجمعة 19 أكتوبر 2018م

استيقظي أيتها الغيلان - د. بشرى كمال  «^»  فجر المنى - غازي اسماعيل المهر  «^»  ترجيعة اليعربي..... حسين عبروس  «^»   قدس الأجدادِ توْأَمَ شعبي - جريس ديبات  «^»  صَراحَتاً ! - د. بلال عبد الهادي  «^»  نعي الرئيس نجيب ميقاتي   «^»  رحيل رجل عروبة متنور / الإعلامية بولا يعقوبيان  «^»  برحيل المناضل الرافعي نجم عروبة ساطع يغيب / صلاح المختار  «^»  الأبطال لا يرحلون / عليا محفوظ  «^»  .رحيل الأيقونة / محسن يوسف جديد مجلة نورالأدب

مجلة نور الأدب
العدد الخامس من نور الأدب
ينابيع الشمس .. السيرة الشعرية / بقلم :عبد الوهاب البياتي

ينابيع الشمس .. السيرة الشعرية / بقلم :عبد الوهاب البياتي
ينابيع الشمس .. السيرة الشعرية / بقلم :عبد الوهاب البياتي
ـ 1 ـ
ما كان لي أن أعود إلى كتابة تجربتي الحياتيّة ـ حيث يكون الشّعر فيها قسيماً مع سيرة الذات ـ لولا هاجس كان يراودني كلّما أخذ ذهني في الاستغراق ، وكلّما إسترجعت الماضي باحثاً عن نفسي التي أضحت نهباً بين من استوقَفَتْ لديه ، أو من وَقَفَ هو لديها. ذلك أن ما لم يذكر يبقى هو الأهمّ ، وإنّ المرء ليظلّ مأخوذاً بالجديد المسكوت عنه أو الهامشي المحال خارج الإستدعاء بسبب الإنهماك بالأساسي المألوف الذي كثيراً ما يستحبُّ الوقوف عنده ، وتجليته إنسجاماً مع العرف الكتابي ليتشكّل منه ما يصطلح على تسميته بـ (السّيرة ) autobigraphy .
غير أن ما يستوقفني هذا اليوم لا يتعارض أو يلغي ما أثبتُّهُ سالفاً ، بل ليوائم بين ما تفرّق مبثوثاً يطلب صلته في موضع آخر من كتاب لاحق ، وقد يأتي هذه المرّة ـ بفعل تلاحقه ـ أكثر انسجاماً وأبدع إسترسالاً من ذي قبل.
كما يساق فيه ـ أيضاً ـ الجديد ، سواء ما كان وعياً به لاحقاً حيث تمضي السنون والمرءُ يقلّب ما عنَّ له فيستنتج منه شيئاً آخر ، أو يضع يديه على ما لم يكن يظهر له آنها من أمره ، أو ما كان جديداً مضافاً لم تسعف الذاكرة ـ حينها ـ نفسها على تسجيله ، فأتت به الآن لتضعه حيث يكون موضعه من رحلة الذات .
وإذا كان استحضار الفائت يستدعي معه الحزن ، إن كان جميلاً فلفواته ، وإن كان غير ذلك فلآلامه التي ندَّ عنها ، فإن من يقف على سجلَه اليومي مطالب ـ إضافةً إلى الموضوعيّة التي يجب أن يتحلّى بها قلمه ـ بالقدرة على اصطحاب الصبر ومجالسة الأشجان والدموع، وقديماً قال البوصيري عن الذّكريات :
أمِنْ تذكّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمْعاً جَرى مِنْ مُقلَةٍ بَدَمِ ؟ !
إلاّ أنّ ما يُنسى لا يموت في الذاكرة ، فيعودَ من جديد أساسيّاً بعد أن تشحذه الحادثةُ الآنيّةُ فتلقيه بين مدارجها مفتاحاً تفكّ به الملغّز والغرائبي والمثير ، وحتى أنّه يأتي في مرّات أخرى ـ أي المنسي ـ حاجة تستنجد بها الذات ، كما كان ساقي الفرعون الذي أوصاه النبي يوسف بن يعقوب (ع) أن يذكره عند ربّه ، فنسي أمر صاحبه ، حتى عاد له بعد أن بدت الحاجة ليوسف مفسّراً ما طاف بالفرعون حلماً ..
فالاستجابات إذن هي التي تخلق المتذكّر ، وهي ـ أيضاً ـ قد تبعده تبعاً لحيثياتها أو مكامن استغراقها في الزمان والمكان . ولا يعدو الأمر في النهاية إلاّ نسيجاً هلاميّاً غير واضح المعالم ولا دقيقٍ في تشكّلاته ، يهيمن عليه النقص مهما أوتي صاحب المذكرات من قوى يستحوذ بها على ما يودّ أن يسجّله ..
وهكذا فالمُتَذَكَّر هامش إذا ما قيسَ بالمنسي ، وما يكتبه صاحب السيرة أو من يترجم عنه ، يظلُّ إيماضات خُلَّب ، كما يظهر الأمر للصيّاد الذي يقفُ بالنهر فتأتي سنارته سمكة أو أخرى من غير أن يعني ذلك اكتفاء الصياد أو نضوب البحر ، بل يظلّ ما في البحر أكثرَ وأحسنَ ممّا في جعبة الصيّاد ..
أما وقد أصبح الأمر كذلك ، فقد وجدتني أطيل الوقوف بالنهر غير مرّة حتى أنالَ منه ما يجعلني أعود إلى أهلي ـ الذين ينتظروني ـ بجعبة ممتلئة تشعرني بحسن وفادة الواجب نحوهم . ولعلّ المقام يسمح لي أن أحرّرَ لعبة المجاز التي أتيت بها آنفاً للتوضيح ، فليس الوقوف بالنهر مرّات عدّة إلاّ معاودة كتابة التجربة الشعريّة كلّما رأيت ذلك ممكناً ، أمّا الأهل الذين ينتظروني فهم القرّاء حيث يطلق عليهم ف.أ ماثيسن ( مدينة الجماهير وثقافة الأقليّة ) ، وأمّا الجعبة الممتلئة ، فهي ما أنا بصدد كتابته حاليّاً ..
فكان شأني وأنا أكتب السيرة ـ المذكّرات هذه ، كشأني وأنا أكتب الشعر ، إذ كلّما انتهيت من كتابة قصيدة ، أشعر أنّي سحابة أمطرت كلّ ما عندها وظلّت تنتظر موسماً آخر لكي تستعيد عافيتها فتمطر من جديد ، وقد أحسست بمحنة كبيرة عندما نشرت ديوان ( أباريق مهشمة) فقد كنت أتجوّل ما بين الوهاد والوديان والقمم لكي أبدأ رحلتي من جديد وكنت أحسُّ أنني لم أستعد توازني بعد هذا إلاّ بعد كتابة ديوان ( النار والكلمات ) . وما يصحّ على تجربتي الشعريّة ، يصحُّ تماماً على هذه المذكرات التي تأتي بعد ما يقرب من ربع قرن حيث كانت تجربتي الشعريّة في كتاب حمل الإسم نفسه وصدر عام 1968م.
لقد أحسستُ أنّ ذاكرتي التي ازدحمت بغبار السنوات ، كانت تعجُّ بصور ورموز كثيرة ، كان يطمس بعضها الآخر ، وكان عليَّ أن أضع الإشارات والعلامات في هذه الذاكرة لكي لا أعيد أو أستعيد الذي كتبته . ثم جاءت مرحلة جديدة من حياتي ، وهي مرحلة إقامتي في إسبانيا التي استمرّت عشر سنوات أحسست فيها أنّني يجب أن أولد من جديد ، فلقد كنت استهلك نفسي تحت شمس صيف العالم العربي ، ولهذا فإنّني لم أكتب لا الشعر ولا المذكرات طوال أربع سنوات ، ولعل موت أو انتحار الشاعر خليل حاوي هو الذي ذكّرني بالشعر من جديد ، لأنّني كنت أعيشه ولا أكتبه ، وقد وجدت صعوبة كبيرة في كتابة قصيدتي عن موت خليل حاوي ، أشبه بصعوبة من يحاول الكتابة للمرّة الأولى في حياته ، لأنّ علاقاتي الاجتماعيّة والثقافية كانت تستنزف كلّ وقتي ، ولكنّ هذه النشاطات كانت أشبه بالقوت الروحي الذي كان يتجمّع في داخلي ، والذي سيظهر فيما بعد وبشكل مفاجئ بعد عودتي إلى العراق ، فلقد أحسست في عام 1990 م أنّني أجلس على نفس الطاولة التي تعلمت عليها القراءة والكتابة ، وكنت أرى نفس البيوت الهرمة لبغداد القديمة والتي كان بعضها قد تداعى وحلّ مكانه بيت جديد . وكانت الطبيعة تبدو لي أنّها أقوى من البشر والبيوت والمدن ، وبعبارة أخرى : إن إحساس الطفولة قد تلبّسني من جديد وكنت أشعر ـ أيضاً ـ بنفس أحزان الطفولة ، ولكنّني كنت أشعر في الوقت نفسه بأنّني قد كبرت ، وكانت المسافة الزمنيّة بين طفولتي وعام 1990 م أشبه بالمسافة بين العصر الجاهلي وسقوط بغداد على يد المغول ، كنت أقيسُ المساحة بالكلمات ، كما يفعل ت.س. إليوت عندما كان يقيس الزمن بملاعق الشاي .
غير أنّني كنت أتذكر الّلحظات الكونيّة والهواجس الإنسانيّة التي تحيل الحياة إلى ثنائيات متناقضة ، لكنّها تلفّ في أتونها السرَّ الأعظم، سرّ البقاء الذي يفرض علينا أن نتكيّف معه ، ومع هذا بقيت أردّد مع الأمير النائم الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت ، قصيدته ( ترجمة ذاتية ) التي يقول فيها:
هناك رجال يعرفون ألف نوع من
الأعشاب ،
وآخرون يعرفون أنواعاً من
الأسماك ،
أما أنا فقد عرفت أسماء الفراق
هناك رجال يعرفون من الذاكرة
إسم كلّ نجمة ،
أما أنا فقد عرفت أسماء الحنين
نعم ، لقد عرفت ـ كما عرف ناظم حكمت من قبل 1961م ـ أسماءَ الفراق والحنين جميعها . فمنذ نعُومة أظافري بدأت أعي سرّ الموت وسرّ الغربة وسرّ الصمت ، وكنت ألوذ بكتبي متأملاً الطيور والسحب التي كانت تغطي السماء في أيام الشتاء ، حالماً بالرحيل إلى مدن أخرى وإلى بلاد بعيدة..
وفي هذا الجوّ ـ أيضاً ـ كنت أكتب الشّعر ولا أكتبه ، إذ أنّ ذاكرتي كانت شاشة بيضاء تكتب عليها الكلمات ، لكنّها لا تلبث أن تمحى لأنّ الفضاء الذي كان يفصلُ بين الشّعر والّلغة في نفسي كان واسعاً ، وكنت أحسّ بالقلق لأنَّ هذا الفضاء كان يحولُ بيني وبين القدرة على التعبير عما كان يجول في خاطري ..
إنَّ الذكريات المستقاة من المعاناة الذاتية والجماعيّة ومن التراث القومي والإنساني الذي يحيط بصاحبها ، لا يتمّ اختيارها اعتباطاً ، بل إنّها تتجمّع كما تتجمّع برادة الحديد في مواجهة المغناطيس ، فالمغناطيس يلفظ كلَّ العناصر الزائفة الأخرى التي ليس لها علاقة بمعدن الحديد . وهكذا الأمر في مقدرة الشاعر أو الكاتب على النفاذ إلى جوهر المادة التي يتعامل معها والتقاط ما هو صحيح وثمين فيها.
ففي ( أباريق مهشمة ) الذي صدر عام 1954 ، رسمت في قصيدة ( في المنفى ) صورة الإنسان الذي يناضل كلّ يوم تحت الشمس ، والذي يمثل في نضاله أسطورة سيزيف حيث يمضى مدحرجاً صخرته التي لن يتحرّر منها إلاّ بالموت : ((الصخرة الصمّاء للوادي يدحرجها العبيد ـ سيزيف يولد من جديد )) ..
وحيث أن سيزيف هذا يحلم بالماضي ولا يتطلّع إلى المستقبل إلاّ كزمن يعود فيه الماضي الميئوس من عودته مع ذلك كلّه : (( تقضي بقية عمرك المنكود فيها تستعيد ـ حلماً لماض لن يعود ! ـ حلم العهود الذابلات مع الورود )) ..
وكما ظهر سيزيف في مسرحيتي ( محاكمة في نيسابور ) التي صدرت عام 1963 ، إذ أنّه ما يزال يدحرج صخرته في الوادي ، ويتأمله الخيّام ، ويرى شروطه في صورة بشعة ( القطط تأكل لحم يدي ) ، ويأكل الخيّام حزنه .
وترسم المسرحية الآلام والآمال والوسائل ، آلام مجتمع مريض متعفّن تحوّل بَشَرُهُ إلى ( نسخ مكرورة من كتاب أصفر ) مجتمع يموت الإنسان فيه بالمجان ، والآمال في مجتمع يبزغ فوقه نجم الثورة الحقيقية ، والوسائل تلك التي يعاقب الخيام على ارتكابها كما لو كانت جرائم وهي اختراعه التقويم الشمسي ( العلم التطبيقي ) ، واكتشافه أنّ الأرض ليست مركز الكون ، وأنَّ النجوم ثابتة ( العلم النظري ) وكتابة الرباعيّات ( الفن ) ، وتلك الوسائل الأخرى التي يجرّها النجم المنتظر وراءه ذنباً طويلاً لامعاً يحلم به الخيام ويبشر به عندما تسحقه الشروط وترغمه على تأجيل رؤاه ، والخيام يقول : ( أنا أمسكت بخيط مصيري هكذا وجذبته ، وها أنذا أسهر مع قمر الدموع لأبكي ، بكاء المقاتل المهزوم الذي رأى فجر انتصار الإنسانية من خلال ليل هزيمته ) . أما كتاب اقليدس ـ رمز التقدم ـ فقد امتدّت إليه يد غجريّة جرباء لتنزع منه بعض صفحاته .
ومن هذا كانت تجربتي الثقافية والروحيّة تؤدي بي إلى أبطال الأساطير والتاريخ ، الأحياء منهم والأموات وفي مفترق طرقات العالم المختلفة ، وقد تقبلتهم كلّهم : الصوفي والعاشق والمحارب والثائر والمفكّر ، تقبلتهم بشكل وجودي ، باحثاً عن لباب الثقافة الحيّة في تجربتهم . ولعل السبب في ذلك أنّني أنا نفسي أعيش شعري وثقافتي معيشة وجوديّة ، أي دون شروط ولا مقدمات .
فمن الناحية الايديولوجيّة ، أنا تقدمي دون أن أكون ماركسيّاً ، ومسلم عربي ، الايديولوجيا لا تفرض عليّ شروطها .
وفي رأيي أن الفنان مع حركة الابداع التاريخي والفني ، ومع كل ما يصبّ في حركة الإبداع هذه ، فهو لا يقف بين قوسي : ضدَّ أو مع، اللذين يشيع استعمالهما في الحياة الثقافية العربيّة : أحمر / أخضر ، أسود / أبيض ، تصنيفات لا تهمني .
المستقبل سيطرح شروطاً إنسانية جديدة . كما أنه يمكن الاستفادة من المعرفة الإنسانية والاستعانة بخبرات الشعوب من غير الوقوع في القيود والأغلال لهذه المعرفة أو تلك . أي يمكن الاستفادة من انجازات الفكر الإنساني من غير التحجّر في الثوابت التي وصل إليها . العرب كأمة مطالبون بالإبداع في سياق الإبداع الإنساني الحضاري من غير أن يكونوا تابعين ولا مستهلكين ومن غير أن يحبسوا أنفسهم في أقفاص النظريات والايديولوجيات التي تؤدي دورها وتنسحب من المسرح لتحل أخرى محلّها ، أي أنّ هناك عمليّة ثورة في الثورة ، كما أن هناك عمليّة إبداع في الإبداع ضمن كلّ الاجتهادات الإنسانية.
وفي هذا الصدد ارى أن التراث يسعف إسعافاً كبيراً في تمثل الحداثة ، فالتقارب بين الشعر الصوفي والشعر السريالي جعل الشعر يكمل بعضه بعضاً ، ما كان ينقص المتصوّفة المسلمين الشعراء ـ بخاصة ـ هو الرؤيا السرياليّة للعالم ، ولهذا تجد في شعرهم صراعاً بين الخضوع للموروث التقليدي والخروج عليه في كثير من الصور والمعاني . أما من حيث العطاء فالطريق واحد رغم أن الحركتين متعاكستان ، إذ أنَّ كشوفات السريالية النظريّة أكبر من إبداعاتها الشعريّة ، وأندريه بريتون ـ على سبيل المثال ـ الذي ظلَّ طوال عمره زعيماً للسرياليّة، كان مفكّراً ومنظراً أكثر مما هو شاعر . أما الشعراء الكبار في هذا القرن فهم الذين خرجوا من معطفها وتجاوزوها ، أمثال بول ايلوار ولويس أراغون . في حين أن الشعراء الذين توقفوا عند السرياليّة ومقولاتها النظريّة لم يفلحوا في إنتاج شيء ذي قيمة ، وعلى رأسهم بريتون ذاته .
التجربة قادتني إلى التشخيص في الشعر ، عمليّة السفر خلال الكلمات هي التي قادتني إلى التقنيات الفنيّة جميعها ، من غير وضعها في الحسبان منذ البداية . ففي لحظة ما تمّ التطابق بيني وبين الحلاّح في شكل خطير جداً ، فلم أجد بداً من كتابة القصيدة بهذا الشكل .
فالنقلات من مدرسة إلى مدرسة ومن مذهب إلى آخر ، تعود إلى خصوبة حياتي وأسفاري . ثقافتي متنوّعة وموسوعيّة ولا تقتصر على الأدب والشعر فحسب ، لديّ خواص ذاتيّة ـ أيضاً ـ فأنا لا أعيش الشعر أثناء كتابة القصيدة فقط بل أعيشه خلال حياتي اليوميّة فهي مليئة بالتأمل والتفكير ليس لديّ حياة اجتماعية تشغلني عن وظيفة الشاعر ، عندي شعور هائل بالحريّة لامثيل له . ثمة طريق يربط عالميَّ الجواني والبّراني ، من غير اختلاف ولا تناقض . أعبّر عن آرائي وأفكاري بحرية كاملة ولا أجد أيّة عوائق تعوقني . لا يوجد شُرطي صغير في رأسي على الإطلاق .
ونزعتي أنّه إذا كان للأشياء بداية ، فليس لها نهاية ، النهاية توجد في الأفلام والقصص أما مشاريع الحياة الحقيقية فليس لها نهاية . المشروع الثقافي الحضاري الشعري ليس له نهاية . النهاية في الحياة تكون للأشياء الصغيرة التي ترتبط بحالة البرجوازيّة الصغيرة كطبقة ذات طموحات اجتماعية وثقافية محدودة . ولا أتكلّم على البرجوازيّة الصغيرة بمعنى السياسة ، بل بمعنى المشاريع المحدودة التي تولد ميتة، التي يسمّيها طه حسين: جنة الحيوان أو جنة العبيط ، كأن يشعر المرء بأنّه جمع ثروة أو ربح من صفقته . بالنسبة للشاعر ، فهو كلّما أوغل في أرض الغربة وأعطى وأبدع شَعَرَ بظمأ روحي وبمزيد من الغربة . فالغريب الحقيقي لا يفكر بالربح والخسارة بالمعنى الاقتصادي أو الاجتماعي ، والفنان الحقيقي خارج هذه اللّعبة ، وإلاّ لكان مثل شعراء الحب الصغار الذين يقنعون بالتغزّل بحبيبات لهن أمكنة وأزمنة وأسماء معينة ، فتأتي القصائد عنهنّ محدودة.
إنّ الكتابة في العالم الثالث عذاب وليست ترفاً لأنّ الكاتب عندما يتصوّر أنّ الكتابة مجرّد كلمات وطموح نحو إبداع محض تتحوّل في مثل هذه الحالة إلى خدوش باهتة في سطح الواقع الفاسد ، وعندما يتجاوز العالم الثالث محنته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والكونيّة، فإنّ قاموس الكلمات يظلّ إحدى هيروغليفيّات أو مسماريّات هذا العصر الذي غرقنا في طوفانه الأسود ولابدّ من تصحيح الأمر فما يظنّ أنّه قاموس شتائم هو ليس كذلك ، بل إنّه قاموس أوصاف للعور والخصيان والطواويس .
إنّ كلمات قاموسي أسلحة في وجه اللّيل والشرّ والذل الكوني وضدّ الطغاة الصغار الذين يعيقون مسيرة البشريّة وطموح الإنسان نحو تحقيق العدالة والحريّة والديمقراطيّة . ولكن هذا القاموس لم يستغرقني شاعراً وإنساناً ، بل إنه يمثل جزءاً صغيراً جداً من عالمي الشعري وقد منح شعري هذا القاموس مذاقاً خاصاً قلّ أن نجده في شعر الآخرين .

















ـ 2 ـ
إنّ الطفل الذي كنته أنا والذي انحدر من أعماق قرية فقيرة حكم عليها بالصمت منذ آلاف السنين ، كان يحمل مدينة الشاعر الذي لا يكاد يزول عنها الشتاء ، بالرغم من شمس الشرق الساطعة معه ، بعيداً عن أعين الفضوليين والأدعياء ، فالحياة التي عاشها هذا الطفل كانت أشبه بالموت نفسه ، أو بأطلال دراسة مهجورة ، ولكنّها بلا أساطير ، كنّا نعاني الموت ونتنفّسه .
لقد بدأت معرفتي بالعالم في الحي الذي نشأت فيه ببغداد بالقرب من مسجد الشيخ عبد القادر الجيلاني وضريحه ، وهو أحد كبار المتصوّفة، كان الحي يعجُّّ بالفقراء والمجذوبين والباعة والعمال والمهاجرين من الريف والبراجوازيين الصغار ، كانت هذه المعرفة هي مصدر ألمي الكبير الأوّل .
كان منظر الموت هو المنظر المألوف لديَّ ، فالأبقار والجواميس والجمال والأغنام كانت تقاد إلى المسلخ حيث تقدم هدايا ونذوراً إلى مقام الجيلاني وتعدّ منها الأطعمة التي ينتظرها الجوعى والمساكين وبعض الزوّار الذين قدموا للطواف في ضريح الشيخ .
لم تكن المدينة التي ولدت فيها إلاّ صورة لكل المدن العربيّة الأخرى في تلك السنوات ، فبغداد كانت تعجُّ بصور البؤس الإنساني الذي لازم المجتمعات الفقيرة منذ نشوء الحياة على هذه الأرض، وقد كنت أحسّ وأنا أتصفح وجه الألم ، أنّه لم يكن وجهاً للألم في الزمن الذي كنت أعيش فيه ، بل إنّه كان وجهاً للألم في كلّ العصور، ولهذا كنت أستنجد بالآلهة والأساطير وأضرحة الأولياء والكتب ، لكي أتساءل : لماذا كلّ هذا البؤس ؟ وأين ذهب جهد الإنسان منذ بدء الخليقة حتى ذلك الزمان ؟ هل إنّ كلّ ما يبنيه الإنسان تهدمه الريح؟! بحيث أن الإنسان يعود من جديد لكي يبني ، ولكي يؤدي هذا البناء إلى الهدم من جديد ؟ كنت أتساءل وأنا طفل : متى يمكن للإنسان أن يبني وأن يناضل ، وأن يحاول تغيير الحياة لكي يضيف إليها أشياء جديدة من غير أن يدع الفرصة للموت أو للهدم أو للخراب لكي يعود ويهدم ما بناه الإنسان ، وكانت حكايات جدتي وأمي والحكايات الأخرى التي كنت أقرؤها في الكتب العربيّة القديمة تغذّي هذه الرؤية بالتفصيلات والروايات والقصص ، وهذا ما جعلني أحسُّ بأنَّ الزمن الذي عاشته الإنسانية هو زمن دائري أكثر مما هو زمن أفقي ، لأنَّ الزمن الأفقي لا يمكن أن يعيد نفسه ، وهذا ما جعلني أيضاً لا أكتفي بالحكاية أو القصة أو الحدث أو المثل ، وإنّما أبحث عمّا يختفي وراء كل منها ، وأبحث عن القوى الدافعة أو الخالقة لهذا المنحى أو لهذه الرؤية أو لهذه الحكاية .
ومن هنا صار عليَّ ـ دون وعي ـ أن أبحث عن مخلّص ، فلابدَّ لهذا الصبي الذي لم يتجاوز بعد الثانية عشرة أن يجد لروحه وجسده النحيل المجهد حائطاً يستند إليه ، ولابدَّ له قبل أن يتهدم بفعل الرياح السامة التي أخذت تهبّ عليه من كلّ الجهات أن يجد الإكسير الذي بحث عنه ، والمخلّص الذي كان بانتظاره .
فعندما كنت أتصفح التاريخ الشفهي والتاريخ المدون ، كنت أرى أنّ البشريّة ، في جميع عصورها السابقة لتلك السنوات كان في خضم أحداثها مخلّص يظهر على شكل نبي أو ثائر ، ولم تكن النماذج القليلة التي اطّلعت عليها لثورات الإنسان في القرن العشرين قد اكتملت في فصولها في ذهني ، بل إنّ الشك أخذ يساور نفسي وأنا في تلك السنوات ، إن التغيير أو الثورة التي يقوم بها السياسي لا تلبث أن تنكص على عقبيها وتعود الأمور مثلما كانت في السابق ، أي أنّ الرسالة أو الدعوة تصبح كذلك عندما تتحول إلى سلطة ، وكذلك الأمر بالنسبة للثورة ، فالسلطة دائماً ، في كلّ زمان ومكان ، تحاول أن تلجأ إلى العنف والإرهاب والجمود والقضاء على الإنجاز الإنساني الحقيقي للدعوة أو الثورة ، وقد تأكد لي ذلك من حرب الذئاب المسمّاة بالحرب العالميّة الثانية ، فقد كانت حرب ذئاب أكثر مما كانت حرب دفاع عن الإنسان والديمقراطية والعدالة ، بالرغم من الضوضاء التي كنّا نسمعها في أجهزة إعلام ذلك الزمان .
ومن هنا أستطيع القول إنّ بذرة التمرّد والثورة قد ولدت معي ، وتغذّت ببؤسي ودمي ، وببؤس ودم معظم الناس الذين كانوا يضجّون بالحياة في زمن الطفولة والشباب الأوّل الذي عشته .
وعلى الرغم من هذا البؤس المقيم في طفولتي ، فقد كنت أمارس هواياتي كطفل وشاب في مقتبل عمري . ولكنّي كنت أختار عالم سعادتي إختياراً ، أي أنّني لم أقع في التقليد أو المجانية ، وكنت أشعر أنّني بحاجة إلى زاد روحي ومادي لكي يصلب عودي ، وأستطيع بدء رحلتي الطويلة ، فكنت ـ مثلاً ـ أقوم بنزهات في الحدائق والبساتين وأتأمل الطبيعة الصامتة ، وأحاول أن أحلَّ رموز لغتها ، وأن أتأمّل هذه الطبيعة وهي في حالات تحوّلها ، ومن هذه التحوّلات والتأمّلات اكتشفت النظام الهندسي المعماري الذي يقوم عليه الكون ، وتقوم عليه الحياة أيضاً ، وكنت أشعر بالمثل الذي يقول : (( العقل السليم في الجسم السليم )) فكنت ألجأ إلى الألعاب الرياضيّة الشاقة ، وكنت أتفوّق فيها تفوّقاً كبيراً ، وعندما تخطيت مرحلة الطفولة كنت أمارس ـ على سبيل المثال ـ لعبتي كرة القدم والسلة ، وأزاول رياضة المشي الطويل بعشرات الكيلو مترات ، وكذلك الصوم لعدة أيام ن وتحمّل الألم مهما كان قاسياً ، بحيث لا أصرخ أو أتأوّه .
وقد وقعت لي أحداث كثيرة في طفولتي ، أذكر منها أنّني في أحد الأعياد وقعت من أعلى سلم البيت إلى أسفله ، وقد أصبت برضوض كثيرة وشديدة ، ولكنّي لم أبك أو أصرخ ، فظنَّ أهلي أنّني لم أصب بأذى ، ولكنّي كنت أشعر بآلام هائلة ، وأخبرت أمي همساً بأنّ آلامي لا تطاق ، فطلبت من والدي استدعاء ( المجبّر ) وهو الطبيب الشعبي الذي كان يقوم بتجبير كسور العظام ، وقد اكتشف هذا الرجل أنَّ إصابتي كانت بالغة ، هذه القدرة على تحمل الألم نتجت من الرياضة الروحيّة التي كنت أمارسها .
وكان الفضل الكبير في الاستزادة من القوى الروحيّة ، يعود إلى جدي الذي كان رجل دين وإماماً ، فقد عاش أكثر من مائة سنة ، وكنت أتعلم منه دون أن أسأله ، وكنت أتبعه ـ أحياناً ـ وهو يذهب إلى المسجد أو الجامع ، وأمشي وراءه ، وأزن خطواتي بخطواته ، وكنت أصلي مع الجماعة خلفه وأنا طفل صغير ، كما كنت أساعده عندما يعتني بالبستان الصغير الملحق بالجامع في تشذيب الأعشاب ، وشق السواقي وتركيبها ، وعندما كلَّ بصره قليلاً ترك لي هذه المهمة، فأحسست بسعادة غامرة ، كما كنت أجلس بجانبه عند إلقائه دروس الوعظ للآخرين أو لنفسه ، وأستمع إليه .
ولقد كان أكثر ما يعجبني ويثير الاستغراب في نفسي والشعور بالفرح الغامض ، هو أبيات الشعر التي تتخلّل بعض الأحاديث ، وكان معظمها ـ وقد اكتشفت ذلك فيما بعد ـ لابن عربي ، وعمر بن الفارض والحلاج والشبلي ورابعة العدويّة ، وسواهم من كبار المتصوّفة ، وقد كنت أحفظ مباشرة بعض ما يلقيه ، وكان يندهش ونحن عائدان إلى البيت معاً عندما أعيد على سمعه بعض ما حفظته، فكان يقبلني من رأسي .
وكان جدّي يوصي أبي بي ، ويقول له : إنّ أمنيتي الوحيدة أن تعتني بهذا الصبي ، وأن تتيح له الفرصة وتفتح له كافة أبواب المعرفة وسبلها في المستقبل ، ولهذا فإنّ والدي اختارني ، من بين اخوتي ، صديقاً بالرغم من أني لم أكن أكبرهم .
وعندما تعدّيت مرحلة الطفولة وبدأت أدخل في مرحلة الشباب كان أبي يصحبني معه إلى المقهى ، وإلى السينما لرؤية بعض الأفلام المهمة التي كان الناس يتحدثون عن جودتها ، كما أنّه كان يترك لي حرية شراء المجلات والكتب التي أريد شراءها ، ولا يستقطع ثمنها من مصروفي اليومي .
وجدي كان تأثيره يبدأ عليَّ من عتبة البيت حتى الجامع أو المسجد أي خارج البيت ، أما داخل البيت ، فكانت جدّتي لأمي هي معلمي وملهمي الروحي ، إذ أنّها كانت عمياء ، ولكنّها كانت ذكيّة جداً ، تحفظ مئات القصص والحكايات ، وأغلب هذه القصص كانت أمّا من ألف ليلة وليلة أو من الحكايات الشفهيّة التي كانت تتردّد في المجتمعات الشعبية في مصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين وبلدان البحر المتوسط الشرقية ، لأن بعض هذه الحكايات كما اتضح لي فيما بعد ، ذات أصول يونانية ، وإن كانت أسماء الأعلام التي ترد فيها محرّفة عن الأصل ، ذلك لأن الخيال الشعبي يعمل كما يروق له ، فإذا لم يعجبه اسم من الأسماء استبدله بآخر أو بتطويعه للصوتيات السائدة بحذف بعض حروفه .
أما أبي ، فإنّه يشبه انتوني كوين في فيلم ( المتجوّل ) من حيث أنّه كان إنساناً قلقاً لا يستقرّ على حال ، مقامراً بكلّ شيء ، متنقلاً بين القرية والمدينة ، منفقاً كلّ ما يقع في يده .
لقد بدأت علاقتي بوالدي في العاشرة من عمري تقريباً ، ذلك لأنّني في ذلك الوقت شعرت بأنّ علاقتي بجدّي لم تنته ، لكن أمدها الذي كان يمدّ روحي بنسغ الحياة ، قد انتهى ، ولابدَّ من البحث عن ينبوع جديد يكمّل شخصيّة جدّي ، وهكذا بدأت علاقتي بوالدي ، وكنت أشعر بإعجاب شديد تجاهه لا لكونه والدي ، وإنّما لأنّه كان يمثل النموذج غير المرئي للعين المجردة لأحد أبطال شعري الذين سوف يولدون في أشكال مختلفة فيما بعد ، فالقلق والمغامرة الصامتة دون تبجّح ، والتضحية والإيثار ، وحب الآخرين ، وهي صفات كان يتمتع بها أبي، كانت هي العناصر الإنسانيّة الأساسيّة الأولى التي كنت أحتاج أن أتربى على دفئها ومعانيها ، وكنت أرقب والدي وهو ينمو ويكبر مثلما كنت أنا أيضاً أنمو وأكبر ، وهكذا فإن علاقتنا لم تكن علاقة ابن بأبيه فحسب ، وإنّما كانت علاقة المريد بأستاذه ، كما كانت علاقتي بجدّي سابقاً ، ولكن علاقتي مع والدي كانت علاقة دنيويّة واقعيّة أكثر مما هي روحيّة كما كانت مع جدّي ، ولهذا كنت أصحبه ( أي والدي ) بروحي لأنّه لم يكن يأخذني معه في أسفاره ورحلاته البعيدة ، فكنت أرسم له صورة في خيالي ، وأعتقد ـ مع ذلك ـ أنّها صورة واقعيّة ، وكنت أتأكد من واقعيتها عندما كان يعود من هذه الأسفار وأرى على وجهه ماذا تركت من آثار فأحسُّ بالتطابق الكامل بين صورتي المتخيلة والصورة الحقيقيّة ، وكثيراً ما كانت تفلت أثناء حديثه كلمات وجمل لا يشير إلى مصادرها أو أماكن التحدث بها ، ولكنّني كنت أدرك ذلك وأبتسم ، لأنّ خريطة غير مرئيّة كانت موضوعة أمامي ، وكنت أنا الذي رسمتها أثناء الحوار مع والدي . كما أذكر كيف كنت أُكمل كثيراً من الجمل التي يتحدث بها ، وكنت أستحثّه على الإسراع، وأحياناً أطلب منه أن يتوقف عن الحديث وأنا أقوم باستكمال بقيته ، فكان يندهش ، ويقول لي : من قال لك هذا ، لأنّه كان يعيش حياته بعمق من غير أن يحاول استكناه أبعادها ، كان هو الروح ، وكنت أنا العقل الذي يفكّر فيها وفي ذبذباتها ودوائر اغترابها ، فكنت أعيش الحياة مرتين : حياتي الصامتة المتأملة ، وحياته العاصفة الخفيّة.
لقد كان أبي عكس جدّي تماماً ، أي أنّه كان منصرفاً إلى أمور الدنيا ، وكان يعيش الحياة بعمق ، كما ذكرت ، بالرغم من أنّه كان يصوم في شهر رمضان ، إلاّ أنّ صومه كان تقليديّاً أكثر منه روحيّاً ، وخلاف ذلك كان لا يهتم بعالم جدي ، لكنّه لم يكن يناصبه العداء ، بل كنت أحسُّ بأبي وجدي وكأنّهما حلقتان تكمل إحداهما الأخرى .
ولهذا لم أكن متأثراً بمجرى حياة جدّي أو أبي ، وإنّما كنت معجباً بمجرى حياتيهما ، لأنّهما كانا يمثلان لي نموذجين نادرين من بين مئات النماذج التي كانت تضطرب بها حياة تلك السنوات .
أما في شعري ، فإن الطفولة والشباب لم يكونا بعيدين عن أحاسيسي ومشاعري وأنا أكتب قصائد مجموعتي الأولى (ملائكة وشياطين ) ، وكنت أستخدم الطفولة مرادفاً للطهر والبراءة ، كما أقول في قصيدة ( وكر الشيطان) :
فهناك في قلب الظلام خميلـــة نمّت علـى طفلين يعتنقان
طفلين في عرس الربيع تظامأت شــفتاهما فتعانقا بحنـان
لم يعرفا دنس الحياة ولؤمهـــا فهما على وتر الهوى نغمان
يتناجيان ـ إذا النجوم تناثرت ـ والريحُ قلب والدجى أذنـان
أما في قصيدة ( ذكريات طفولة ) ، فقد أعلنت فيها ـ رغم انشدادي إلى عالم الحريّة والبراءة في الطفولة ـ موت الطفولة وموت أمسها ، ولم يكن الإعلان عن ذكريات عالم الطفولة والانحياز له والحكم عليه بالموت ، إلاّ الرمز إلى العالم القديم الذي كانت فيه المسافة غير موجودة بين الإنسان والطبيعة ، والمسافة غير فاصلة بين الإنسان والخرافة ، وكان فيه الإنسان يرى في الطبيعة ذاته وقسمات وجهه .
وفي المجموعة الشعريّة الثالثة ( المجد للأطفال والزيتون ) يرد استخدام مفردة الطفولة بدلالاتها وأبعادها النضاليّة . فالطفولة رمز لكلّ الأشياء النبيلة والجميلة ، والشاعر عندما يخاطب بغداد يصفها بالطفلة العذراء ، وكذلك حينما أتحدث عن السياب في قصيدتي ( كتابة على قبر السياب ) ، إذ تتعزّز فيها الدلالة التاريخيّة والدلالة المعاصرة للطفولة ويجتمعان في علاقة حميمة وقويّة ، والرموز التاريخيّة يتعزّز حضورها في الواقع المعاصر ، وتكون أكثر قدرة على الاستمراريّة.
حيث أقول فيها :
ونلتقي طفلين
تبدأ حيث تبدأ الأشياء
نصنع من أوراق كراساتنا حرائق
نهرب للحدائق
نكتب أشعار المحبين على الجدار
نرسم غزلاناً وحوريّات
يرقصن عاريات
تحت ضياء قمر العراق

يتبع
تم إضافته يوم الجمعة 30/07/2010 م - الموافق 19-8-1431 هـ الساعة 2:21 مساءً
شوهد 2270 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 5.57/10 (3294 صوت)


أقسام مجلة نورالأدب


رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall

الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved