|
لكل فعل أغنية
اعتادت نهى حين تأخذ ابنها لدروس المسرح كل أسبوع، أن تنتظره طيلة ساعتين بالفضاء الخارجي، حيث ساحة كبيرة امتلأت أشجارا وورودا.. هناك وُضعت مقاعد خشبية، وأخرى حجرية، أمامها طاولات تسمح للجالس أن يضع عليها حقيبته، أو ما أحضره من أكل معه... أو كما فعلت نهى؛ حاسوبا تشتغل فيه بإعداد تصميم لمشروعها الجديد، ولأنها كأنت تجلس وحدها بالمقعد، فتحت اليوتوب على صوت هادئ لا تكاد تسمعه إلا هي، حيث محمد الحياني يغني "يا سيدي أنا حر"، وفجأة جلست بجانبها سيدة وابنها، كانا يأكلان بذور عباد الشمس، ويرمون القشور بالأرض، ويبدو أن السيدة استمتعت بالصوت الواصل إليها وهي تردد "يا سيدي أنا حر". رمقتها نهى بنظرة استغراب وصاح فكرها "يا سيدي أنا حر في رمي قشور عباد الشمس على الأرض؟! ".. كانت تفكر؛ ماذا لو أنها تسألها إن كانت تأكلها هكذا ببيتها؟ لكن صوت الحياني أكد لها أنها لا تستطيع ذلك عندما وصل المقطع الغنائي "ما بيدي حيلة..
وفين الحيلة؟" فأدركت أنها كانت تشتغل ببال هانئ، لكن الحاسوب أمامها الآن، وهي منشغلة بالتفكير في فعل هذه السيدة، فرددت بصوت شبه مسموع "غير البارح.. وانا هاني.. واليوم هانا مشغول البال.. مشغول البال... مشغووول البااااال"، نظرت إليها السيدة مبتسمة، فحولت نهى نظرها للقشور على الأرض، وكان الحياني يقول"ويلا اليوم غلبنا غدا يمكن نغلبوه"، سألتها السيدة:
- أتريدين قليلا؟!
لم تفكر في الجواب، وكان ردها :
- ليس معي كيس أضع فيه القشور، شكرا.
احمرت وجنتا السيدة خجلا، وقال الصغير:
- نحن نرمي بالأرض، حتى قنينة الماء هذه سأفرغها الآن، وأتركها هنا، هكذا نفعل دائما..
ردت نهى وابتسامة النصر تردد معها " أنا ميشي من هاذوك اللي مايقطفوشي الوردة غير لاكان مافيها شوك... غير لاكان ما فيها شوك" :
- صغيري؛ لو التفت قليلا ستجد من حولك حاويات النفاية الصغيرة بكل ركن، هل ترضى أن يزور بيتكم شخص فيجد هذه القشور بغرفتك، وقنينة الماء الفارغ بالصالون، وعلب البسكويت الفارغة أيضا على الأرض؟!
حرك الصغير رأسه بالنفي، ثم نظر لأمه الساكنة، وتابعت نهى:
- كذلك يا بني بلادنا، نحن من نحفظها، لا نقبل أن يأتي سائح ويجد القمامات هكذا.....
انتفضت أم الطفل ولمت حوائجها، وصاحت:
- شكرا أ لالة، هيا علينا مغادرة المكان الآن.. كأننا نجلس بقسم..
وحين غادرت المكان ضحكت نهى، وقالت لابد أنها تقول "وهاذ النار ناري ما يمكن يشعر بيها غيري"..
ثم عادت لإكمال تصميم مشروعها مرتاحة البال، لا يغلي الغضب بعروقها، فتقرر تشغيل "ياك الجرح برا" للفنان ذاته، ثم تتذكر صورة المرأة الغاضبة فلا تستطيع كتم ضحكتها، وكلمات "يا اللي صورتك بين عينيا.. كي يدير قليبي حتى ينساك.. حتى ينساك.. حتى ينسااااااااك".. لإبراهيم العلمي تهمس بها شفتاها.
ترفع عينيها، فإذا بطفلة كانت تلعب أمامها، وقفت تنظر إليها.. فتردد بفرح، وهي تجمع حاسوبا لقرب موعد خروج صغيرها من الدرس "هزيت عيني سرقت شويفة...شويفة هادئة ولطيفة ولقيت ضحكة كتهبل.. فيها شمس وفيها ظل.. ولقيت ضحكة كتهبل فيها شمس وفيها ظل... وإيلا هزّ عيونو فيا.. الحفيظ الله مشاو بيا... الحفيظ الله مشاو بيا... طاروا بيا علاو لفوق..نزلوني لبحور الشوق... طاروا بيا علاو لفوق..نزلوني لبحور الشوق"، دعت للصغيرة، أعطتها حلوى كانت بحقيبتها، ثم ذهبت تنتظر طفلها بمرح، ولأن لكل فعل أغنية عند نهى، حتى الابتسامات، وقفت منتظرة ابنها وفي بالها أغنيات تتهافت، إلى أن سمعت أصوات الأطفال خارجين من قاعة الدرس، فانتبهت لتعيش لحظتها مع ابنها
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|