مشرفة / ماستر أدب عربي. أستادة لغة عربية / مهتمة بالنص الأدبي
شؤون صغيرة
وأنا أسمع قصيدة نزار قباني "شؤون صغيرة" بصوت كاظم الساهر، مع بعض التعديلات التي ربما فرضتها الرقابة، أو بطريقة ما فن الساهر الذي حول كلمات القصيدة من ضمير المتكلمة التي تحدث الشاعر بلسانها إلى المتكلم، تأملت كثيرا، كأني أنتبه أول مرة للنص، فتأكد لي أن الأغنية فعلا تطيل عمر القصيدة، وتجعلها مروية بين الألسن على مر عصور، وهذا الأمر، سبق أن أشار إليه الشاعر نزار بنفسه، فلماذا أثارتني شؤون صغيرة؟
نعم؛ لأننا حين لا ننتظر من الآخر شيئا، فيبدي لنا اهتماما بما نحن بحاجة إليه، نسعد، أحيانا نكون بحاجة فقط إلى أن أرى ابتسامة من حولنا لتطيب القلوب..
نعم؛ قد تقوم أنت بفعل بسيط صغير، لا يبدو لك أنه عامل سعادة، لكن فعلك ذاك سعادتي
"شؤون صغيرة
تمر بها أنت.. دون التفات
تساوي لدي حياتي
جميع حياتي
حوادث.. قد لا تثير اهتمامك..
أعمر منها قصور
وأحيا عليها شهور
وأغزل منها حكايا كثيرة
وألف سماء
وألف جزيرة..
شؤون.. صغيرة "
نعم؛ هي شؤون صغيرة نحتاجها عند المرض، عند الغضب، أثناء القلق، في حال الحزن، أو اليأس والملل... تعيد لنا سرور الحياة..
نعم؛ قد نجد أنفسنا بحاجتك أيها الأخ، الصديق، القريب والحبيب... فنطلب شيئا غير ما نريد بقصد أو بغير قصد، ونلجأ إليك فقط لأننا نلمس فيك تلك الشؤون الصغيرة
"ويوم أجي إليك
لكي أستعير كتاب
وأزعم أني أتيت لكي أستعير كتاب
تراك اكتشفت.. ؟
تراك عرفت..؟
بأني أتيت لغير الكتاب
وأمضي سريعا إلى مخدعي..
أضم الكتاب إلى أضلعي..
كأني حملت الوجود معي
وأشعل ضوئي.. وأسدل حولي الستور
وأنبش بين السطور.. وخلف السطور
لعلك يا صديقتي..
تركت بإحدى الزوايا
عبارة حب قصيرة
جنينة شوق صغيرة
لعلك بين الصحائف خبأت شيئا
سلاما صغيرا.. يعيد السلام إلي"
نعم؛ شؤون صغيرة تحيي فينا كل شيء جميلا، ترسم بهاء الطبيعة على ملامحنا، وتطبع الابتسامة على الشفاه...
شؤون صغيرة لكننا بحاجة إلى أن نتهاداها...
رابط أغنية كاظم الساهر: https://youtu.be/My4QebBZQGY?si=d_JOrkhJIy01qbGl
قصيدة نزار قباني:
تمر بها أنت .. دون التفات
تساوي لدي حياتي
جميع حياتي..
حوادث .. قد لا تثير اهتمامك
أعمر منها قصور
وأحيا عليها شهور
وأغزل منها حكايا كثيرة
وألف سماء..
وألف جزيرة..
شؤون ..
شؤونك تلك الصغيرة
فحين تدخن أجثو أمامك
كقطتك الطيبة
وكلي أمان
ألاحق مزهوة معجبة
خيوط الدخان
توزعها في زوايا المكان
دوائر.. دوائر
وترحل في آخر الليل عني
كنجم، كطيب مهاجر
وتتركني يا صديق حياتي
لرائحة التبغ والذكريات
وأبقي أنا ..
في صقيع انفرادي
وزادي أنا .. كل زادي
حطام السجائر
وصحن .. يضم رمادا
يضم رمادي..
***
وحين أكون مريضة
وتحمل أزهارك الغالية
صديقي.. إلي
وتجعل بين يديك يدي
يعود لي اللون والعافية
وتلتصق الشمس في وجنتي
وأبكي .. وأبكي.. بغير إرادة
وأنت ترد غطائي علي
وتجعل رأسي فوق الوسادة..
تمنيت كل التمني
صديقي .. لو أني
أظل .. أظل عليلة
لتسأل عني
لتحمل لي كل يوم
ورودا جميلة..
وإن رن في بيتنا الهاتف
إليه أطير
أنا .. يا صديقي الأثير
بفرحة طفل صغير
بشوق سنونوة شاردة
وأحتضن الآلة الجامدة
وأعصر أسلاكها الباردة
وأنتظر الصوت ..
صوتك يهمي علي
دفيئا .. مليئا .. قوي
كصوت نبي
كصوت وارتطام النجوم
كصوت سقوط الحلي
وأبكي .. وأبكي ..
لأنك فكرت في
لأنك من شرفات الغيوب
هتفت إلي..
***
ويوم أجيء إليك
لكي أستعير كتاب
لأزعم أني أتيت لكي أستعير كتاب
تمد أصابعك المتعبة
إلى المكتبة..
وأبقي أنا .. في ضباب الضباب
كأني سؤال بغير جواب..
أحدق فيك وفي المكتبة
كما تفعل القطة الطيبة
تراك اكتشفت؟
تراك عرفت؟
بأني جئت لغير الكتاب
وأني لست سوى كاذبة
.. وأمضى سريعا إلى مخدعي
أضم الكتاب إلى أضلعي
كأني حملت الوجود معي
وأشعل ضوئي .. وأسدل حولي الستور
وأنبش بين السطور .. وخلف السطور
وأعدو وراء الفواصل .. أعدو
وراء نقاط تدور
ورأسي يدور ..
كأني عصفورة جائعة
تفتش عن فضلات البذور
لعلك .. يا .. يا صديقي الأثير
تركت بإحدى الزوايا ..
عبارة حب قصيرة ..
جنينة شوق صغيرة
لعلك بين الصحائف خبأت شيا
سلاما صغيرا .. يعيد السلام إليا ..
***
وحين نكون معا في الطريق
وتأخذ من غير قصد ذراعي
أحس أنا يا صديق ..
بشيء عميق
بشيء يشابه طعم الحريق
على مرفقي ..
وأرفع كفي نحو السماء
لتجعل دربي بغير انتهاء
وأبكي .. وأبكي بغير انقطاع
لكي يستمر ضياعي
وحين أعود مساء إلى غرفتي
وأنزع عن كتفي الرداء
أحس وما أنت في غرفتي
بأن يديك
تلفان في رحمة مرفقي
وأبقي لأعبد يا مرهقي
مكان أصابعك الدافئات
على كم فستاني الأزرق ..
وأبكي .. وأبكي .. بغير انقطاع
كأن ذراعي ليست ذراعي..